المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللغة العربية إلى أين ؟


المهاجره
02-15-2011, 10:40 AM
اللغة العربية إلى أين؟ (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1426هـ/ 2005م


http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Langue_arabe/democ_large.gif


(http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
مقدمة (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
أسس إعداد مواد تعليم اللغة العربية وتأليفها (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
تطوير التأليف في مجالات اللغة العربية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
النجاعة في التأليف اللغوي (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
أهمية الإمتاع والتشويق في التأليف اللغوي (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
دور العربية في نشأة التأليف في الدراسات اللغوية السامية المقارنة وتطويره (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
واقع اللغة العربية في أجهزة الإعلام (عرض تقويمي) (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
واقع اللغة العربية في وسائل الإعلام (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
دور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
التحديات التي تواجه اللغة العربية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
الضعف العام في اللغة العربية ( مظاهره، آثاره، علاجه) (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
تطلعات مستقبلية في تعليم العربية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
نماذج من البحث العلمي الخاص باللغة العربية لمواجهة تحديات العصر (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
آفاق تطوير اللغة العربية في التعليم العام (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
ملاحظات حول تعليم اللغة العربية في المرحلة الثانوية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
اللغة العربية في مؤسسات التعليم العام والعالي والأعلى (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
درس اللغة العربية في التعليم العالي بين قيود الاتباع ومتطلبات الإبداع - نموذج اللغويات التراثية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
اللغة العربية لغير المتخصصين في التعليم الجامعي(جامعة الفاتح نموذجاً) (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
تعليم العربية لغير الناطقين بها في المجتمع المعاصر - اتجاهات، وتطبيقات لازمة (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من منظور وظيفي (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
مشكلات التعليم باللغة العربية في المناطق الثنائية اللغة في الوطن العربي (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
آفاق تطوير اللغة العربية في بلاد المسلمين (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
اللغة العربية في منطقة جنوب الصحراء (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
آفاق تطوير اللغة العربية لدى الشعوب الإسلامية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
العربية وتحديات العلوم العصرية في ميدان التعريب (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
مواكبة اللغة العربية للغة المعلومات - المعجم الآلي نموذجاً - (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
تجربة سورية في تعريب العلوم في التعليم العالي (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
مصادر الفعل الثلاثي (جداول التصنيف) (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
مواكبة العربية للغة المعلومات وعصر التقنية (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
ملحق (http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)
تتبع التفاصيل
(http://www.way2jannah.com/vb/showthread.php?t=14231)

المهاجره
02-15-2011, 10:40 AM
تقديم

يأتي الاهتمام باللغة العربية، تدريساً وتطويراً وتعليماً للناطقين بغيرها، في أولويات عمل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وضمن اهتمامات البنك الإسلامي للتنمية، باعتبارها لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم بوصفها لغة التراث الثقافي والأدبي والفكري والعلمي المشترك للدول الأعضاء، وإحدى أقوى الوشائج والروابط بين مجتمعاتها، وأحد عناصر هويتها الثقافية والحضارية.
ولما كانت هذه اللغة تواجه عدداً من التحديات تحدُّ من انتشارها ومواكبتها للحياة المعاصرة، فقد كان على أبناء اللغة والمستفيدين من تراثها الإنساني والديني أن ينهضوا لنجدتها، ويتفاعلوا مع مشكلاتها، ويستشرفوا مستقبلها بآمال ومخططات واعدة وكفيلة بمواجهة كلِّ الصعوبات والمعيقات لمسيرتها الثقافية والعلمية.
ونظراً إلى تلك الاعتبارات، فقد حرصت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة والبنك الإسلامي للتنمية، على إدراج أنشطة متعددة في إطار التعاون المشترك، للعناية باللغة العربية على مستوى مناهج التعليم، ومقرراته، وطرق التدريس، وتيسير القواعد، والعناية بالحرف القرآني، واللغة العربية للناطقين بغيرها.
على أن التحديات المعاصرة في مجالات أخرى كالإعلام والمعلوميَّات والتأليف والترجمة، قد طرحت أسئلة أخرى حول مستقبل اللغة العربية، وحول مسؤولية أبنائها في تصحيح وضعها وتيسير توصيلها للأجيال المعاصرة والقادمة، وكان ذلك هو الدافع إلى تنظيم ندوة دولية حافلة بعنوان " اللغة العربية إلى أين؟".
وعندما دعت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة والبنك الإسلامي للتنمية إلى هذه الندوة، كان المسؤولون في المؤسستين مدفوعين بحرصهم على مستقبل اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم وثقافة المسلمين، ولذا وجهوا الدعوة إلى أعلام معروفين بمشاطرتهم ذلك الإحساس وتلك الرؤية، مع الاعتراف بقدراتهم العلمية، وتجربتهم الفعلية في مجال خدمة العربية وآدابها، تأليفاً وتدريساً وتطويراً ومتابعة.
وقد استجاب العلماء للدعوة برغبة وحماسة للمساهمة في أعمال الندوة تبرهنان على إحساس الصفوة من مفكري الأمة بما تواجهه اللغة من تحديات وحرصهم على المساهمة الفاعلة في نهضتها، بل إن هناك من المهتمين من بادر بطلب المشاركة ذاتياً، حرصاً على تفعيل الندوة والاستفادة من أعمالها.
وقد استغرقت الندوة ثلاثة أيام، وتخللتها سبع جلسات عمل جادة قُدّم فيها ثمانية وعشرون بحثاً، إضافة إلى التعقيبات والمداخلات المهمة التي تخللت أعمال الندوة، وناقشت في مجموعها واقع اللغة العربية، والتحديات التي تواجهها في التعليم، والإعلام، والتأليف العلمي والأدبي، فضلاً عن مجال اللغة العربية للناطقين بغيرها، وآفاق تطوير اللغة العربية لدى الشعوب الإسلامية، والتعريب والترجمة، ومشكلات المصطلحات، ودور المجامع العربية في مواجهتها، وتعميم نتائج أبحاث تلك المجامع في هذا الشأن وغيره.
وناقشت الندوة عدداً من المحاور تشمل مواكبة العربية للغة المعلومات، ودور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى، ومواجهة أثر التغريب والعامية في إضعافها، كما تناولت تطوير المناهج والوسائل المعينة في ميدان اللغة العربية، وسبل الاستفادة من تجارب الآخرين في خدمة لغاتهم، عارضة في هذا المجال تجربة سورية في مجال التعريب، مع مقترحات جديدة لتطوير التأليف في مجال اللغة العربية، وآدابها، وأثر عنصري التشويق والإمتاع في التأليف اللغوي لمقرراتها.
أما توصيات الندوة وبيانها الختامي فقد كانا تتويجاً لأعمالها، وتعبيراً عن طموحات المشاركين فيها وآمالهم واستجابة لمتطلبات السؤال الذي وضعته الجهتان المنظمتان في عنوانها: اللغة العربية إلى أين؟ حيث ركزت التوصيات على تعزيز الثقة باللغة العربية، والاعتزاز بها حفاظاً على كيان الأمة، واعتبار التفريط في اللسان العربي القرآني تفريطاً في الهوية والذاتية الثقافية للأمة، وعلى التوسع في نشر اللغة العربية بمختلف الوسائل، وتقدير الجهود التي تبذل في هذا السبيل على مستوى الدول والمنظمات والمجامع والأفراد ودعمها، مما أكسب الندوة رصيداً علمياً نسعد بتقديمه إلى القارئ بين دفتي هذا الكتاب.
وكما كانت الأبحاث على مستوى المسؤولية الملقاة على المشاركين غالباً، كان أولئك المشاركون من كبار المختصين، حيث كان منهم المجمعيون، وأساتذة الجامعات، والمؤلفون في اللغة وطرائق تدريسها، وخبراء تعليم اللغة العربية لأبنائها وللناطقين بغيرها، والإعلاميون، والمثقفون.
وإن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة والبنك الإسلامي للتنمية، وهما يضعان أعمال هذه الندوة بين أيدي القراء، ليأملان أن يكونا قد قاما بخطوة في الاتجاه الصحيح، وفق خططهما وأهدافهما الداعية إلى خدمة لغة القرآن الكريم، هذه اللغة التي احتضنت تراث الأمة المتنوع عبر مئات السنين، وهما يدركان أن هذه الخطوة يجب ألا تظل وحيدة في دربها الطويل، منقطعة عن جهود أخرى لاحقة ومتوالية، حتى تعود لهذه اللغة مكانتها اللائقة بها في مجتمعها الإسلامي، وفي محيطها العالمي الذي صارت أهميتها فيه تتزايد يوماً بعد يوم.
د. عبد العزيز بن عثمان التويجري
المدير العام
للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة
د. أحمد محمد علي
رئيس البنك الإسلامي للتنمية

المهاجره
02-15-2011, 10:45 AM
أسس إعداد مواد تعليم اللغة العربية وتأليفها
أ. د. محمود كامل الناقة(*)


عادةً ما يواجه المسؤولون عن البرامج التعليمية مهمةً صعبةً هي إعداد وتأليف المواد العلمية التعليمية تلك التي غالباً ما تأخذ شكل الكتاب، ولعل هذه الصعوبة راجعة إلى أن أيّاً من العمليتين - الإعداد والتأليف - تحتاج إلى مجموعة من المعايير والضوابط والشروط والمواصفات التي بدونها تصبح كلتاهما عملية غير علمية.
وفي هذه الورقة سنحاول أن نضع بين يدي المهتمين بهذا الميدان مجموعةً من المبادئ والأسس والشروط والمواصفات التي تعين في الإعداد والتأليف اللغوي للمواد التعليمية في ميدان تعليم اللغة العربية بالتعليم العام. وسنعتمد في ذلك على أربعة جوانب مهمة ينبغي أن تنطلق منها أية مادة أو كتاب لتعليم اللغة العربية، هذه الجوانب هي :
1. الجانب النفسي
2. الجانب الثقافي
3. الجانب التربوي
4. الجانب اللغوي
ولعله من المفيد أن نشير إلى أن هذه الجوانب متداخلة يؤثر بعضها في البعض الآخر والفصل بينها فصلاً مانعاً أمر صعب ولذا فالتداخل والتكرار في الحديث عنها أمر منطقي وطبيعي، وفيما يلي عرض للجوانب الأربعة :
أولاً: الجانب النفسي

يعد الجانب النفسي جانباً مهماً في أية عملية تعليمية، بل لا يخلو بحث أو كتاب يتناول هذه العملية من الحديث عن دور هذا الجانب وصلته بالموضوع الكلي للبحث أو الكتاب، وبالمثل لا نستطيع عند تناول موضوع كموضوع مواد تعليم اللغة العربية إلا أن يُجْذب انتباهنا إلى هذا العنصر، فالحقائق المتصلة بنمو المتعلم لابد أن توجه بالضرورة موضوعات المادة التعليمية من حيث البناء والتركيب والشكل والمضمون. والمبادئ المتصلة بنظريات التعلم وبدور الميول والدافعية فيه كلها أسس نفسية تقوم بدور كبير في إعداد واختيار وتنظيم مواد التعلم. ولعل الاهتمام بهذا الجانب ومراعاته يعتمد إلى حد كبير على مدى مسايرة مواد التعلم لمستويات النمو ومدى مناسبتها للميول ومراعاتها لأحدث الحقائق والمبادئ في ميدان التعلم بشكل عام.
ويرى كثير من المتخصصين في تعليم اللغات أن هناك فرقاً محسوباً بين تعلم الصغير وتعلم الكبير للغة، هذا الفرق الذي ينبغي أن يراعى في المواد المقدمة لكل منهما. وينسحب هذا الفرق عادةً على عدد المفردات ونوعها، وعلى نوع التركيب وطوله وقصره وسهولته وصعوبته، وعلى المعنى من حيث عموميته وضيقه وتخصصه، وعلى الميول من حيث ضيقها واتساعها، وعلى النمو بشكل عام من حيث تمركزه حول الذات وتعديه إلى مجال أوسع، وعلى الإدراك من حيث ضيقه واتساعه وعمقه وسطحيته، والخبرة السابقة من حيث قلتها وكثرتها، وعلى رؤية العلاقات من حيث هي عامة أو جزئية تفصيلية، وعلى المعلومات والمعارف من حيث قلتها وكثرتها ونوعها أيضاً.
لذلك يجب أن تستجيب المواد التعليمية المقدمة للكبار والصغار لهذه الفروق في كل هذه الجوانب.
ويهتم علماء النفس والتربية بدراسة المهارة ومكوناتها ونموها كجانب مهم من جوانب التعلم، ولقد التفت المتخصصون في تعليم اللغات إلى أهمية دراسة مهارات اللغة وتحليلها عند التصدي لوضع المواد التعليمية. ومن الصعب وضع واختيار مواد تعليمية سليمة ومناسبة دون تحديد للمهارات اللغوية التي نريد أن ننميها، ودون تحديد لمستوى هذه المهارات الذي ينبغي أن نبدأ به، والمستوى الذي يجب أن ننتهي إليه.
إن تحديد مهارات اللغة ومستوياتها المناسبة عادةً ما يقوم على أساس مطابقتها بمراحل السلوك اللغوي، إلا أن الدارسين يختلفون بشكل كبير في السرعة التي يطورون بها مهاراتهم، وفي كمية التدريب الذي يحتاجونه للانتقال والتقدم من مستوى من الكفاءة إلى مستوى آخر، ومن هنا نجد أن تحديد مستويات عامة للمهارات، أو تحديد تتابع معين لنمو المهارة شيء صعب فذلك يختلف من دارس إلى آخر، ومع هذا يلزمنا عند اختيار مواد تعليمية أن نضع كل هذه الجوانب في اعتبارنا.
وبالرغم من القبول العام بأن أي مواد لتعليم اللغة يمكن أن تتضمن إمكانية تنمية كل مهارات اللغة عند مستوى معين، إلا أنه ينبغي أن تحدد هذه المهارات وتقدم بشكل واع ومقصود في ضوء معرفة واضحة وعميقة بالكيفية المثلى لتعليم اللغة، فمهارات مثل النطق الصحيح أو تعرف الكلمة، ومعرفة المعنى العام، وتحصيل المفردات الجديدة، والهجاء وتحليل الكلمة، وفهم اللغة المتحدث بها والاستجابة لها... إلخ ينبغي أن تكون واضحةً في ذهن واضع المادة بحيث يجعل من المادة المختارة سبيلاً منظماً ووافياً لتنميتها، ويجب أن يكون واضحاً أن تركيز الاهتمام على بعضها وتقليل الاهتمام بالبعض الآخر لابد أن يكون قائماً على وجهة نظر معينة، وفي ضوء تحقيق أهداف محددة من تعليم اللغة.
ولقد كشفت الدراسات التي دارت حول نمو الإنسان، عن أن عملية النمو المستمرة للإنسان ترى أن التنمية المتدرجة والمتتابعة والمنظمة لمهارات اللغة تناسب تدرج وتتابع مراحل نضج المتعلم، ومن هنا أصبح من الضروري أن توضع مواد القراءة بشكل يتمشى مع مرحلة النضج التي وصل إليها المتعلم، ومن هنا أيضاً تختلف المواد التي توضع لتعليم الصغارعن تلك التي توضع لتعليم الكبار. ومن هنا أيضاً ينبغي الاهتمام في المحتوى بما يناسب الكبار والصغار من حيث المضامين وطرق الصياغة والتناول، بحيث يعكس ذلك اتساع خبرة الكبار وواقع تجاربهم وضيق خبرة الصغار وخيالية اهتماماتهم.
ومن الحقائق التي كشفت عنها أبحاث النمو أن تقارب أعمار الدارسين لا يعني تشابههم في القدرات، معنى هذا أنه فيما بين المتعلمين الكبار نجد فروقاً فرديةً، وفيما بين المتعلمين الصغار نجد أيضاً هذه الفروق. لذلك فعندما نقدم مادةً تعليميةً ينبغي أن ندرك أن الدارسين ليسوا على درجة واحدة من القدرة في نفس المرحلة في الوقت ذاته، ولذلك ينبغي أن يراعى في المواد التعليمية شمول مدى متعدد وواسع من القدرات، وذلك على خلاف من يدعي أن التتابع خطوة في تنمية المهارة يتيح الفرصة لأن يتقدم كل دارس في حدود قدراته. فهذا القول مردود عليه بأن الجو المدرسي وطريقة التدريس لا تسمح لكل دارس بأن يعمل مستقلاً في إطار قدراته، بل هو مجبر أن يساير الصف الذي يتعلم فيه ولا يتخلف عنه.
ولا ينبغي أن ننسى في هذا السياق ما يسمى بالاستعداد للتعلم، وهو الوقت الذي يكون فيه الدارس أكثر قدرة على اكتساب المهارة في سهولة وكفاءة. وهنا نجد أنفسنا أمام نوعيات من الدارسين الكبار والصغار، والأمر بالنسبة للصغار سهل وميسور، ذلك أن الاستعداد للتعلم عند الصغار عادةً ما يكون أكثر مما عند الكبار وذلك على خلاف من ينادي بأن الكبير أقدر على التعلم من الصغير، ولذلك وبصرف النظر عن العوامل المؤثرة في الاستعداد نجد أنفسنا في حاجة لأن نقدم للكبير كما نقدم للصغير مواد تتضمن أنشطة لتهيئة الاستعداد قبل أن نقدم أية مهارة جديدة، أنشطة تأخذ بيد كل منهما وتساعده لا أن تضغط عليه وتجبره.
ولعل من خير الوسائل لتنمية الاستعداد عند الصغار وللتغلب على المشكلات المتوقعة نتيجة لعدم الاستعداد، ما يسمى بكتب التدريب والممارسة Work Books هذه الكتب التي يمكن أن تساعدنا على تحقيق أمور كثيرة منها مثلاً بعض الطلاقة اللغوية والمهارات الحركية في الكتابة، ومهارات التعرف، وتكوين بعض الصيغ، وإتقان النطق وإخراج أصوات اللغة... إلخ هذه الأمور التي تنمي الاستعداد وأيضاً لابد أن تشمل هذه المرحلة التدريب الصوتي وتدريبات الاتصال باللغة شفهياً قبل الدخول إلى القراءة من أجل المعنى، ومن ثم ينبغي أن نقدم في المرحلة الصوتية كميةً كبيرةً من التدريبات والممارسات المطلوبة للسيطرة على مهارة فك الرمز المكتوب والتعرف عليه صوتاً وشكلاً.
ومع الحديث عن الاستعداد يأتي الحديث عن الدوافع والميول، ودورها في تعلم اللغة، فإذا وجد الدارس ما يشبع حاجاته من تعلم اللغة فإن رغبته في تعلمها وميله للاستمرار في هذا التعلم يتأكدان منذ البداية، ولذلك ينبغي أن تحقق المواد التعليمية المقدمة إحساساً بالإشباع خاصةَ في الجانب المعلوماتي والثقافي فإن الإشباع الذي يأتي من إحساس الدارس بإحراز التقدم والحصول على النجاح يقوم بدور مهم في حثه على التعلم، لذلك فالمواد التي تقود المتعلم إلى تحصيل نجاح غالباً ما يفضلها على تلك التي تجعله يحس بالإحباط وخيبة الأمل.
إن الإثارة والدافعية تحدث عندما تستخدم مواد تجعل النجاح في التعلم أمراً ممكناً في المراحل الأولى من تعلم اللغة، وتساعد الدارس على الشعور بقدرته على تعلم اللغة والسيطرة على مهاراتها. أما فقدان الإثارة والدافعية فيحدث عندما تستخدم مواد غير مناسبة، قد تكون سهلةً جداً أو صعبةً جداً، أو فقيرةً في المضمون أو محتواها غير مناسب لعمر الدارس وخبراته ومستواه الثقافي.
أما فيما يتصل بنظريات التعلم وسيكلوجياته فإنها تتعدد وتختلف وتتباين مما يؤدي إلى عدم وجود نظرة شاملة أو كافية بشكل عام لتوجيه عناصر إعداد المواد التعليمية وتأليفها ومعالجتها، ولذلك فالبديل هو المؤلِّف التربوي الذي يستطيع بمعرفته لمجموعة من مبادئ التعلم المستقاة من العديد من النظريات أن يطبق على المادة التعليمية إعداداً وتأليفاً ما يحقق عن طريقها عملية تعلم فعالة.
ويبقى أيضاً ضرورة الاستفادة من وجهات نظر المتخصصين في تعليم اللغات وخبراتهم وأبحاثهم وكتاباتهم وتجاربهم، كما يبقى أيضاً الاستفادة مما طرحه هؤلاء من طرق ونظريات في تعليم اللغات وهي كثيرة ومتداولة ولا يسمح المجال هنا بمناقشتها لأنها تحتاج لوقت طويل وصفحات كثيرة.
وفي ضوء هذه المناقشة يمكننا أن نستخلص مجموعةً من الشروط والمبادئ النفسية، ينبغي أن تراعى عند وضع مادة تعليمية أساسية لتعليم اللغة العربية ومنها :
1. أن تناسب المادة الخصائص النفسية والثقافية للدارسين مفرقةً في ذلك بين ما يقدم للصغار وما يقدم للكبار.
2. أن تراعي المادة الفروق بين ميول واهتمامات وأغراض الدارسين من تعلم اللغة.
3. أن تحدد مكانة كل مهارة من مهارات اللغة في المادة المقدمة، وما ينبغي أن يعطى لكل منها من هذه المادة.
4. أن تحدد بوضوح مستويات الأداء المطلوبة في كل مهارة من مهارات اللغة ومراعاة ذلك في المراحل المختلفة من المادة.
5. أن يتتابع تقديم المهارات وفق خطة واضحة تتناسب وتدرج مراحل نضج الدارسين، بحيث لا تقدم المهارة إلا في وقتها المناسب.
6. أن تلتفت المادة إلى المهارات بشكل تفصيلي :
أ) المهارات التي تتصل بالجانب الصوتي.
ب) مهارات تُعَرِّف الكلمة وتحليلها وتركيبها.
جـ) مهارات تُعَرِّف الجملة وتحليلها وتركيبها.
د) مهارات الفهم العام والتفصيلي.
7. أن تحقق المادة المطالب الأساسية للدارسين من تعلم اللغة.
8. أن تكون شائقة ثرية المحتوى من الجانب المعرفي والثقافي بما يحقق الاستمتاع للدارس.
9. أن تراعي الفروق الفردية بين الدارسين في القدرات عن طريق التنوع في مستوى المادة.
10. أن تراعي المادة استعداد الدارسين للتعلم، وأن تلجأ إلى وسائل متعددة لتنشيط هذا الاستعداد وتهيئة الدارس للتعلم.
11. أن تحقق المادة للدارس نوعاً من الإشباع، أي تمكنه وبشكل سريع من إتمام عملية الاتصال اللغوي الحيوي اليومي والضروري.
12. أن تراعي المادة إثارة رغبة الدارسين واستعداداتهم لتعرف اللغة وزيادة معلوماتهم وإشباع حب استطلاعهم الثقافي وذلك عن طريق الأنشطة والممارسات.
13. أن يستند إعداد المادة وتنظيمها إلى ما انتهت إليه نظريات التعلم من حقائق ومفاهيم.
14. أن تصاغ المادة وتنظم في ضوء الطرق الفعالة في تدريس اللغات.
15. أن تهيء المادة دائماً للدارس مشكلةً يحاول التغلب عليها عن طريق تعلم اللغة وممارستها.
16. أن تتيح المادة للدارس فرصاً تشجعه على استخدام ما تعلم في مواقف اتصال حقيقية شفوية وتحريرية.
ثانياً : الجانب الثقافي

تحتل الثقافة باعتبارها طرائق حياة الشعوب وأنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية مكانة مهمة في تعليم وتعلم اللغة، باعتبار أنها محتوى الوعاء اللغوي، وأنها مكون أساسي ومكمل للمتحوى اللغوي، لذلك لابد أن تحمل المادة التعليمية للغة أو كتاب تعليم اللغة العناصر الثقافية، بل وينبغي أن تندمج هذه العناصر اندماجاً كلياً في مادة تعليم وتعلم اللغة استناداً إلى أن تعلم اللغة يتوقف على مقدار نمو المهارة اللغوية وفي ذات الوقت نمو الحصيلة الثقافية الفكرية.
فإذا كان الفكر في النهاية قادراً على أن يعبر عن الثقافة، وأن الثقافة والذات ينتقلان وبشكل رئيسي من خلال الكلمة المقروءة والمكتوبة التي تعبر عن الفكر، إذن فاللغة وعاء للتفكير وهي في ذات الوقت وسيلة من وسائل إنتاجه فإذا أردنا أن نعلم اللغة فلا يمكن إذن أن نعلم لغة بلا محتوى، لغة بلا أفكار ومعلومات ومعارف. من هنا أصبح الجانب الثقافي المعرفي الفكري المعلوماتي جانباً في غاية الأهمية ونحن نعد ونؤلف لتعليم اللغة من حيث اختيار النص اللغوي الذي سنعلم من خلاله اللغة، أي من حيث اختيار المحتوى الفكري الثقافي الذي نتوسل به ومن خلاله إلى تعليم وتعلم اللغة، فكأنما نقول أنه عند تأليف مواد تعليم اللغة فلابد أن نأخذ في اعتبارنا أن معالجتنا للمحتوى الثقافي لابد أن يتكافأ في الأهمية مع المحتوى اللغوي ومهارات اللغة، بل أكثر من ذلك أننا نجد أن الكثير من الدراسات والبحوث في ميدان تعليم اللغات تكاد تجمع على أن الثقافة والفكر والمعرفة هي الهدف النهائي من أي كتاب لتعليم اللغة.
ونقول أنه إذا كان للغة مستويات، فإن للثقافة مستويات، فلها مستوى حسي ومستوى تجريدي معنوي، ولها مستويات تبدأ بالفرد وتتسع للأسرة ثم للمؤسسات والجماعات... إلخ فإنه ينبغي وفي المراحل الأساسية من تعليم اللغة التدرج بمستويات الثقافة من الحسي إلى المعنوي، ومن الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع الأوسع.
وإذا كان للثقافة بكل معانيها أبعاد ماضية وحاضرة ومستقبلة، فإنه لا ينبغي أن يقتصر في إعداد وتأليف المواد التعليمية على تقديم بعد واحد منها، وإنما يجب تقديم حاضر الثقافة وماضيها وآمالها وتطلعاتها المستقبلية وسعيها نحو غد أفضل.
وإذا كان للثقافة مستويات أخرى هي العموميات والخصوصيات والإبداعيات ينبغي عند التأليف أن نقدم صوراً من عموميات الثقافة وخصوصياتها وإبداعياتها من علماء ومفكرين ومبتكرين ومبدعين وقادة.
وإذا كان للثقافة أبعاد دينية وسياسية وتجارية واجتماعية وحرفية وفنية وعلمية وتراثية وأدبية... إلخ لذا فالأمر يتطلب عند التأليف أن تتعدد أوجه الثقافة وأبعادها في المادة التعليمية بتعدد هذه الامتدادات.
وبما أن هناك تأثراً وتأثيراً متبادلين بين الوعاء اللغوي والمحتوى الثقافي وكل منهما يشكل مستوى الآخر، إذن ينبغي أن يضبط المحتوى الثقافي بالإطار والمستوى اللغوي الأساسي بحيث لا يؤدي الارتفاع بالمستوى الثقافي إلى الارتفاع بالمستوى اللغوي.
وفي إطار من هذه المنطلقات المتصلة بالمحتوى الثقافي للمادة التعليمية الأساسية لتعليم اللغة، نجد أن من أساسيات مراعاة هذا الجانب في مؤلفات وكتب تعليم اللغة العربية ما يلي :
1. أن تعبر المادة عن محتوى الثقافة العربية والإسلامية والعالمية.
2. أن تعطي صورة صادقة وسليمةً عن الحياة في الأقطار العربية والإسلامية.
3. أن تعكس المادة الاهتمامات الثقافية والفكرية للمتعلمين على اختلافهم.
4. أن تتنوع المادة بحيث تغطي ميادين ومجالات ثقافية وفكرية متعددة في إطار من الثقافة العربية الإسلامية والثقافة العالمية.
5. أن تتنوع المادة بحيث تقابل قطاعات عريضة من الدارسين من البيئات المختلفة والثقافات الفرعية المتعددة.
6. أن تتسق المادة ليس فقط مع أغراض الدارسين ولكن أيضاً مع أهداف التربويين من تعليم اللغة.
7. أن يعكس المحتوى حياة الإنسان العربي المتحضر في إطار العصر الذي يعيش فيه.
8. أن يثير المحتوى الثقافي للمادة المتعلم ويدفعه إلى تعلم اللغة والاستمرار في هذا التعلم.
9. أن ينظم المحتوى الثقافي إما من القريب إلى البعيد أو من الحاضر إلى المستقبل أو من الأنا إلى الآخرين أو من الأسرة إلى المجتمع الأوسع.
10. أن تقدم المادة المستوى الحسي من الثقافة ثم تتدرج نحو المستوى المعنوي.
11. أن توسع المادة خبرات المتعلم بالحياة الفكرية والعلمية والفنية.
12. أن يقدم المحتوى الثقافي بالمستوى الذي يناسب عمر الدارسين ومستواهم التعليمي.
13. أن تلتفت المادة بشكل خاص إلى القيم الأصلية المقبولة في الثقافة العربية والإسلامية.
14. أن تقدم تقويماً وتصحيحاً لما في عقول الكثيرين من أفكار خاطئة عن الثقافة العربية والإسلامية.
15. أن تتجنب إصدار أحكام متعصبة للثقافة العربية أو ضد الثقافات الأخرى.
ثالثاً : الجانب التربوي

عادةً ما تعبر المبادئ التربوية عن النظرة التطبيقية في عملية التعلم لما تقدمه الأسس الأخرى من معلومات مثل الأساس النفسي والثقافي والتربوي. ومعرفة هذه المبادئ تساعد المسؤولين عن وضع المواد التعليمية واختيارها على تحليل هذه المواد وتحديد أيها يصلح للبرنامج الذي يقومون على تخطيطه وتنفيذه.
وتتلخص هذه المبادئ التربوية في عدة مجالات هي :
1. مبادئ تنظيم المادة التعليمية وهي التابع والاستمرار والتكامل.
2. الضوابط التربوية عند معالجة الجوانب المختلفة للمادة التعليمية.
3. مبادئ تتصل بوضوح المادة التعليمية وانقرائيتها.
4. مبادئ تتصل بمحتوى المادة التعليمية.
5. مبادئ تتصل بمناسبة المادة وإمكانية تدريسها.
وفيما يلي نعرض لكل مجال :
أولاً : فيما يتصل بمبادئ تنظيم المادة التعليمية :
إن الهدف من إعداد وتأليف كتب تعليم اللغة هو تقديم مواد من خلالها يستطيع الدارس أن يتقدم بأقل التوجيهات من المعلم، مواد تسمح بنمو مستمر في مهارات اللغة وعاداتها. ولذلك ينبغي أن تتضمن هذه المواد أنشطة لغوية وثقافية متعددة، أنشطة لتنمية المهارات اللغوية، وأنشطة لاستيعاب المحتوى المعرفي والثقافي وفهمه، ومن ثم تحتاج هذه المواد لتنظيم كامل للمهارات وللمواد الثقافية، بحيث يؤدي هذا التنظيم إلى عبور الفجوات فيما بين المهارات، أي صياغة المواد بشكل متتابع ومستمر يجعل من تنمية كل مهارة تنمية للأخرى في ترابط عضوي، ويجعل من تنمية مستوى معين من المهارة تمهيداً لتنمية مستوى أوسع وأعمق منها وهكذا في تتابع واستمرار محكم، وأيضاً صياغة المواد بحيث تقدم أولاً المحسوس من الثقافة مهيئة بذلك الدارس للانتقال إلى المستوى المعنوي منها وهكذا.
كما أن الأمر يتطلب اختيار المحتوى الذي يجذب الدارس ويفيده، بحيث يرتبط هذا المحتوى بأغراض الدارس وخبراته وما يهمه من دراسة اللغة والثقافة وربط كل ذلك بالمحتوى اللغوي.
كل هذا يعني ضرورة توافر أربعة شروط :
1. أن تسمح المواد بنمو مستمر ومتتابع في مهارات اللغة وعاداتها.
2. أن تقدم المواد مستويات متعددة من الأنشطة اللغوية والثقافية.
3. أن تقدم تنظيماً متكاملاً للمهارات وللمواد الثقافية.
4. أن تقدم محتوى مفيداً ونافعاً.
ثانياً : الضوابط التربوية :
هناك مجموعة من الضوابط التي ينبغي أن تراعى عند وضع واختيار المواد الأساسية لتعليم اللغة، هذه الضوابط تهدف عادةً إلى وضع المادة في صورة تتعدد فيها مستويات السهولة والصعوبة وتتدرج. كما أنها تهدف إلى وضع المادة في صورة منظمة تحقق أهداف تعليم اللغة وتعلمها، وهذه الضوابط خاصة فقط بالمواد الأساسية لتعليم اللغة حيث قد لا تصلح كضوابط للمواد التعليمية التالية للمرحلة الأساسية، تلك التي لا نستطيع أن نتحدث عنها في مثل هذه الورقة، وإنما نقدم فقط هذه المرحلة كمثال.
وتشمل هذه الضوابط عدة أمور نعرضها فيما يلي :
1. المفردات :
تستخدم عملية ضبط المفردات في مواد تعليم اللغة لتمكين المتعلم من بناء ثروة من الكلمات الفعالة، فالحرص على ضبط عدد المفردات المقدمة، وضبط مدى حسيتها وتجريدها، وتكرار هذه المفردات يؤدي عادةً إلى تثبيتها وسهولة استخدامها. وفي ضوء هذا لا بد من أن تراعى عدة أمور لتحقيق ضبط محكم للمفردات، من هذه الأمور: أن يكون عدد المفردات معقولاً ومناسباً لتقديم النص اللغوي المطلوب، وأن تقدم الكلمات المحسوسة على الكلمات المجردة، وأن تكرر الكلمات عدداً من المرات لتثبيتها، وأن يتم تعرف الكلمة ومعناها في آن واحد، وأن تخصص تدريبات معينة للمفردات من حيث تعرفها ونطقها وفهم معناها، كما ينبغي الالتفات خاصة في ميدان تعليم اللغة العربية إلى الترادف والاشتقاق وظلال المعنى.
2. الأصوات :
لا يوجد خلاف على أهمية تعلم الأصوات في تعلم أي لغة تعلماً فعالاً ولارتباط الأصوات عادةً بحروف اللغة نجد أن الاتجاه الصحيح لتعليمها يشمل صوت الحرف وشكله، ثم الحروف وأصواتها متصلة في سياقها اللغوي. وعادةً ما تكمن مشاكل هذا الجانب في تحديد عدد الأصوات الذي ينبغي أن يقدم، ومتى ينبغي أن يقدم، وأي الطرق التي يمكن أن تقدم الأصوات بشكل فعال.
وهناك اتجاهات ومداخل كثيرة لتقديم أصوات اللغة إلا أن أكثرها شيوعاً وقبولاً هو استقلالها بجزء من المادة قبل الدخول في تراكيب اللغة، وأحياناً يأخذ هذا الجزء المستقل شكل البرنامج الصوتي الكامل. وبصرف النظر عن المدخل الذي ينبغي أن يعالج به الجانب الصوتي ينبغي أن نؤكد على عدة أمور وهي :
ـ أن يخصص للجانب الصوتي جزء خاص في المادة التعليمية.
ـ أن يأخذ هذا الجزء شكل البرنامج المنظم لتعليم الأصوات.
ـ أن يتكامل هذا البرنامج الصوتي مع بقية عناصر مادة تعليم اللغة.
ـ أن تعالج الأصوات في هذا البرنامج بشكل واضح ودقيق.
3. اللغويات :
بالرغم من وجود مجموعة من الضوابط التربوية على الجانب اللغوي يمكن أن تستخدم عند إعداد وتأليف المواد الأساسية لتعليم اللغة إلا أنها عادةً لا تستخدم بشكل دقيق. من بين هذه الضوابط ضرورة الاستفادة من نتائج الدراسات والبحوث اللغوية الحديثة في وضع المواد التعليمية لتعليم اللغات ويهمنا هنا أن نلفت النظر إلى أن المقصود باللغويات هنا فقط التراكيب اللغوية التي ينبغي أن تستخدم في المادة حيث يجب أن نؤكد فيها على الجوانب التالية وهي :
أن تستمد هذه التراكيب من التراكيب الشائعة، وأن تتجه في المادة من البسيط إلى المعقد، وأن يتناسب المعقد منها مع قدرات الدارسين، وأن تستخدم الأنماط اللغوية بشكلها الطبيعي بحيث لا تبدو اللغة في إجمالها مصطنعة، كما ينبغي أن تعالج هذه التراكيب بشكل يبرزها في المادة ويلفت نظر الدارس إليها.
4. المفاهيم والمضامين الثقافية :
إن تنمية المفاهيم والمضامين الثقافية تتصل اتصالاً مباشراً في برنامج تعليم اللغة بالمعاني والمعلومات والمعارف والأفكار التي يمكن تحصيلها من المادة التعليمية. وهذه عملية مهمة في تعلم اللغة حيث برز الوعي بأن المفاهيم الثقافية المتضمنة في المواد التعليمية من حيث عددها ومستوى حسيتها أو تجريدها ومعنويتها لها دور كبير جداً في مساعدة المتعلم أو إعاقته عن تعلم اللغة.
وعلى الرغم من صعوبة ضبط المفاهيم في المواد التعليمية إلا أنه لامفر من تحقيق هذا الضبط ذلك أن عبء المضمون الثقافي للمادة كثيراً ما يكون ثقيلاً بالشكل الذي لا يساعد على صلاحية المادة لتعلم مهارات اللغة. كما أننا ينبغي أن نلاحظ أن ثقل المفهوم الثقافي وتعقيده يتصل اتصالاً وثيقاً بالمفردات التي سبق أن ناقشنا ضوابطها، والمقصود بالمفردات هنا معاني الكلمات وليس مشكلات التعرف والسيطرة على الكلمات الجديدة في شكلها المطبوع، فإذا تضمنت المادة عدداً كبيراً من الكلمات المختلفة غيرالشائعة، فإن عمق المفهوم الثقافي الذي تتضمنه هذه المادة سيكون بالدرجة التي تسبب معاناة للدارس في تعلم مهارات اللغة. ومن هنا نقول إنه ينبغي أن توضع المفاهيم الثقافية في المادة الأساسية بشكل يجعل المادة صالحةً لتعلم مهارات اللغة، بحيث نتجنب عمقها الذي يعوق الدارس عن تعلم اللغـة.
ونحن نعلم أن الكلمة الواحدة في اللغة العربية تعني تماماً معناها الجذري أو القاموسي، ومن ثم ينبغي أن تقدم الكلمة في سياق ثقافي بسيط وواضح ويظهر معناها، فإذا لم يستطع الدارس أن يربط تماماً بين الكلمة والخبرة الثقافية الدالة عليها فستؤدي النتيجة إلى فهم خاطئ، ولذلك يفضل هنا استخدام الوصف؛ لأنه يشرح الخبرة التي تزيد المعنى وتساعد الدارس على تحديد المصطلحات وفهم دلالاتها. ويقصد بالوصف هنا استبدال الكلمة أو المصطلح (المفهوم) بكلمات أو مصطلحات معروفة ومفهومة وشائعة، خاصة ونحن نعلم أن من صعوبات تعلم اللغة العربية أن الكلمة الواحدة فيها قد تأخذ العديد من المعاني، وفي ضوء هذا ينبغي أن نؤكد على ضرورة أن تقدم المفاهيم الثقافية من خلال المادة التعليمية بشكل بسيط وسهل ومفهوم.
ولقد أشرنا في مكان آخر إلى أن للثقافة مستويات، ومن ثم فهناك مستويات لمفاهيم الثقافة، ومن المنطقي أن نقدم في المراحل الأساسية من تعلم اللغة الحد الأدنى من مستويات المفاهيم الثقافية، وفي ذات الوقت يتناسب مع مستويات المتعلمين وقدراتهم اللغوية ويساعدهم على تنمية المهارات اللغوية، وهذا لا يعني الهبوط بمستوى المفاهيم إلى الحد الذي يبدو وكأنه مستوى طفولي تافه وغير مثير، وعلى هذا ينبغي أن نؤكد على ضرورة أن يناسب مستوى المفاهيم الثقافية في المادة التعليمية الدارسين ويثيرهم. وعادةً ما يرجع تقدير مناسبة المفاهيم الثقافية في المادة التعليمية إلى المستوى المعرفي والتعليمي والثقافي للدارسين، كما يرجع إلى ما يمكن أن يجري من دراسات وبحوث حول ميول ورغبات وحاجات واهتمامات وأغراض الدارسين السابقة.
5. الأسلوب :
وهو ما يتصل بالجانب الأدبي من اللغة، أي أن الضوابط المتصلة بالأسلوب هي تلك التي تستخدم لضبط الملامح الأدبية لمحتوى المادة المقدمة. فالمستوى الأدبي للمحتوى الذي يقدم في مرحلة أساسية لتعليم اللغة العربية لا ينبغي أن يكون رفيعاً وإلا تعارض هذا مع ما وضعنا من ضوابط في المفردات والتراكيب والمفاهيم.
ثالثاً : الوضوح والانقرائية :
نعني بالوضوح هنا السهولة والفاعلية في المادة المتعلمة وهما أمران مهمان في تحديد سرعة التعلم.
والوضوح في المواد المطبوعة يحدد بعدة عوامل من أهمها :
1. حجم حروف الطباعة، ويفضل عادةً في المواد الأساسية أن يكون الحجم إلى حد ما كبيراً وواضحاً.
2. نوع الخط، ويفضل أن يكون خط النسخ المستخدم في الكلمة العربية المطبوعة.
3. المسافات بين الأسطر، ويستحسن أن تكون المسافات واسعة ومريحة.
4. طول السطر المطبوع، وعادةً ما يخضع هذا لأعمار الدارسين ومستوياتهم.
5. انعكاس الضوء عن طريق الصفحة المطبوعة، ويستحسن في هذه الحالة أن يكون الورق قليل اللمعان.
أما الانقرائية فتحدد بأشياء كثيرة تتضمن نوع المفردات والتراكيب، وطول الجمل وقصرها، وطول الفقرات وتنظيمها، ونوعية الفكرة، والصور والرسوم التوضيحية، وطريقة التناول كالسرد والحوار والأسلوب القصصي... إلخ، وهو ما تناولنا بعضه في هذه الدراسة.
رابعاً : المحتوى المعرفي :
حيث ينبغي أن يكون المحتوى المعرفي متصلاً بخبرات الدارسين وأغراضهم، وذلك لأن تنمية الميول والاحتفاظ بها يتطلب أن يكون المحتوى ذا معنى ودلالة بالنسبة للدارسين، وأن يتحرك من المألوف لهم وأن يتصل بما يعرفون أو يودون معرفته حتى يمكنهم فهمه وتصديقه واستخدامه. كما ينبغي أن تكون المعارف كافية للاستخدام، والكفاية هنا تعني كم المحتوى وفائدته للدارسين ومناسبته لخلفياتهم العلمية وخبراتهم الثقافية. وفي هذا السياق يجب أن تقدم المعارف بشكل واضح ودقيق، فطريقة العرض ونمطه ضروريتان للوضوح والقبول من الدارس، هذا بجانب مراعاة عوامل الدقة والحداثة في المعلومات.
خامساً : مناسبة المادة وقابليتها للتدريس :
أ) المناسبة :
وهي تعني مناسبة المادة لتحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها، ومناسبتها لتحقيق تعلم فعال لمهارات اللغة، وأن تتمشى مع الأغراض والأهداف التي وضعت من أجلها، وأن تعطي كل أوجه برنامج تعلم اللغة، وأن تكون اقتصادية في الوقت الذي تستغرقه والتكلفة المادية والجهد الذي تتطلبه من المعلم والتلميذ، وأن تكون فعالة في تعليم اللغة بنجاح. كما ينبغي الحرص على الاستفادة من نتائج الدراسات والبحوث في ميدان تعليم اللغات، وأيضاً الحرص على تجريب المادة وتقويمها وتعديلها في ضوء نتائج التجريب.
ب) القابلية للتدريس :
ونعني بالقابلية للتدريس مدى اتفاق المادة مع مبادئ التدريس الجيد، ومدى ما تؤديه من الاستمرار في تنمية المهارات، وتزويد المتعلم بثروة لفظية غنية، ومدى تمكينها للدارس من التعامل باللغة شفوياً وتحريرياً، ومقابلتها للفروق الفردية في القدرات والمهارات والحاجات والميول، كما يدخل في هذا السياق مدى تنوعها وثراء ما تقدمه للمعلم من اقتراحات تعينه على التدريس.
مبادئ تربوية عامة

وهناك بعض المبادئ التربوية التي لا يمكن إغفالها عند إعداد المواد التعليمية الأساسية ومنها :
1. الأهداف :
ذلك أنه ينبغي أن تنطلق المادة التعليمية من أهداف تعليمية محددة تتصل بكل مهارة من مهارات اللغة، على أن تكون هذه الأهداف مصاغة صياغة سلوكية يسهل معها اختيار المادة التعليمية، ويسهل معها أيضاً قياسها لدى المتعلم.
2. التدريبات والاختبارات :
حيث لا يتصور وضع مادة تعليمية أساسية دون أن تتضمن مجموعة من التدريبات المتنوعة التي تتناول جميع المهارات المقدمة وتعمل على تنميتها وتثبيتها واستخدامها، وأيضاً مجموعة من الاختبارات التي تقيس تحصيل الدارس وتكشف عن مدى تقدمه في التعلم. والحديث التفصيلي عن أنواع التدريبات وأنماطها وفنياتها حديث يطول ليس هذا مكانه.
3. الوسائل التعليمية :
عادةً ما تقاس جودة المادة التعليمية بمقدار ما تقدمه من وسائل تعليمية تعين على التعلم وتساعد على فاعليته، وبمقدار ما تسمح للمعلم باستخدام هذه الوسائل وبإضافة وسائل جديدة. ومن نافلة القول أن نتحدث عن أهمية الوسائل التعليمية واستخدامها في التعلم.
4. المصاحبات :
ونقصد بها ما يصاحب المادة التعليمية الأساسية في الكتاب من تسجيلات صوتية، وكراسات التطبيقات، والمعاجم الأساسية، ومرشد المعلم. وهذه المصاحبات تعتبر جزءاً مهماً ومكملاً للمادة الأساسية الأصلية، وإهمالها يعتبر نوعاً من القصور في إعداد المادة التعليمية وفي شمولها وكفايتها.
5. واضعو المادة التعليمية :
وهنا يفضل عادةً أن يشترك في وضع المادة التعليمية خبراء في اللغويات وفي الاجتماع والثقافة، وفي علم النفس والتعلم والمناهج والمواد التعليمية، وأيضاً خبراء في الوسائل التعليمية وفن إخراج الكتب، بل وأيضاً مدرسون أكفاء.
وفي ضوء هذا العرض يمكننا أن نخلص بمجموعة من الشروط والمبادئ التربوية التي ينبغي أن تراعى عند وضع مادة تعليمية أساسية لتعليم اللغة العربية منها :
1. أن تقدم المواد مستويات متعددة من الأنشطة اللغوية والثقافية.
2. أن تنظم بالشكل الذي تتكامل فيه المهارات اللغوية والمعلومات الثقافية.
3. أن يضبط فيها عدد المفردات بحيث تقدم العدد الذي يكفي لتقديم النص المطلوب دون تقليل أو إكثار.
4. أن تضبط نوعية المفردات بحيث تتحرك من الحسي إلى المجرد.
5. أن تكرر كل مفردة عدداً من المرات يكفي لتعرفها وتثبيتها واستخدامها.
6. أن تقدم المفردات بحيث يرافق معناها تعرفها.
7. أن يخصص في المادة التعليمية جزء معين للجانب الصوتي بحيث يكون برنامجاً منظماً لتعليم الأصوات.
8. أن يتكامل البرنامج الصوتي مع بقية عناصر مادة تعليم اللغـة ومهاراتها.
9. أن تستمد التراكيب اللغوية في المادة من التراكيب الشائعة المألوفة الاستخدام.
10. أن يضبط عدد التراكيب المقدمة بحيث لا يقدم أكثر من تركيب في موضع واحد.
11. أن تتحرك التراكيب من البسيط إلى المعقد.
12. أن تستخدم الأنماط اللغوية بشكل طبيعي بحيث لا تبدو اللغة مصطنعة ومتكلفة.
13. أن تعالج التراكيب بأسلوب تربوي يبرزها في المادة ويلفت نظر الدارس إليها.
14. أن تضبط عملية تقديم المفاهيم والمصطلحات النحوية وتتدرج من السهل إلى الصعب.
15. أن يتجنب تقديم القواعد بطريقة مباشرة مع تفادي الشرح النحوي المعـقد.
16. أن تعالج المفاهيم الثقافية بشكل يجعل المادة صالحة لتعلم مهارات اللغة.
17. أن يناسب مستوى المفاهيم الثقافية الدارسين فلا يرتفع بحيث يصبح صعباً ولا ينخفض بحيث يصبح طفولياً وتافهاً.
18. أن يتجنب استخدام الأساليب الأدبية الرفيعة.
19. أن يساير حجم حروف الطباعة أو الكتابة مستوى الكتاب ويفضل الحروف الواضحة الكبيرة.
20. أن تكتب المادة بخط النسخ.
21. أن تكون الصفحة المكتوبة متسعة متزنة مريحة غير مزدحمة.
22. أن يقل عدد الأسطر في الصفحة، وأن تتسع المسافات بين الكلمات وبين السطور.
23. أن يستخدم الورق الأبيض المصقول غير اللامع تجنباً لسوء الطباعة وإرهاق العين.
24. أن يضبط النص بالحركات الثلاث ضبطاً كاملاً.
25. أن تزود المادة بالصور والرسوم التوضيحية بشكل كاف ومناسب وجذاب.
26. أن تتنوع طريقة تناول المادة بين الحوار والسرد والأسلوب القصصي.
27. أن يكون الغلاف جذاباً عليه عنوان واضح وصورة تدل على غرضه.
28. أن يكون التجليد بشكل يسمح بفتح الكتاب بسهولة، ويسمح ببسطه على المكتب عند الاستعمال.
29. أن يكون حجم الكتاب مناسباً بحيث يسهل حمله وإرساله وتناوله بسـهولة.
30. أن تعبر المادة عن وجهة نظرعربية في اللغة والثقافة العربية الإسلامية والفكر العالمي.
31. أن تتمشى مع الأغراض التي وضعت من أجلها وأن تغطي كل أوجه التعلم في البرنامج.
32. أن تكون المادة اقتصادية في الوقت الذي تستغرقه، وفي التكلفة المادية وفي الجهد المطلوب من المعلم والتلميذ مع توافر الكفاءة والفاعلية.
33. أن يستفاد في وضع المادة من نتائج الدراسات والبحوث في ميدان إعداد المواد الأساسية لتعليم اللغات.
34. أن تُجرب المادة وتُقوَّم وتُعدَّل في ضوء نتائج التجريب.
35. أن تتفق المادة ومبادئ التدريس الجيد.
36. أن تراعي إعداد المتعلم لمراحل أخرى من إتقان المهارات وتعلم مهارات جديدة.
37. أن تزود المتعلم بثروة لفظية مناسبة.
38. أن تمكن الدارس من التعامل مع اللغة وبها شفوياً وتحريرياً.
39. أن تعطي المعلم الفرصة للتعديل والتوفيق والزيادة والتنمية.
40. أن تنطلق المادة من أهداف تعليمية محددة لكل مهارة وأن تصاغ صياغة سلوكية.
41. أن تتضمن مجموعة من التدريبات المتنوعة بحيث تشمل جميع المهارات وتعمل على تنميتها وتثبيتها.
42. أن تلتفت التدريبات إلى الصعوبات والمشاكل التي يواجهها الدارس.
43. أن تتضمن مجموعة من الاختبارات التي تقيس تحصيل الدارس وتكشف عن مدى تقدمه في التعلم.
44. أن تزود المادة باقتراحات لاستخدام الوسائل التعليمية بشكل فعال.
45. أن تتيح المادة للمعلم الفرصة لاستخدام الوسائل التعليمية المختلفة بقدر الإمكان.
46. أن يصاحب المادة مجموعة من التسجيلات الصوتية المتنوعة والهادفة.
47. أن يصاحب المادة كراسة للتطبيقات اللغوية والواجبات الإضافية.
48. أن يصاحب المادة مرشد للمعلم يتضمن ثلاثة أمور رئيسة :
أ) التصور الفلسفي واللغوي والثقافي والتربوي الذي استندت إليه.
ب) أهداف المادة والمهارات التي وضعت من أجل تنميتها وأنسب الطرق التي ينبغي اتباعها في التدريس.
ج) نماذج من الدروس تعالج معالجة نموذجية يحتذي بها المعلم ويعرف من خلالها كيفية تناول كل درس داخل حجرة الدراسة.
49. أن يستفاد عند وضع المادة من نتائج دراسة المواد والكتب السابقة مع تجنب سقطاتها وجوانب قصورها.
50. أن يشترك في وضع المادة خبراء في اللغويات وفي الاجتماع والثقافة وعلم النفس والمناهج والتعلم والوسائل التعليمية وفن إخراج المواد التعليمية وأيضاً مدرسون أكفاء.
رابعاً : الجانب اللغوي

تعد المادة التعليمية أساساً لتعليم اللغة، واللغة نظام، بل عندما نحللها سنجد أنها أكثر من نظام، إنها في الحقيقة نظام النظم، فنحن أولاً نجد نظام الأصوات، الذي يتكون منه نظام الأشكال (الكلمة)، الذي يؤدي بدوره إلى نظام البنية أو التركيب. وهذه الأنظمة الثلاثة تؤدي إلى نظام رابع هو نظام المعنى. لذلك فنحن عندما نشرع في تحديد ما نود أن نختار منه المادة التعليمية نحتاج لتحليل كامل لهذه الأنظمة المتعددة، هذا التحليل الذي يمكن أن يقدم لنا ما يلي :
1. أصوات اللغة.
2. أهم الأصوات ذات الدلالة.
3. الأصوات المفردة، والأصوات عندما تقترن في الظهور، والتغيرات التي تحدث فيها عندما تترابط وتتلاحق.
4. أهم الأشكال (الكلمات).
5. ترابط الأشكال وتلاحقها وكيفية هذا الترابط.
6. أهم أنماط ومستويات التنظيم التي تظهر فيها هذه الأشكال (التراكيب).
7. كيفية ترابط كل هذه العناصر والتنظيمات السابقة بحيث تحمل خبراتنا في وحدات من المعنى (الدلالة).
وهكذا ينبغي أن تبنى المادة اللغوية التعليمية على أساس من تحليل علمي للغة، حيث إن من بين ما يوجه من نقد إلى كتب تعليم اللغة العربية قيامها على أساس وصف وتحليل غير علمي وغير دقيق لكل جوانب اللغة ومكوناتها وعناصرها، بحيث نلحظ فيها لغة مصطنعة، وأنماطاً لغويةً غير مألوفة، ومن هنا يصبح الاعتماد على نتائج الدراسات اللغوية الحديثة في إعداد المادة التعليمية أمراً ضرورياً.
ومـن بين الأمور التي ينبغي الالتفات إليها في هذا السياق الإجابة عن السؤال : أية لغة ينبغي أن نعلم؟ واللغة التي ينبغي أن تقوم عليها المادة هي اللغة العربية الفصحى المعاصرة، تلك اللغة التي تقوم على أساس أن نأخذ من لغة الكلام والحديث الألفاظ الفصيحة الشائعة فيها، ونأخذ من فصحى التراث ألفاظها السهلة البسيطة والمألوفة الشائعة المتواترة الاستخدام في الحياة الحديثة. ولعل هذا الاتجاه في تحديد مفهوم اللغة التي ينبغي أن تبنى في ضوئها المادة التعلمية، يسعى إلى التقريب بين العامية والفصحى وإلى اعتماد اللغة على الألفاظ السهلة، مما يحقق مساعدة الدارسين على القراءة والاطلاع. ولقد نادى بهذا الاتجاه كثير من المفكرين والمربين العرب، ورأوا وجوب العمل على التقريب بين العامية والفصحى عن طريق أن نتأمل في حال هذه العامية، ونحاول تحديد خصائصها مما يساعد على تصحيحها وردها إلى الفصحى - خاصة وأن الألفاظ العامية أكثرها إما قرشي وإما صحيح في لهجات العرب، وإما محرف تحريفاً قريباً يقصد به التسهيل. وإنه لأمر مهم أن نثبت هنا أن الفرق لا يزال ضئيلاً بين العامية والفصحى، وأننا عندما نعلم العربية علينا أن ندرك هذه الحقيقة ومن ثم تصبح الإجابة النهائية عن السؤال : أية لغة ينبغي أن تعلم ؟ محددة في أننا ينبغي أن نعتمد في تحديد هذه اللغة على الفصيح من العامية وعلى تحديث الفصحى.
ومما يوجه أيضاً من انتقادات إلى مواد وكتب تعليم اللغة العربية، ميلها إلى الإكثار من تقديم معلومات حول اللغة دون إعطاء فرصة لممارسة اللغة واستنباط هذه المعلومات من خلال الممارسة والاستخدام، والصحيح أن تتجه المادة إلى تعليم اللغة وليس إلى وصف اللغة ودراسة لنظمها.
كذلك من عيوب الكتب المستخدمة الآن تقديم الأصوات من خلال كلمات أو مقاطع لا معنى لها، أو من خلال كلمات قاموسية ميتة وغير مألوفة وغامضة المعنى، ومهما قيل من مبررات مثل أن الغرض من هذا هو فقط التدريب على التمييز الصوتي وليس المعنى، فهو اتجاه خاطئ، ومن المفضل في تدريس الجانب الصوتي محاولة ربط الحروف بأصواتها في كلمات مألوفة واضحة المعنى، وذلك لتمكين الدارس من تعرف وتمييز كلمات جديدة، وعلينا أن نتجنب المفهوم الخاطئ الذي يرى أن الحروف تتضمن أصواتاً، لأن الصحيح هو أن الحروف تقدم أصـواتاً.
ولما كانت اللغة تركيباً ومعنى وليست كلمات مفردة ومن ثم ينبغي أن تُقدَّم في سياقات لغوية كاملة ذات دلالة ومعنى. على أن يُلتَفت في ذلك إلى بعض الخصائص المميزة للغة العربية مثل الاشتقاق والترادف... إلخ كما ينبغي الالتفات إلى الكلمات الوظيفية فهي مهمة جداً بالنسبة لمعنى الجملة، ولو أنها في ذاتها لا تأخذ إلا معنى قليلاً، ولذلك فهي صعبة التعلم إذا كانت مفردة، ولذا يفضل استعمالها بكثرة في المادة الأساسية، كما ينبغي الإكثار من التدريب عليها.
ومن منطلق أن اللغة تركيب ولا يمكن تقديمها من خلال كلمات مفردة أصبح للتركيب اللغوي دور مهم في المادة التعليمية، وأصبح البحث عن نوع التركيب الذي ينبغي أن يقدم أمراً ضرورياً، ومن هنا نقول إن الشيوع والبساطة معياران مهمان يجب مراعاتهما عند اختيار التراكيب اللغوية، وينبغي أن يجمع هذا الشيوع بين ما في لغة الحديث وما في لغة التراث بنفس الأسلوب الذي سبق أن عالجنا به المفردات.
ومن الأمور المهمة التي ينبغي الالتفات إليها في الجانب اللغوي قضية التنغيم، تلك التي تتطلب تقديم علامات الترقيم وكيفية استخدامها من أجل التنغيم. هذا إلى جانب مراعاة علاقة المادة اللغوية بالمستوى اللغوي للدارس.
وفي ضوء هذه المناقشة يمكن الخروج بمجموعة من المبادئ والأسس والشروط اللغوية التي ينبغي أن تراعى في إعداد المواد الأساسية لتعليم اللغة العربية ومنها :
1. أن تعتمد المادة اللغة العربية الفصحى لغة لها.
2. أن تعتمد المادة على اللغة الأساسية ممثلة في قائمة مفردات شائعة.
3. أن يلتزم في المعلومات اللغوية بالمفاهيم والحقائق التي أثبتتها الدراسات اللغوية الحديثة.
4. أن تراعى الدقة والسلامة والصحة فيما يقدم من معلومات لغوية (جمع الضمائر مثلاً).
5. أن تكون اللغة المقدمة لغة مألوفة طبيعية وليست لغة مصطنعة، أي تقدم اللغة صحيحة في بنائها وتراكيبها.
6. أن تبنى المادة على تصور واضح لمفهوم اللغة وتعلمها.
7. أن تعالج المادة ومنذ البداية الجانب الصوتي من خلال الكلمات والجمل ذات المعنى.
8. أن تعالج المادة الهجاء وتحليل الكلمة وتركيبها.
9. أن تعتني بالرمز والصوت لكل حرف.
10. أن تبدأ المادة بالكلمات والجمل وليس بالحروف.
11. أن تظهر العناية بالنبر والتنغيم.
12. أن تعالج ظاهرة الاشتقاق بعناية.
13. أن تعتمد المادة على التراكيب الشائعة الاستعمال.
14. أن تتجنب المادة القواعد الغامضة وصعبة الفهم وقليلة الاستخدام.
15. أن يبرز التركيب المقصود ويتم التدريب عليه.
16. أن تأخذ الكلمات الوظيفية اهتماماً كبيراً.
17. أن تهتم بعلامات الترقيم من أجل إظهار التنغيم.
18. أن يستعان في إعداد مادة الكتاب بنتائج الدراسات اللغوية الحديثة.
19. أن تلتفت إلى المشكلات اللغوية التي تبرزها الدراسات والبحوث.
___________________________________

(*) أستاذ المناهج والتدريس - كلية التربية - جامعة عين شمس بالقاهرة.

المهاجره
02-15-2011, 10:53 AM
تطوير التأليف في مجالات اللغة العربية
د. تمام حسان(*)

التأليف في أي فرع من فروع المعرفة نتيجة من نتائج الاطلاع والبحث. ومن شأن المؤلف أن يكون له منهج فكري يتناول به حقائق موضوعه لينشئ بينها من العلاقات ما يجعل مفرداتها بالتصنيف وحدات نظامية ذات روابط داخلية بين ما تشتمل عليه كل وحدة من المفردات في ذاتها، وأخرى خارجية بين كل وحدة من النظام وأختها. ليس ذلك فحسب؛ وإنما يختلف الأمر بين نوعين من أنواع العلوم: أولهما العلم المضبوط ذو القواعد المطردة الذي يعرف في مصطلح التراث باسم "صناعة" والثاني العلم غير المضبوط الذي يقوم على تراكم المعلومات وقد عرف في التراث باسم "المعرفة". مثال الصناعة صناعة النحو، ومثال المعرفة فقه اللغة ونقد الأدب.
ومن شأن الصناعة أن تكون في صورة نظام هرمى متعدد المستويات، وأن يكون كل نظام مستوى في ذاته، جوهره نظام فرعي ذو قواعد مطردة. وأن يكون كل نظام فرعي وسيلة لضبط الأنظمة الأخرى التي تكون أعلى منه في نطاق النظام الأكبر. ولبيان ذلك نقول إن اللغة (أي لغة) تمثل نظاماً عاماً يشتمل على نظم فرعية هي : نظام الأصوات، ونظام المباني (الصرف) ونظام العلاقات السياقية (النحو). وكل نظام من هذه الأنظمة مطرد في ذاته، صالح أن يستعان به في تناول ما فوقه من أنظمة فرعية. فيمكن الاستعانة بالأصوات في فهم حقائق الصرف والنحو، وبالصرف في التعامل مع حقائق النحو.
تلك هي طبيعة المادة التي يتصدى المؤلف لتناولها؛ فكيف يمكن له أن يتناولها؟ هل يعتمد على توظيف حواسه فيتصدى للنظام المذكور بالوصف الحسي لمكوناته من حيث التفكيك والتركيب، أو من حيث التأصيل والتفريع، أو من حيث الافتقار والاختصاص والاستغناء، أو من حيث جودة السبك وعدمها... الخ؟ أو يعتمد على توظيف قدراته الذهنية فيتناول مادة الدرس من حيث العلاقات وتغيرات المعنى وتعدد احتمالاته وتحولاته... الخ؟ أو يفضل أن يأخذ من كل طريقة من هذه بطرف، سواء احتفى بإحداها أكثر مما فعل بغيرها، أو ساوى بينها في الاهتمام مع تحويل طرد القاعدة إلى معيار يفرضه على من يستعمل اللغة.
إن من يتأمل جهود النحاة العرب ليجد أنهم سلكوا من الطرق المنهجية ما يشمل كل هذه المسالك على وجه التقريب. فهم حللوا الجملة حين إعرابها إلى كل مكوناتها الصغرى والكبرى، ورصدوا الحركات الإعرابية عند وجودها وقدروها عند عدمها، وعرفوا المركبات كالمركب الإضافي والوصفي والإسنادى والمزجى والعددى والإتباعى. وفرقوا بين الجملة الكبرى والصغرى، وعرفوا أصل الوضع وأصل القاعدة، والعدول عن أصل الوضع والتفريع على أصل الوضع والتفريع على أصل القاعدة، وأحصوا صور الافتقار والاختصاص والاستغناء، وعرفوا صلة كل ذلك بحسن السبك وسوئه وأن النحو العربي يأبى أن يصف بحسن السبك قول المتنبى :
فأصبحت بعد خط بهجتها كـأن قفرا رسومها قلما
لأن حسن السبك لايتحقق في هذا الكلام إلا بعد نثره على النحو التالي : فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها. واعتمد النحاة على قدراتهم الذهنية فأحصوا العلاقات بين مكونات الجملة كعلاقة الإسناد والتعدية والمعية والسببية والحالية والظرفية والتبعية وفرقوا بين الخبرية والإنشائية...الخ. ورصدوا تغيرات المعنى من خلال إشراب التركيب معنى آخر غير الذي اعترفت به القاعدة، كإشراب الخبر معنى الشرط كما في قوله تعالى: )الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون( (البقرة 274). والفاء قرينة معنى الشرط. وعرف التراث العربي الكثير من تحولات المعنى كتحول الخبر إلى الدعاء في:)غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا(. (المائدة 64). والنهي إلى الأمرفي: )ولاتموتن إلا وأنتم مسملون( (آل عمران 102) أي تمسكوا بالإسلام حتى الموت ومن الإضافة إلى المفعول إلى الإضافة إلى الفاعل نحو : )لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو إذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم( (النور63). وقرينة الإضافة إلى الفاعل أن بعضهم كان يجيب الدعوة إلى سماع النبي وهو يدعو إلى الإسلام لكن على غير رغبة صادقة، ومن ثم يحاول التسلل في الخفاء عند سماع الدعوة، لهذا جاءت عبارة: )قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو اذا(. أضف إلى ذلك ما اشتملت عليه آية أخرى من قوله تعالى: )وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا( (التوبة 127). فالدعاء جاء من الرسول لا من غيره له.
وعرف النحاة الفرق بين وضوح المعنى وبين تعدد احتمالات دون مرجح وهو ما يسمى "اللبس". والمعروف أنه ما من لغة في العالم إلا تشتمل على تراكيب صالحة لتعدد المعنى ومن ثم يلزم من يتعلمها أن يجعل النص الذي ينشئه مشتملا على ما يحدد حد المعانى المحتملة ويجعله هو المراد. فإن فشل كان متلقى النص هو الحكم في اختيار المعنى. وفي اللغة العربية مواضع لمثل هذه التراكيب. منها ما يلي :
1. إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله، نحو: زيارة الأصدقاء تسعد النفس. (فمن الزائر)؟.
2. المعطوف بعد التركيب الإضافي، نحو: ذهبت لزيارة أبناء زيد وعمرو. فهل ذهبت إلى عمرو أو إلى أبنائه؟.
3. الصفة بعد التركيب الإضافي، نحو: أعجبت بمعلمة اللغة العربية. فهل العربية هي المعلمة أو اللغة؟.
4. تعدد المعنى الوظيفي للأداة، نحو : )ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون( (الأعراف 48). هنا تصلح "ما" للاستفهام كما تصلح للنفي. غير أن هناك قرينة تدل على إرادة الاستفهام هي استمرار الاستفهام في قوله تعالى بعد ذلك : )اهؤلاء الذين أقسمتم لاينالهم الله برحمة( (الأعراف 49).
5. تعدد معنى الصيغة الصرفية، نحو: "وما أعجلك عن قومك يا موسى" (طه 83)، إذ تحتمل صيغة " أفعل" التعجب كما تحتمل الفعل الماضي، ولكن القرينة تدل هنا على المضى ومن ثم على الاستفهام، بدليل الجواب بعد ذلك بقوله: "هم أولاء على أثرى". ومن ذلك أيضا ما في قوله تعالى : )أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك( (النمل 39) إذ يصلح لفظ "آتيك" لنوعين من المعنى هما المضارعة واسم الفاعل المضاف وهو يدل على المضى. والقرينة تدل على المضارعة بدليل قوله : )أيكم يأتيني بعرشها( (النمل 38).
6. تعدد احتمالات المعنى العلائقي كما في قوله تعالى: )يأيها الناس اعبُدُوا ربَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُون َ( (البقرة 21). فالتركيب يحتمل عطف " الذين" إما على "ربكم" وإما على الضمير في "خلقكم" ثم تأتى القرينة على المعنى الثاني بعد ذلك مباشرة في قوله تعالى: )الذين جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون( (البقرة 22).
7. تعدد احتمالات معنى الحذف، نحو: )ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم( (الأنعام 108). فالتركيب هنا يسمح بالحذف وعدمه ولكن القرينة هنا عقلية، لأن توجيه السب إلى الذات العلية (تعالى الله عن ذلك) لايكون إلا ردا على سب أصنامهم، ومن هنا يكون التقدير : ولاتسبوا الذين يدعونهم.
8. تعدد المعنى المعجمي، مثال ذلك قوله تعالى : )فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى( (النازعات21-25). تعودنا أن نفهم الآخرة بأنها الدار الآخرة، والأولى بأنها الدنيا ولكن هذه الآية أوضحت أن الأولى هي ما ذكر أولاً (أى التكذيب والمعصية)، وأن الآخرة هي ما ذكر ثانيا (أي هي دعوى الربوبية). وقد وضعنا خطأ تحت كل منهما.
وليست هذه إلا نماذج تكشف عن هذه الظاهرة كما تكشف عن حرص النص القرآني على إبراز قرائن المعنى كلما استعمل واحدا من هذه النماذج التركيبية الملبسة.
لقد ذكرنا أن اللغة نظام، ومن شأن النظام أن يتصف بالثبات، وهذا الثبات هو الذي أعطى صفة الاطراد للقواعد، وسمح للنماذج السابقة من التراكيب الملبسة أن تحمل طابع النظام والثبات. ولكن النظام غيرالاستعمال؛ لأن الاستعمال اللغوي يرمي إلى تحقيق مطالب اجتماعية وتداولية. ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى وجود قرائن تكشف عن العلاقات السياقية في الاستعمال فتدل على المعنى المراد. من تلك القرائن:
1. التضام (ويشمل الافتقار والاختصاص والاستغناء والمناسبة المعجمية بين المفردات).
2. الرتبة (محفوظة وغير محفوظة).
3. الربط (إما بالمطابقة وإما بالإحالة).
4. البنية (وهي تشمل أقسام الكلم والصيغ الصرفية ومعانيها والأدوات والإجراءات التصريفية).
5. الإعراب (ويكون بالعلامة أو بالمعاقبة كما سنرى بعد قليل).
6. النغمة (في الكلام المسموع وشرحها بعد قليل).
7. الموقف (وهو الظروف التي حدث فيها الاستعمال، وسنعود إليه).
8. دلالة السياق (وهي كبرى القرائن، وقد يدخل في تكوينها جميع ما تقدم وتنقسم إلى سياق النص وسياق الموقف).
فأما التضام فيشتمل كما ذكرنا على الافتقار، كافتقار حرف الجر إلى مجرور، وحرف العطف إلى معطوف، والفعل إلى فاعل، والموصول إلى صلة الخ. والاختصاص كاختصاص المضارع بدخول "لم" للنفي وتحويل الزمن النحوي إلى الماضي، واختصاص الفعل اللازم بواحد من حروف الجر من أجل التعدية. والاستغناء أن تكون الكلمة في غير حاجة إلى ضميمة، كقولك: الله أكبر، إذ لا لفظ الجلالة مفتقر إلى لفظ " أكبر" ولا لفظ " أكبر" مفتقر إلى لفظ الجلالة. فكل من اللفـظين صالح أن يضام لفظا غير ذلك. والمناسبة المعجمية تتمثل في تقبل قولك: فهم التلميذ الدرس، ورفض عبارة فهم الماء القمر؛ لأن الفعل " فهم" يتطلب فاعلاً عاقلا وليس الماء كذلك.
وأما الرتبة فقد تكون محفوظة كرتبة الحروف والأدوات من مدخولاتها، وقد تكون غير محفوظة كرتبة الفعل والمفعول به، ورتبة المبتدأ أو الخبر. وهذه الرتبة الأخيرة قد تتحول إلى محفوظة عند وجود الداعي إلى ذلك.
والربط قد يكون بالمطابقة في العدد (الإفراد والتثنية والجمع)، والشخص (المتكلم والمخاطب والغائب)، والنوع (التذكير والتأنيث)، والتعيين (التعريف والتنكير) وفي الإعراب. وقد يكون بالإحالة. والأصل في الإحالة إعادة الذكر نحو: رأيت سائلا فأعطيت السائل، ومنه إعادة صدر الكلام بعد طول الشقة، نحو: )ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم( (النحل 110). وقد تكون الإحالة بالضمير، نحــــو : )ونادى نوح ابنه( (هود 42)، وبالإشارة، نحو: )ولباس التقوى ذلك خير( (الأعراف 26)، وبالموصول، نحو: )ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين( (الأنعام 7)، أي لقالوا، وبالألف واللام، نحو: )ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين( (آل عمران151) أي مثواهم، وبالوصف، نحو : )وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر( (التوبة 12) أي فقاتلوهم.
وتتناول قرينة البنية دلالات أقسام الكلم والصيغ الصرفية (مبنى ومعنى) وإجراءات تحولاتها، وكذلك الأدوات وحروف المعاني ووظائفها في السياق.
وهذه القرائن الأربع السابقة هي التي يعرف بها حسن السبك.
أما الإعراب فهو أشهر ماتناوله النحاة في منهجهم، فبدأ كأن النحو هو الإعراب وأن ما يتناوله النحاة من القرائن الأخرى إنما يتوقف تناوله على المصادفة. هذا مع أن الإعراب ل ايتناول من عناصر اللغة إلا ما كان منها صحيح الآخر، ويبقى غير الصحيح الآخر(المقصور والمنقوص) والمبنيات والجمل الفرعية غير ذات صلة مباشرة بالعلامة الإعرابية؛ وإنما يربطها بهذه القرينة عنصر المعاقبة كما يلي :
الإعراب


بالعلامة بالمعاقبة

بالحركة بالحرف بالتقدير بالمحل

المقصور المنقوص المبنى الجملة الفرعية

ويعتمد الإعراب التقديري على حركة ذهنية معينة تقول : لو أن عنصرا صحيح الأخر حل في موقع هذا المقصور أو المنقوص لاستحق أن يعرب آخره بحركة كذا، فما دامت هذه الحركة لاتظهر على آخر هذا اللفظ فينبغي أن تنسب إليه تقديرا. وفي الإعراب بواسطة المحل يدورفي ذهن من يعرب المبنى والجملة الفرعية أن آخر هذين لايتغير، ولذلك لايصلح كل منهما لتقدير الحركة الإعرابية عليه، ومن هنا ننسب كلا منهما الى المحل الذي لو وقع فيه لفظ معرب لتغير آخره بحسب هذا المحل الإعرابي.
والنغمة قرينة على المعنى في الكلام المنطوق، لأنها تختلف في الخبر عنها في الإنشاء، وفي الإثبات عنها في النفي، وفي الموافقة عنها في الإنكار، وفي الفرح عنها في الحزن، وفي الجد عنها في الهزل، وهكذا نجدها دليلا على المعنى في كل كلام مسموع. ومع أن النحاة العرب كانوا يدركون أن للنغمة أثرا في المعنى لم يكن لديهم من الحيل الفنية في التأليف ما يعينهم على نقل معلوماتهم عنها للأجيال القادمة، فعوضوا هذا القصور بالكلام في الوقت والسكت والفصل والوصل ونحو ذلك مما يتصل بإجراءات النطق. ومن واجب من يؤلف في حقل النحو أن يشمل هذه القرينة بالدرس بعد أن تعددت الوسائل الفنية لدراستها ونقل المعلومات عنها.
أما الموقف فإن الاهتمام به من لدن المشتغلين بالدرس اللغوي من النحاة والمفسرين والقصاصين والنقاد أوفي وأفضل مما ذكرنا في شأن النغمة. لقد تناوله النحاة أثناء الكلام عن درجات التأكيد والنفي وغير ذلك من متغيرات المواقف. وتناوله المفسرون في الكلام عن أسباب النزول. وتناوله البلاغيون والنقاد بكلامهم عن مقتضى الحال والمقام، والاعتماد في فهم ظروف إنشاء القصيدة على المقدمة التي تشرح ملابسات إنشادها. ولم يكن أمام القصاصين مهرب عند عرض قصصهم من بيان تفاصيل المواقف في سرد الأحداث.
كل ما تقدم من تفصيل القول في القرائن يعد شرحا للوسائل التي يتسلح بها الاستعمال لمواجهة ثبات النظام اللغوي واطراد القواعد وصلاحية التراكيب لأكثر من معنى. فإذا عرض للمتلقى ما يحول دون إدراكه لمرامي الكلام فإنه يلجأ إلى قرائن المعنى ليجد فيها ما يعينه على الفهم، سواء لجأ إلى القرائن اللفظية أم إلى القرائن المعنوية التي سبق ذكرها تحت اسم العلاقات، أم بحث عن ما يقدمه بعض النص لبعضه الآخر من عون على الفهم، وهذا هو المعروف بقرينة السياق.
تبدأ مشكلة التأليف في مجالات اللغة باختيار مادة البحث اللغوي التي تمثل اللغة تمثيلا صحيحاً. ولقد كان القرآن الكريم بما له من قدسية في العقيدة الإسلامية، وبما أثاره الحرص على صيانة نصه من المؤثرات العارضة سببا في نشأة الدراسات اللغوية المختلفة، ومنها دراسة النحو. ولكن هذه الغيرة على القرآن لم تؤد إلى اتخاذه مادة أولية لدراسة النحو، بسبب تعدد القراءات.
فاتجه النحاة إلى اختيار المسموع من كلام العرب ليكون مادة البحث، واختاروا لهذا الغرض عددا من لهجات قبائل وسط الجزيرة. (اعترضوا على تعدد القراءات فوقعوا في قبول تعدد اللهجات). ولم يكن الحديث النبوي أقرب إلى اختيارهم من القرآن الكريم؛ فقد أعرضوا عن الاستشهاد به بسبب جواز روايته بالمعنى. لقد رأوا أن الرواية بالمعنى تنتهي إلى أن يكون نص الحديث من كلام الراوي، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. أضف إلى ذلك أن هذا الراوي للحديث قد يكون غير عربي (والعروبة ـ أي الفصاحة ـ شرط في قبول الرواية). ورأوا أن قول رواة الحديث بعد الانتهاء من إلقائه: " أو كما قال " اعتراف بأن ما قيل موضع شك في النسبة. وهنا أيضا نسوا أن قبول نص الحديث لدى مجتمع الفصحاء دليل على أن هذا النص صالح أن يكون من بين المسموع عن العرب حتى لو كان بعض رواته من الأعاجم. ولهذا كان موقفهم من هذه المسألة موضع اعتراض من بعض النحاة المتأخرين.
ومن المعروف أن لغة الشعر تخالف الكلام المنثور من عدة أوجه:
1. ضرورة الوزن قد ترشح لفظا لموقع من البيت وغيره أولى به منه.
2. ضرورة القافية قد تلجىء الشاعر إلى الاحتيال للوصول إلى ما يناسبها.
3. السياق الشعري قد يلجىء الشاعر إلى الترخص غير المقبول
من هنا كان استنباط النظام النحوي من لغة الشعر نوعا من التجافي عن المنهج الصحيح. وكان الأولى بالنحاة أن يبنوا النحو على مايسمعونه من أفواه الفصحاء في قبيلة واحدة، وأن يجعلوا دراسة النحو للهجات القبائل الأخرى (إن تمت) موضوعا للنحو المقارن. وإلى جانب هذا وذاك كان من الواجب (وقد كان القرآن هو الدافع إلى دراسة النحو) أن يكون للقرآن نحوه الخاص، لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين وتلك شهادة له تدعو إلى الحرص على استنباط النحو منه لا إلى الانصراف عن لغته لتعدد القراءات. وأما الحديث فلئن كان من رواته بعض الأعاجم فإن فصحاء العرب تقبلوا روايتهم للحديث قبولا حسنا، فاعترفوا بصحة النص المروى، ورووا عنهم وأحسنوا الرواية.
كان ذلك موقف علماء التراث من التأليف في مجال اللغة، وقد بذلوا جهدا لاسبيل إلى الحط من قيمته وإن غفل هؤلاء العلماء عن تناول أمور لاغنى لنا عنها إذا أردنا أن نحسن التأليف في علوم اللغة. نقصد بذلك.
1. تعدد المعنى بأنواعه : الوظـيفي والمعجمي والتركيبي.
2. النقل، وهو استخراج اللفظ من القسم الذي هو منه من أقسام الكلم واستعماله مع نسبة معنى قسم آخر إلى هذا اللفظ.
3. الترخص، وهو انتهاك القاعدة بإهدار قرينة من قرائن النحو للعلم بوضوح المعنى بدونها.
وهذه أساليب شائعة في استعمال اللغة العربية في مختلف النصوص فلايمكن تجاهلها لا في القرآن ولا في السنة ولا في الشعر ولا في النثر. وهي لا تنافى الفصاحة ولكن تعد من وسائل الإبداع في المعنى والأسلوب.
المقصود بالمعنى الوظيفي معنى حروف المعاني والأدوات والصيغ الصرفية وما يسمى تراكيب الجمل. دعنا ننظر الآن إلى تعدد معاني "لا" من النفي إلى الدعاء إلى النهى إلى الزيادة الخ. وقد يكون منفيها اسم جنس فيبنى معها على الفتح، نحو: )قالوا لاضير( (الشعراء50)، وقد تتكرر فيرفع اسمها، نحو: )لا فيها غول ولاهم عنها ينزفون( (الصافات47)، وقد تكون حرف جواب فتغنى عن جملة الجواب، نحو: )فلا وربك( (النساء65)، أو تقترن بها معطوفة عليه، نحو: )قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به( (يونس 16) فإذا وليها الفعل الماضي كانت للدعاء، نحو: )لافض فوك(، وإذا وليها المضارع المجزوم دلت على النهي، نحو: )فأما اليتيم فلا تقهر( (الضحى9)، وقد تزاد نحو : )فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم( (الواقعة 76-75)، وقد تكون الزيادة للتأكيد، نحو: )وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الأموات( (فاطـر19-22)، وكذلك: )ولاتستوي الحسنة ولا السيئة( (فصلت 34).
وقد يتعدد المعنى المعجمى للفظ. ودليل ذلك أنك عند الكشف عن معنى أية كلمة في المعجم سوف تجد لها أكثر من معنى. وحسبنا هنا أن نضرب مثلا بلفظ " ذات". وهذا اللفظ يدل على مؤنث " ذو" وتثنى على " ذواتي" وتجمع على " ذوات" وتدل على معنى العموم كما في " ذات يوم"، ويقال ماكلمته ذات شفة، ووضعت المرأة ذات بطنها، قلت ذات يده، وأصلحوا ذات بينهم و"ذات اليمين وذات الشمال، والعيب الذاتي المنسوب إلى الذات بمعنى الخلقة، والذات هي النفس والشخص، وذات الصدر هي السريرة، وذات الرئة التهاب بها، وذات الجنب التهاب في الغشاء الرئوي.
وأما تعدد معنى الصيغة الصرفية فلو نظرنا إلى صيغة فعيل مثلا لوجدنا من صيغ الاسم كسرير، والصفة المشبهة ككريم، والمصدر كزئير، وبمعنى مفعول كقتيل الخ. وكذلك يتعدد معنى تركيب الجملة كتعدد معنى " بارك الله فيك" بين الخبر والدعاء، ومثله تعدد معنى فعل الأمر بين الأمر والدعاء ومعان أخرى يولدها الموقف.
والنقل إجراء لم يعطه النحاة حقه من التفكير والتنظير، إذ لم يلفت انتباههم من ظاهرة النقل إلا نقل اسم العلم ونقل التمييز. فاسم العلم منه منقول كفضل وأسد ومنه مرتجل كسعاد وأدد. والتمييز قد يكون منقولا عن الفاعل، نحو : اشتعل الرأس شيبا، وقد يكون منقولا عن المفعول، نحو : غرست الأرض شجرا. غير أن الظاهرة أوسع من ذلك بكثير، وهي عظيمة الخطر في النحو والأسلوب على حد سواء.
لقد قسمت الكلم في كتاب " اللغة العربية ـ معناها ومبناها " إلى سبعة أقسام مختلفة في سلوكها من حيث المعنى والمبنى. ثم بمزيد من التأمل في طريق بناء السياق النحوي وجدت أن اللفظ المنتمى إلى أحد الأقسام قد ينقل إلى قسم آخر عند الاستعمال فيدل على المعنى الذي تدل عليه ألفاظ القسم الآخر، وإليك البيان.
1. قد ينقل الاسم إلى استعمال الوصف، نحو " أنا يوسف وهذا آخى" عندئذ يقول النحاة : إن الاسم مؤول بالمشتق (أي بالوصف) ليناسسب وظيفة الخبر.
2. وينقل الاسم إلى الظرفية، نحو : )ويكفرون بما وراءه( (البقرة 91). فوراء وأمام من الأسماء المبهمة.
3. وينقل المصدر إلى العلمية، نحو شرف وكمال وعلاء الخ.
4. وينقل المصدر إلى اسم فاعل، نحو )ثم ادعهن يأتينك سعيا( (البقرة 259)، أي ساعيات.
5. وينقل الوصف إلى العلمية، نحو أحمد، ومحمد ومحمود وشريف وعفيف الخ.
6. وينقل الفعل إلى العلمية، نحو يغوث ويعوق ويثرب الخ.
7. وينقل ضمير الغائب من الغيبة إلى الشأن، نحو)إنه لايفلح الظالمون(. (الأنعام 21).
8. وينقل الموصول إلى المصدرية، نحو)وخضتم كالذي خاضوا( (التوبة 69)، أي كخوضهم.
9. وينقل الظرف إلى المصدرية، نحو:ربنا لاتزغ قلوبنها بعد إذ هديتنا( (آل عمران8). أي بعد أن هديتنا.
10. وينقل الظرف إلى التعليل، نحو )إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين( (البقرة 131). أي لأن ربه قال له أسلم.
11. وينقل الظرف إلى الاستفتاح، نحو؛ )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة( (البقرة 30)، والمعنى : لقد قال، أو ألا قال، وقد تعود المفسرون أن يقدروا : أذكر " قبل" إذ" ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضرا ليذكر.
12. وتنقل إلا الاستثنائية إلى الاستدراك فتكون بمعنى لكن، نحو )طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى( (طه2-1)، أي لكن تذكرة. وكذلك )وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلى ابتغاء وجه ربه الأعلى ( (الليل 19-20)، أي لكن.
وهكذا نرى أن النقل يؤدي إلى نوع من تعدد المعنى يختلف عن النوع السابق من حيث الأصل.
والظاهرة الثالثة التي أهمل النحاة التنظير لها هي ظاهرة الترخص. وهي مسلك أسلوبي ذو غرض معين، وقد عدها النحاة من قبيل التوسع (وأحيانا الخطأ) ولم ينصفها نقاد الأدب من تزمت النحاة. أما أن هذه الظاهرة مسلك أسلوبي فالدليل عليه أمران: الأول أنه لم يخل منها نص عربي ذو قيمة. ومن النصوص التي احتفت بها القرآن والحديث والشعر والنثر وما شئت من أنواع النصوص الأخرى. وثاني الدليلين أن الرخصة مرهونة بأمرين: أنها لاتكون إلا مع أمن اللبس، فإذا لم يؤمن اللبس صار الترخص من قبيل الخطأ، وأنها مرهونة بمحلها فلا يقاس عليها. ومن هنا كان من المعتاد عند مصادفة الرخصة أن يقوم معها دليل على المعنى، فإذا لم يوجد الدليل نسب السياق إلى الخطأ، أنظر إلى الشواهد التالية للترخص في القاعدة في القرآن:
1. )وكذبوا بآياتنا كذابا( (النبأ 28) أي تكذيبا، (ترخص في البنية).
2. )وجعلوا لله شركاء الجن( (الأنعام 100) أي جعلوا الجن شركاء لله، (ترخص في الرتبة) إذ لولا القرينة الذهنية لظن السامع أن عبارة: شركاء الجن مركب إضافي.
3. )ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا( (الشورى 23) أي يبشر به عباده (ترخص في الربط بحذف الرابط).
4. )وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء( (البقرة31) أي ثم عرض المسميات على الملائكة، ولكن الضمير جاء بعد الأسماء ليدل على المسميات بقرينة قوله بعد ذلك " أنبئوني بأسماء هؤلاء".
5. )ولكني أراكم قوما تجهلون( (هود 29) أي يجهلون، وذلك لأن الضمير يعود على القوم فحقه أن يكون للغائب، ولو عاد على الضمير في أراكم لكان من الأوجز أن يقول: ولكني أراكم تجهلون دون حاجة إلى ذكر القوم.
6. )لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة( (يوسف 7-8) ترخص في الربط، لأن من شأن الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور ولكن وضوح المعنى هنا رخص في عود الضمير إلى أبعد المذكورين وهو يوسف وإخوته بقرينة لفظ "أبينا" وما كان للأب من مواقف ذكرت في نص السورة بعد ذلك.
هكذا يصبح التأليف في أحد مجالات اللغة غير منبت عن بقية مجالاتها، ويتحول النحو من مجرد استظهار القواعد إلى علم إدراك العلاقات السياقية والاستمتاع بجمال النصوص.
_________
(*) كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة.

المهاجره
02-15-2011, 02:28 PM
النجاعة في التأليف اللغوي
د. عثمان سعدي(*)

تعاني اللغة العربية أكثر من أية لغة أخرى، من إهمال أبنائها لها. فتعليمها يتم بأساليب تقليدية موروثة لم يبذل الجهد الكافي لتطوير نحوها على الخصوص، لكي يتماشى مع أساليب العصر المتطورة بوسائل المعلوماتية. كانت عناصر البنية اللغوية العربية في الماضي تتمتع بمجال واسع في التوقيت المدرسي، يتسع لتفاصيل النحو والصرف والبلاغة ضمن تعليم مسجدي، لكن مع تقدم الزمن، واكتظاظ التوقيت المدرسي بالعديد من المواد تزداد مع مر الزمن، صار لزاماً على رجال التربية العرب أن يختصروا ويمركزوا محاور البنية اللغوية الثلاث : (الصرف، والنحو، والبلاغة) أو (الدلاليات)، تمركزاً يتماشى مع هذا الاكتظاظ ويضمن إتقان اللغة العربية. وقد نبه الدكتور طه حسين لهذه المسألة وطلب بالاعتناء بتطوير النحو قبل فوات الأوان، في محاضرة ألقاها بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، في يناير ـ كانون الثاني سنة 1955 تحت عنوان "مشكلة الإعراب"(1).
ولعل السبب في هذا النقص الذي تعاني منه العربية راجع إلى عدم دخول العربية ساحة العلوم والتقانة. وجعلها حبيسة العلوم الإنسانية. فالعلوم والتقانة هي التي تكسب اللغة التركيز التعبيري، وتبعد عنها الفضفضة. والبلد الوحيد الذي تسود فيه العربية في سائر ميادين الحياة وسائر قطاعات التعليم هي سوريا. وقد عملت ديبلوماسياً في أربعة أقطارعربية : مصر والعراق والكويت وسوريا. فوجدت أن أصفى لغة للتواصل بين الناس هي اللغة المتداولة بسوريا. فالممرضة السورية تخاطبك بلغة تستعمل فيها كلمات عربية مستمدة من مهنتها، التي اكتسبتها من تعريب الطب. كان مصلح سيارات أرمني بدمشق هو الذي يصون سيارات السفارة، وكنت أجد متعة وأنا أستمع له يستعمل المصطلحات العربية وهو يسمي قطع السيارة، وأنواع الخلل الذي أصابها، وطريقة تصليح هذا الخلل، والسبب في ذلك راجع إلى تعريب التعليم التقاني بسوريا. وتعاملت وأنا بالقاهرة مع مصلح سيارات مصري فوجدته يستعمل مصطلحات غربية بإنجليزية مكسرة. الأمة التي هي بخير هي التي تملك لغة جيدة للتواصل بين الناس العاديين.
إن أزمة اللغة العربية تكمن في عدم تعريب الطب والتقانة بمصر. فمصر بوزنها هي القادرة على فرض التعريب بسائر أنحاء الوطن العربي إذا طبقت هي تعريباً ناجعاً مثل سوريا. ونقطة الضعف في التعليم العربي هو أنه يتم بالدارجات ولا يتم بالفصحى. ولعل البلد العربي الوحيد الذي يلزم المعلم ابتداء من السنة الأولى ابتدائي أن يعلم بالفصحى هو الجزائر. تعلمت في جامعة القاهرة بالخمسينيات في قسم اللغة العربية، وكانت معظم المحاضرات تلقى أمامنا بالدارجة باستثناء محاضرات الدكتورين طه حسين وعبد العزيز الأهواني. إننا نخوض بالجزائر منذ أربعين سنة معركة ضارية من أجل التعريب، نجحنا في تعريب التعليم العام من ابتدائي وثانوي، وكليات العلوم الإنسانية بالجامعة. لكن عندما طالبنا بتعريب الطب والتقانة واجهنا أعداء التعريب بحجة عدم تعريبها في مصر. ونظراً لعدم تعريب الطب والتقانة فالتأليف يكاد يكون معدوماً في الميدان العلمي، لأن التعليم فيه يتم بالإنجليزية مشرقاً وبالفرنسية مغرباً.
التأليف القاعدي
أقصد بالتأليف القاعدي كل ما يتعلق بحفظ اللغة وتطويرها. فاللغة العربية تكاد تكون اللغة الوحيدة في العالم التي لا تملك معجماً حديثاً على أساس قومي يتناسب مع حجمها الكوني.
فاللغة هي ذاكرة الأمة، والرابطة بين أفرادها وشعوبها، وناقلة إرثها الحضاري، وحامية ثوابتها القومية والحضارية. والتراث العربي شاهد على ما أدته العربية من دور لحفظ كيان العرب وحضارتهم ببعديها العربي والإسلامي. وقد قام أسلافنا بجهد ضخم في خدمة اللغة العربية وتطويرها، جعل المستشرقين يجمعون على الحكم التالي : "لم تخدم أية لغة بالعالم مثلما خدمت به اللغة العربية في العصور الوسطى".
ودور المعاجم حاسم في ضبط الألفاظ وتحديد دلالاتها، وجعل المواطنين يتجنبون الوقوع في خطأ التعبير، الذي يتولد عن سوء الفهم. ومع بزوغ النهضة العربية الحديثة اهتم روادها الأوائل بنشر التراث العربي، وركزوا على نشر المعاجم العربية القديمة فطبعوها ونشروها بمختلف أنواعها، ومنها :
ــ معاجم الألفاظ العامة مثل : جمهرة اللغة، والصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط، وتاج العروس، وغيرها... .
ــ معاجم الألفاظ الخاصة مثل : المصباح للفيومي، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، طلبة الطلبة للنفسي وغيرها.
ــ معاجم المعاني والدلالات مثل : المخصص لابن سيده، وفقه اللغة للثعالبي، وغيرها.
ــ معاجم المترادفات مثل : جواهر الألفاظ لقدامة، والألفاظ الكتابية للهمذاني، وغيرها.
ــ معاجم المصطلح مثل : مفاتيح العلوم للخوارزمي، والتعريفات للجرجاني، وكشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوني، والكليات لأبي البقاء الكوفي، وجامع العلوم في اصطلاحات العلوم المعروف بدستور العلوم للقاضي عبد النبي الأحمد نكري، وغيرها من معاجم المصطلح التي كان العرب من السباقين إلى تصنيفها.
وعلى أساس هذه المعاجم التراثية ألفت معاجم حديثة، على أيدي رواد النهضة العلماء، الذين اجتهدوا لكي تأتي هذه المعاجم ملبية لمطالب العصر، حاوية لكل جديد في تطور اللسان العربي. ولم يقتصر جهدهم على المعاجم الأحادية اللغة، بل شمل المعاجم الثنائية اللغة، بل وأحياناً الثلاثية، تمشياً مع التطور العلمي والتفتح على علم العصر.
وأهم هذه المعاجم :
1 . محيط المحيط لبطرس البستاني الذي صدر في مجلدين فيما بين 1866 و1870م. وقد اختصر البستاني معجمه محيط المحيط طبع سنة 1869 في معجم سماه : "قطر المحيط"، وهو معجم طلابي سهل تعليمي.
2 . أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد، لسعيد الشرتوني، صدر في مجلدين سنة 1890م.
3 . معجم الطالب لجرجس همام الشويري : وصدر سنة 1970م، ويرتكز على معجم لسان العرب وتاج العروس والصحاح ومحيط المحيط، كما تضمن ما استحدث من مصطلحات علمية يحتاجها طالب العلم.
4 . المنجد : للأب لويس معلوف، وصدر سنة 1908م، واستفاد من محيط المحيط وأقرب الموارد. ويعتبر أحدث معجم عربي يتبع أسلوب العصر في صنعة المعاجم. مثل استعماله لرموز مثل : مث، للمثنى، وفك : لعلم الفلك. وفي طبعته العاشرة سنة 1956 وضعت له خاتمة من فصل مخصص لفرائد الأدب العربي، وفصل آخر مخصص لأعلام الشرق والغرب، مستمد من المعاجم والموسوعات العالمية. وقد لعب هذا المعجم دوراً كبيراً في تاريخ تعليم العربية، والثقافة العربية. وعاب عليه بعض علماء اللغة بعض الأخطاء التي وقع فيها. وأصدر الأستاذ فؤاد أفرام البستاني مختصراً للمنجد سماه "منجد الطلاب".
وظهرت معاجم أخرى أقل حجماً مثل المعتمد لجورجي شاهين عطية، والبستان لعبد الله البستاني، والمعجم المدرسي لزين العابدين التونسي، ومعجم متن اللغة للشيخ أحمد رضا. لكن كل هذه المعاجم تخللتها نواقص وأخطاء بسبب كونها أعمالاً فردية وليست مؤسساتية.
5 . المعجم الوسيط : في سنة 1936 كلفت وزارة المعارف المصرية مجمع اللغة العربية بالقاهرة بالعمل لإصدار معجم حديث بأسلوب المعاجم الحديثة. وصدر سنة 1962 المعجم في جزأين، من ثلاثين آلف مادة، ومليون كلمة، وستمائة صورة، في أكثر من ألف صفحة. وأهملت اللجنة التي أعدته الألفاظ الحوشية الجافة، وجزء من المترادفات، وأدخلت الكلمات المولدة والمحدثة والدخيلة. وابتكرت رموزاً مثل : (ج : جمع، مو : مولد، مع : معرب... وغير ذلك). وقد استقبل المعجم قراء العربية بالترحاب، وتناولوه بالنقد والتصويب. ويعود الفضل في جودة هذا المعجم في كونه صادراً عن مؤسسة، أعدته لجان متخصصة ضمت علماء متمكنين من علمهم. لكن يبقى هذا العمل غير كامل، لأن مؤسسته لم ترصد لها الإمكانيات اللازمة، تجدد طبعته كل عشر سنوات، بينما نجد المعاجم الحديثة تجدد طبعتها كل سنة.
6 . المعجم الكبير : قرر مجمع اللغة العربية بالقاهرة البدء في إعداده سنة 1945م ولم يصدر الجزء الأول منه إلا سنة 1970 أي بعد ربع قرن بحرف الهمزة من 674 صفحة من القطع الكبير. وصدر الجزء الثاني سنة 1982 بحرف الباء في 743 صفحة.
وصدر الجزء الثالث سنة 1982. ويبدو أنه سيمر قرنان قبل أن يكتمل صدور هذا المعجم، وهذا دليل على أن العرب لا يولون عناية كافية للغتهم.
7 . المعجم الوجيز : وهو معجم طلابي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة احتوى على خمسة آلاف مادة، وستمائة صورة، في 687 صفحة.
8 . المعجم الأساسي : أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وهو ثمرة جهد قامت به مجموعة من علماء اللغة بين 1981 و1988، ويضم ثلاثين ألف مدخل، وهو عمل جيد، لكنه متواضع، فقد أعد أساساً ليكون معجماً موجهاً لقراء العربية من غير العرب. وقد تأسف كل عربي غيور على كرامته القومية، أن توكل جامعة الدول العربية طبع هذا المعجم وتوزيعه إلى دار لاروس الفرنسية، بحيث يشتريه قارئ العربية واسم "لاروس" بارز في غلافه.
مشروع المعجم العربي الحديث (1987- 1990م)
من خلال استعراضنا لواقع المعاجم العربية التي صدرت منذ بداية النهضة، يتبين لنا مدى الفراغ الكبير الذي تعاني منه المكتبة العربية المتمثل في عدم وجود معجم للغتها حديث، على غرار معاجم اللغات العصرية الحية : فالجهد الذي بذله مجمع اللغة العربية بالقاهرة كبير، لكنه ناقص، لأن المجمع لا يملك الموارد المالية الكافية أولاً، ولأن ما أعد ظهر فيه الطابع القطري ثانياً. ولابد لأي مشروع موفق أن يرتكز على المورد المالي الهام. وأن ينجزه علماء من مختلف الأقطار العربية مشرقاً أو مغرباً.
وتشاء الظروف الطيبة أن أعين بالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي يقع مقره بالكويت، مديراً تنفيذياً عضواً في مجلس إدارته سنة 1983م، وأنا المتخصص تعليمياً في اللغة العربية. ويعتبر هذا الصندوق أهم مؤسسة أقامها العرب، في هذا الشأن.
ونظراً لاهتمامي الشخصي والدائم باللغة العربية، فأنا خريج قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة، وحاصل على الماجستير من جامعة بغداد، والدكتوراه من جامعة الجزائر في الآداب العربية، فقد قدمت مذكرة لمجلس إدارة الصندوق بتاريخ 11/3/1987م اقترحت فيها أن يتبنى الصندوق إصدار المعجم العربي الحديث بأحجامه الثلاثة : الكبير والمتوسط والصغير، على أن يؤسس المعجم على عملية تحديث طبعاته بصفة دورية، مع إدخال المصطلحات التي تطرأ على ساحة التقدم والابتكار العلمي في سائر فروع المعرفة، وذلك على غرار المعاجم العصرية، كمعجم "أكسفورد" ببريطانيا، ومعجم "لاروس" بفرنسا.
واقترحت المذكرة أن يبدأ في إعداد المعجم المتوسط والصغير. وذلك لحاجة الوطن العربي له. وفي نفس الوقت للمعجم الكبير كمشروع آجل. ويخطط لتجديد طبعها كل سنة بالنسبة للمتوسط والصغير. وكل خمس سنوات بالنسبة للكبير، مع الاعتماد على الحاسوب في جمع المعلومات، وتخزينها وتبويبها وطبعها. والصندوق يملك حاسوباً كبيراً قادراً على استيعاب هذا المشروع الكبير. واقترحت المذكرة أن يرصد الصندوق من باب معوناته الفنية مبلغاً من المال لإصدار المعجم المتوسط والصغير. على أن تبذل مساع بقيادة الصندوق من أجل تأسيس "الصندوق العربي للمعجم والموسوعة العربية". وتجمع له الأموال من الدول العربية والأثرياء العرب، وتتأسس بعد ذلك "المؤسسة العربية للمعجم العربي والموسوعة العربية"؛ على غرار مؤسسات المعاجم العصرية. كما أكدت المذكرة أن التمويل سيكون في الانطلاق فقط، وبمجرد طرح المعجم بالسوق فإنه سيغطي تكاليفه بمبيعاته.
وتمكنت من إقناع زملائي الستة أعضاء مجلس إدارة الصندوق ذوي التكوين الاقتصادي، والذين لا يهضمون بسهولة أن يتبنى الصندوق مشروعاً لغوياً بهذا الحجم، اعتمدت في إقناعي للمجلس على صفة الاجتماعي في تسمية الصندوق، التي يدخل ضمنها الجانب الثقافي، وأوضحت لأعضاء المجلس بأنني من مؤسسي الصندوق وموقعي اتفاقيته وأنه كان في ذهن هؤلاء المؤسسين خدمة الثقافة كرافد عميق لأية تنمية. وقد وجدت في المدير العام رئيس مجلس الإدارة الأستاذ عبد اللطيف الحمد تفهماً كبيراً لهذا المشروع. وتوج هذا الجهد بإصدار مجلس الإدارة لقراره رقم 21 لسنة 1987م والذي نص على إصدار المعجم العربي الحديث، والالتزام بتمويله إلى أن يطبع ويوضع بين أيدي قراء اللغة العربية، وتم رصد مبلغ مائة ألف دينار كويتي (أي ما يعادل 350 ألف دولار أمريكي) كمبلغ أولي لإعداد هذا المعجم.
تأسيس لجنة الإشراف العلمي

وبعد اجتماعين عقدا في سنة 1988م بمقر الصندوق بالكويت، تأسست لجنة الإشراف العلمي من السادة :
ــ الدكتور عثمان سعدي : رئيساً.
ــ الدكتور أحمد مختار : مقرراً.
ــ الدكتور أحمد صالح أحمد العلي : رئيس المجمع العلمي في بغداد: عضواً.
ــ الدكتور شاكر الفحام : رئيس المجمع العلمي في دمشق : عضواً.
ــ الدكتور عبد الكريم خليفة : رئيس مجمع اللغة العربية في عمّان : عضواً.
ــ الدكتور عبد الكريم بلحاج : مدير مكتب تنسيق التعريب بالرباط : عضواً.
عقدت اللجنة عدة اجتماعات حددت فيها أهداف المعجم ومواصفاته الفنية من نواحي الشكل والمضمون والإخراج، وكان الإعداد يرمي إلى تحقيق هدفين :
الأول : قريب وهو إعداد معجم متوسط.
والثاني : بعيد، ويتمثل في التخطيط لإعداد معجم كبير يلبي الحاجات القومية، ويضمن حفظ اللغة العربية، على أن يتم ذلك على مراحل، ينجز في المرحلة الأولى المعجم المتوسط.
مرحلة التنفيذ

بدأت هذه المرحلة بعد الاجتماع الثالث للجنة الإشراف العلمي للمعجم، وذلك يومي 29-30/3/1989م. وأول ما قامت به اللجنة :
أولاً : تأسيس هيكل المؤسسة المعجمية، على أساس قومي تشارك فيه العواصم التي تملك مجامع اللغة العربية، كالقاهرة ودمشق وبغداد وعمان، بالإضافة إلى الرباط كمقر لمكتب تنسيق التعريب، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والكويت كمقر للصندوق العربي للإنماء، مركز المؤسسة المعجمية. وتأسست ستة مراكز وهي مراكز : الرباط، والقاهرة، وعمّان، ودمشق، وبغداد، والكويت. ويتألف كل مركز من ستة أعضاء من العلماء اللغويين المشهود لهم بالكفاءة والتجربة في المجال المعجمي. ويرأس المركز أحد أعضائه، ويشرف كل عضو من أعضاء لجنة الإشراف العلمي على كل مركز (انظر الرسم الهيكلي لهذه المراكز).
ثانياً : مواصفات المعجم لأسلوب العمل :
ويرتكز هذا الهدف على ثلاثة أسس :
أ) المادة اللغوية من المعاجم العربية الموثوق فيها.
ب) مادة المصطلحات العلمية.
ج) مادة ألفاظ الحضارة، وتجمع من المعاجم ومن المسح الميداني.
أ) وزعت عملية جمع المادة الأساسية على المراكز حسب الترتيب الهجائي الآتي :
1 . مركز الكويت : من الهمزة إلى ] حشى ]
2 . مركز القاهرة : من ] حصأ ] إلى ] رغا ]
3 . مركز دمشق : من ] رفأ ] إلى ] ضحى ]
4 . مركز عمان : من ] ضخ ] إلى ] قبو ]
5 . مركز الرباط : من ] قتب ] إلى ] مهى ]
6 . مركز بغداد : من ] موأ ] إلى ] يوم ]
ب) إعداد مادة المصطلحات العلمية من أجل جمع سبعة آلاف مصطلح، ووزعت على المراكز بعد تصنيفها موضوعياً كالآتي :
1 . مركز الكويت : يختص بإعداد مصطلحات العلوم الإنسانية.
2 . مركز القاهرة : يختص بإعداد مصطلحات علوم الزراعة والأحياء.
3 . مركز دمشق : يختص بإعداد مصطلحات العلوم الصحية.
4 . مركز عمّان : يختص بإعداد مصطلحات العلوم الأساسية (الدقيقة).
5 . مركز الرباط : يختص بإعداد مصطلحات العلوم التقنية (التطبيقية).
6 . مركز بغداد : يختص بإعداد مصطلحات العلوم الهندسية.
ويقوم كل مركز بإعداد مصطلحات العلوم المكلف بها من الهمزة إلى الياء، ثم يتم التبادل بين المراكز.
ج) إعداد مادة ألفاظ الحضارة (أي ما يتعلق بوسائل الحياة العصرية، من مأكل وملبس ومشرب ووسائل اتصال وأماكن إقامة وقطع أثاث... إلخ) وتجمع هذه بطريقتين :
1 . من المعاجم القديمة والحديثة، كل مركز في المواد اللغوية المكلف بإعدادها، مع الاستعانة بمعاجم ألفاظ الحضارة المطبوعة.
2 . عن طريق المسح الجزئي للصحف وإنتاج بعض الأدباء، ويتم المسح لجميع الأحرف من الهمزة إلى الياء، ثم توزع الأحرف على المراكز كل بحسب اختصاصه.
د) حصر أكبر عدد ممكن من الألفاظ الجديدة، أو المعاني الجديدة للألفاظ القديمة، أو التراكيب والتعبيرات الجديدة، وهذا الحصر يتم عن طريق المسح الجزئي للصحف أو إنتاج بعض الأدباء. ويتم المسح لجميع الأحرف من الهمزة إلى الياء، ثم توزع الأحرف على المراكز كل بحسب اختصاصه.
هـ) تفريغ المادة اللغوية لبعض الكتب التراثية والحديثة لمد مداخل المعجم بإضافات تكون قد أغفلتها المعاجم، وهذه وزعت على المراكز ليتولى كل مركز تفريغ نصيبه من الكتب من الهمزة إلى الياء. ثم يتم التبادل بين المراكز.
مصادر المادة

حددت لجنة الإشراف 57 مرجعاً يعود إليها الباحث لإعداد جذاذاته :
ــ 7 مراجع أساسية وهي : لسان العرب، والقاموس المحيط، وأساس البلاغة، والمقاييس لابن فارس، والمفردات للراغب، والفائق للزمخشري، وشفاء الغليل للخفاجي.
ــ 5 مراجع إضافية.
ــ معجمين مسحيين.
ــ 10 مراجع للتصحيح اللغوي.
ــ 33 مرجعاً للاستئناس.
ــ بالإضافة إلى مراجع المصطلحات العلمية التي أصدرتها مجامع اللغة العربية الأربعة ومكتب تنسيق التعريب.
أسلوب العمل

أعدت لجنة الإشراف في اجتماعها الرابع كراسة من 27 صفحة عنونتها بـ "بيان أسلوب العمل ومواصفات المعجم" جاء فيها : "يتم جمع المادة الأساسية على جذاذات في شكل مداخل، ويراد بالمدخل المفردة الواحدة التي تتم معالجتها في المعجم، وتستقل بجذاذة أو أكثر حسب حجم المادة. ويوضع كل عدد من المداخل تحت (جذره) طبقاً لنظام المعجم الذي سيرد الحديث عنه فيما بعد. ويتم ترقيم المداخل، على أن يعطى كل مدخل رقماً واحداً حتى لو تعددت جذاذاته".
ويوضح أسلوب العمل كيفية القيام بعملية المسح والمنهجية الواجب اتباعها. ويقدم نماذج توضيحية للجذاذة والمدخل والجذر، وترتيب مادة المعجم والألفاظ التي تدخل المعجم، والمعلومات الصرفية والنحوية التي يتعرض لها وطرق التفسير التي يتبعها، والرموز والمختصرات المستخدمة في المعجم، إلى غير ذلك من تفاصيل منهاج العمل.
فترة التدريب والتجريب

استمرت فترة التدريب والتجريب اثني عشر شهراً من مارس ــ آذار1989م إلى مارس ــ آذار1990، تم خلالها أيضاً إعداد منهجية تفصيلية لتنفيذ معجم عربي حديث، والعمل على تكوين فريق عمل متكامل في كل مركز من المراكز الستة، وخلق روح الجماعة بين المنفذين كل على مستوى مركزه الذي ينتمي إليه، ثم على مستوى المراكز بعضها مع بعض. وهي مهمة لم يسبق تنفيذها بالنسبة لأي معجم عربي آخر. ومن المهام الصعبة التي واجهتها لجنة الإشراف كيف يتعود الباحثون على العمل الجماعي والقومي، هؤلاء الباحثون الذين اعتادوا العمل القطري. كما تم الاتفاق على :
1 . تكليف مدقق صرفي بمراجعة كل قضايا الصرف والاشتقاق في المعجم.
2 . تكليف مدقق لغوي بمراجعة التشقيقات الدلالية وطرق التوضيح المستخدمة.
3 . تكليف مدقق منهجي بمراجعة كل جزئيات المنهج والتأكد من التزامها.
4 . الدفع بمادة المعجم ــ بعد إنجازها ــ إلى محرر لغوي يقوم بتوحيد الصياغة ووضع لمساته الأخيرة عليها.
حجم المعجم :

تقرر أن يتضمن المعجم مائة ألف مدخل، وبمعدل أن يشتمل كل مدخل على عشر مفردات. مع العلم أن المعجم الوسيط الذي صدرعن مجمع اللغة العربية في القاهرة تضمن خمسة وأربعين ألف مدخل. وتضمن المعجم الأساسي الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ثلاثين ألف مدخل.
استعمال الحاسوب :

أعد خبراء المعلوماتية بالصندوق برنامجاً لتخزين الجذاذات ومعالجتها، وكان حاسوب الصندوق جاهزاً لاستقبال الدفعة الأولى من الجذاذات في شهر أيلول ــ سبتمبر1990 التي ترد من المراكز الستة بعد مراقبتها من لجنة الإشراف بعد أن تكون قد مرت على مراحل من تدريب الباحثين على إعداد الجذاذات.
وتتم عملية التخزين والمعالجة والتصحيح آلياً بالحاسوب. كما بدئ في الإعداد لربط الحاسوب المركز بالحواسب الفرعية في المراكز، لكن اندلاع حرب الخليج الثانية في آب ــ أغسطس 1990 جمد كل شيء.
الخلاصة

أولاً : يعتبر مشروع المعجم العربي الحديث أهم مشروع برز إلى الوجود في تاريخ المعاجم العربية، فهو يعتمد على العمل الجماعي المؤسسي ذو الطابع القومي. فمن المعروف أن المعاجم العربية قديماً وحديثاً أنتجها أفراد. فابن منظور أنتج وحده "لسان العرب" في القرن الثالث عشر الميلادي. والأب لويس المعلوف أنتج المنجد حديثاً في بداية القرن العشرين. وحتى المعجم الوسيط الذي جرب العمل الجماعي تبين أن هذا الجانب كان ضعيفاً. فاللجنة التي أشرفت عليه تتكون من أربعة علماء فقط، وكلهم من قطر واحد أي من مصر.
ثانياً : بعد بحث وتقص دام أكثر من سنة، جمع أكثر من أربعين عالماً لغوياً من عدة أقطار عربية، أسست منهم لجنة الإشراف العلمي والمراكز الستة التي تقع مقراتها في ست عواصم عربية في المشرق والمغرب. من بينهم رؤساء المجامع العربية. وبينهم مثلاً الأستاذ مصطفى عوضين حجازي المسؤول التنفيذي على مركز القاهرة الذي كان المشرف على إنجاز المعاجم الثلاثة التي صدرت عن مجمع القاهرة.
ثالثاً : لقد توقف هذا المشروع بسبب حرب الخليج، وكلي أمل أن يتفق الصندوق العربي للإنماء ومنظمة المؤتمر الإسلامي على تبني إنجازه.

http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Langue_arabe/langue-arabe11.GIF

مؤلفات البنية اللغوية والقصص المكملة لتعليم اللغة

الموضوع الثاني الذي يتبع التأليف اللغوي، هو الاهتمام بتعليم اللغة العربية بأساليب تتناسب مع العصر الذي تكتظ برامج مدارسه بالعديد من المواد تزداد كل يوم. فقد بني النحو العربي على أساس أن التعليم المسجدي كان مقصوراً على مواد قليلة، مثل النحو والصرف، والبلاغة، والفقه، وعلم الكلام، والمنطق. كما أسس على مراعاة أن العربية لها عدة لهجات، مع التركيز على لهجة قريش طبعاً، وهذا جعل النحو يأتي مليئاً بالخلافات وتعدد الأقوال.
سجل أن أول من وضع قواعد للنحو هوأبوالأسود الدؤلي المتوفى سنــــة 69هـ. ومن غير شك فإن الدؤلي قد سبق بمن اهتم بقواعد النحو، لكن لم يصلنا شيء من ذلك بسبب اعتماد العرب على المشافهة والرواية وليس التسجيل والكتابة، ويروى أن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه كان أول من ناقش في مسألة التقعيد للعربية، وأن أبا الأسود قد استأنس به وهو يضع قواعده، حتى إن تسمية النحو بالنحو نسبت إليه، فقد شكا له زياد بن أبيه لحن الناس في اللغة، فاقترح أبواباً في النحو وقال له : "انح هذا النحو"، ومن هذا القول لعلي بن أبي طالب سمي النحو نحواً. وفي القرن الثاني الهجري ظهر الخليل بن أحمد فأقام الأسس الأولى للنحو والتصريف، تركها في رسائل : رسالة عن معنى الحروف، ورسالة عن آلات الإعراب، ورسالة في العوامل، ذكرها من ترجم له ولم تصل لنا. ومن غير شك فإن سيبويه قد استفاد من هذه الرسائل في تأليف كتابه في النحو. وقد سُبق الخليل بعدد من العلماء تناولوا مسائل النحو والصرف بعد الدؤلي وقبل الخليل. وقد تتلمذ سيبويه على الخليل بل وخلفه في حلقته الدراسية، وعلى أساس ما وضعه الخليل ألف كتابه، وتوفي في نهاية القرن الثاني.
تناول بعد سيبويه النحو بالبحث عدد من العلماء، لكن الذي قام بإضافات هامة به هو المبرد الذي ولد سنة 210 هـ في كتابه المقتضب، إلا أنه لم يحدث تجديداً يتناسب مع التقدم والتطور. ثم جاء ابن جني الموصلي في كتابه (الخصائص) فأخرج النحو من النقل، وتناول قواعده تناولاً عقلياً، استعمل العقل في استخلاص القوانين العامة للنحو والصرف واللغة، ووجد في الخط الذي رسمه سيبويه والمبرد وغيرهم - الذين يوصفون بأنهم أهل نظر - جموداً فأخرجه من هذا الجمود. ركز ابن جني المولود سنة 320هـ على أصل الكلمة ومعناها وأصواتها وبنيتها ودلالاتها، فجاء تجديده شاملاً لكلام العرب بنية ودلالة. ثم جاء النحوي الكبير الزمخشري المتوفى سنة 538هـ بعقل متحرر، بسبب انتمائه إلى المعتزلة فتناول المسائل النحوية بعقل متفتح ومستقل، وكون بالفعل مدرسة جديدة تناولت النحو بأقسامه الأربعة : الفعل والاسم والحرف والمشترك، ورسم إطار التصنيف في النحو الذي كان يكتنفه الغموض قبله، وذلك في كتابه (المفصل). كما جدد أيضاً في البحث اللغوي في معجمه (أساس البلاغة).
ابن مضاء القرطبي والثورة في التجديد

يعتبر التجديد الجدي الفعال ما جاء على يد ابن مضاء المتوفى سنه 592هـ، الذي مكنته حياته بالأندلس في عهد الموحدين الذين أوجدوا المذهب الظاهري، وأوقفوا اعترافهم بالمذاهب الأخرى في الفقه. فطبق ذلك على النحو وأعلن ثورته على النحويين، فتناول ما صنفوه بالنقد، وسن فعلاً نظرية فعالة في التجديد الذي يغربل هذا التضخم في اللغة العربية وعلومها بالتأويلات والتقديرات والتعليلات والأقيسة والتفرعات والآراء المتناقضة، التي تضمنتها تصانيف النحو، فهاجم ذلك في كتبه الثلاثة: (المشرق في النحو)، و(تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان)، و(الرد على النحاة) الذي وصلنا من كتبه، ويعتبر أروع ما صنف. أنكر فيه نظرية العامل التي انتشرت بالنحو فجعلته غابات شائكة، فقال أن المتكلم هو الذي يعمل الرفع والنصب والجر في الكلام ولا يوجد عامل آخر. وينتقد نظرية العامل التي عقدت النحو بالعوامل المحذوفة الأمر الذي يبعد صيغ الكلام عن وجهتها الطبيعية، كتقدير أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا أخباراً أو صلات أو أحوالاً يعلقها النحويون بعامل محذوف، ويقول ابن مضاء : "لا حذف هنا ولا عامل ولا عمل". وينكر تأويل الضمير المستتر في (زيد قام) فيقول يوجد هنا فعل ولا يوجد فاعل له. وينكر تسمية ألف التثنية وواو الجماعة بالضمائر ويطلق عليها علامات التثنية والجمع. كما ينكر على النحاة وضعهم بنظرية العامل لصيغ لا يعرفها العرب لا في جاهليتهم ولا في إسلامهم كالتنازع، والاشتغال، وفاء السببية، وواو المعية، عارضاً تكلف النحاة في التأويل والتقدير. وينكر علة العلة في النحو "كالعلل الثواني والثوالث، كالتعليل لعمل إنّ النصب والرفع"، وتساءل لماذا لم تنصب الثاني وترفع الأول كالفعل، وهي علل "ليس فيها نفع ولا فائدة في ضبط الألسنة". كما ينتقد الأقيسة النحوية التي سلطت على سائر أبواب النحو، الأمر الذي لا يسهل عملية الفهم. ويهاجم ابن مضاء التمارين المعقدة المركبة تركيباً مفتعلاً مثل القلب في (بوع وبيع على مثل موقن في قلب الياء واواً أو على مثل بيض وغيد بقلب الضمة كسرة)، ويرى في كل ذلك "فضول ينبغي أن يبرأ منها النحو ويخلّص تخليصاً، حتى لا يكون فيه عسر ولا صعوبة".
هذا ما رآه هذا العالم الأندلسي في مشكلة النحو بالعربية وتعقيدات النحاة قبل ثمانية قرون. وفي رأيي أن العلماء في عصرنا لم يجدوا الحلول للنحو ولمشكلة الإعراب والشكل المناسبة لمقتضيات العصر وظروفه. ويخرجوا متعلم العربية من عقدة : "لكي يقرأ قراءةً صحيحةً لابد أن يفهم"، إلى ما يراد في اللغة "يقرأ لكي يفهم". فلغتنا تعتبر من أغنى اللغات بالعالم لأنها لغة اشتقاق تجمع كلماتها في عائلات تسهل على المتعلم حفظ كلماتها، والصرف أو المورفولوجيا بها يعتبر أغنى مورفولوجيا وأسهلها تملكها لغة، لدرجة أن عالماً معلوماتياً أمريكياً في (إ بي إم) يقول : "إن العربية خلقت للحاسوب لأنها مبنية على المنطق الرياضي". لكن المشكلة في العربية تكمن في نحوها وإعرابها وشكلها. فبرمجيات الحاسوب أوجدت بسهولة برامج للصرف، لكنها لم تتمكن من إيجاد برامج للنحو. لقد قام علماء اللغة العربية المعاصرون بجهود كبيرة في تقليص أبواب النحو واختصار صيغه، لكنهم لم يتمكنوا من ابتكار تجديد يناسب العصر ويخفف العبأ على متعلمي اللغة العربية، وهذا هو الذي جعل طه حسين يقول في محاضرته التي ذكرناها : "ليس بد إذن من تيسير النحو، أو إن شئتم ليس بد من إنشاء نحو جديد، يضبط قواعد اللغة العربية دون أن يمس جوهرها - من قريب أو من بعيد -، ولكنه يتيح للشباب أن يتعلم هذه اللغة في يسر وفي غير عنف".
القصص المساهمة في تعليم اللغة
أقصد بالقصص المكملة لتعليم اللغة، تلك التي تؤلف خصيصاً لتبسيط روايات وقصص وتقديمها لمتعلمي اللغة على مستويات مختلفة، يتضمن كل مستوى عددا من كلمات اللغة التي ترسخ في ذاكرة المتعلم بأسلوب إيحائي بعيداً عن التلقين. ولعل أسلم قصص من هذا النوع تلك التي أعدت لمتعلم اللغة الإنجليزية كسلسلة (لونغمان Longman). لقد أخرجت المطابع العربية مجموعات من هذه القصص مثل: (أولادنا، وشبابنا، والسلسلة الخضراء، وقصص بوليسية، وحواديث عربية، وقصص كامل الكيلاني، بمصر؛ ومنشورات وزارة الثقافة السورية، والمسرحيات الغنائية لسليمان العيسي، بسورية؛ وقصص الأطفال بالأقطار العربية الأخرى). كل هذا عمل جيد لكن العربية تفتقر إلى مجموعة تعليمية بمنهجية علمية منظمة تكون في إطار مركزي قومي ترتبط بمعجم قومي، لأن معاناة اللغة العربية آتية من مآسي التجزئة والقطرية.
__________
(*) رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية. (1) مجلة مجمع اللغة العربية، مجلد 11.

المهاجره
02-15-2011, 02:53 PM
أهمية الإمتاع والتشويق في التأليف اللغوي
أ. د. محمد المختار ولد أباه(*)
تطوير أساليب تعليم اللغة العربية تعترضه عقبات جمة، منها كون العربية لم تعد لغة الخطاب في البيت أو في الشارع ولا في المدرسة، فقد استحكمت العاميات على أبنائها وهزمتها في عقر دارها وزاحمتها اللغات الأجنبية في المدارس والجامعات ومعاهد البحث فاستأثرت بتدرسي العلوم والتقنيات ووضع المصطلحات العلمية.
ومن هذه العقبات أيضاً ما يعود إلى طبيعة كتابتها، حتى قيل إن اللغات تقرأ لتفهم وأن النص العربي لا يقرأ حتى يفهم، ومن هنا ندرك أهمية المواضيع المدرجة للبحث في هذه الندوة ومدى ما يُعقد عليها من آمال.
ولا شك أن هذه الندوة تتناول قضايا أساسية تهدف إلى إبراز الحلول العملية لتحقيق الأهداف التربوية المقصودة في هذا الملتقى. ذلك أن تطوير البرامج أمر ضروري للتخلص من رواسب نظم التعليم الحالي الذي ندرك ما له من نواقص وعيوب، وللاستفادة من تجارب الآخرين اختصاراً لطرق النجاح. والعناية بتأليف الكتاب المدرسي من أنجع عوامل تسهيل العملية التربوية لأنه هو الكفيل بإخراج النظريات من حيز التصور الفكري إلى واقع التطبيق العملي. وقد يتوقف نجاحه على تحديد طرقه ليكون أداةً فاعلة بين يدي الطالب والمربي.
لقد ارتأت الندوة أن تدرج في هذه الأساليب التجديدية عنصري التشويق والإمتاع.
والإمتاع والتشويق وجهان لعملية واحدة ترمي إلى هدف تربوي مزدوج وهو جعل التعلُّم مريحاً أثناء التلقي وداعياً إلى التطلع إلى مزيد من المعرفة، وليس من شك أن تعليم اللغة العربية يحتاج إليهما في الدروس العادية وفي تأليف الكتاب المدرسي.
يبقى علينا أن نتصور كيفية توفيرهما في المناهج والعروض وهذا يستلزم منا بيان مكوناتهما، ووسائل الحصول عليهما.
الإمتاع

ونعتقد أن أهم مكونات الإمتاع في التعليم الإيضاحُ في شكل الإلقاء والطرافةُ في مضمون المادة. فبقدرما يكون العرض واضحاً، بقدر ما يتجاوب معه الطالب دون مشقة أو عناء فوضوح الإلقاء يفضي إلى انبساط المتلقي ويبرهن على مدى استيعابه وفهمه لموضوع الدرس. حتى قيل :
"والفهم من علومه أن تضحكا".
والإيضاح هو الوسيلة الأولى لبلوغ الإفهام الذي هو المقصد الأساسي للتعليم، وهو الركن الذي انطلقت منه أعمال المربين قديماً وحديثاً، فعنونوا كتبهم بالإيضاح، مثل ما فعل الزجاجي وأبو علي الفارسي، و"بأوضح المسالك" عند ابن هشام، متبعين في ذلك ما سنه الجاحظ في تحلية كتابه بالبيان والتبيين، ثم صار مصطلح البيان بعده من المواد العلمية التي ترمي إلى وضع ضوابط الجمع بين الإيضاح والإمتاع؛ غير أن الجاحظ تناول في كتابه المذكور المكون الثاني للإمتاع الذي ذكرناه آنفاً وهو عنصر الطرافة.
والطرافة تعني الجدة في أصلها اللغوي غير أن مقتضاها في الميدان التربوي هو تقديم المعلومات بصورة جذابة، اعتماداً على ما يستدعي الانتباه ولفت النظر ومن طرائفه المعهودة تنويع الخطاب لتفادي السآمة والملل.
وهذا ما عبر عنه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد حين يقول في كتابه الكامل : "نذكر في هذا الباب من كل شيء شيئاً لتكون فيه استراحة للقارئ وانتقال ينفي الملل لحسن موقع الاستطراف، ونخلط ما فيه من الجد بشيء من الهزل ليستريح إليه القلب وتسكن إليه النفس". ثم استعرض في هذا الباب قول الإمام علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه : "إن القلب إذا أكره عمي"، وقول عبد اللّه بن مسعود : "إن القلوب تمل كما تمل الأبدان"، وقول أبي الدرداء : "إنه يستجم لنفسه بشيء من الباطل ليكون ذلك أقوى لها على الحق".
ومن عادة المربين أن يستعملوا في هذا التنويع طرقاً متعددةً منها النكات، وهي لا تعني بالضرورة النوادر المضحكة، وإنما تعني طرائف الحكمة مثل ما يقول الإمام ابن عرفة :
إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة وتقرير إيضاح لمشكل صــــورة
وعـزو غـريب النقل أو حل مقفل أو إشـكال أبـدته نتــيجة فــــــكرة
فـدع سعيه وانظر بنفسك واجتهد ولا تـتركـن فالـترك أقبح خـــــــلة
أما المستملحات المسلية فإنها قد تساهم في الإمتاع، لكنها كملح الطعام يفيد قليله ويضر كثيره. وصدق من قال:
أفد طبعك المكدود بالجِدّ راحـــة يجـمُّ وعـّلّله لشـيء مــن الـــمـزح
ولكن إذا أعطـيته المزح فليـكــن بمقــدارما يعطى الطعام من الملح
التشويق

أما التشويق فقد رأينا أنه لا ينفصل عن الإمتاع، فكل ما ليس ممتعاً لن يكون مشوقاً، إلا أن للتشويق طرقاً تتنوع بحسب أشكاله؛ فمن هذه الطرق ما نقرأه في الصحف، كالألغاز والكلمات المتقاطعة التي يعد الكاتب بحلها في العدد المقبل وهذا يجعل القارئ يتشوق إلى العدد الموالي ليعرف الحلول.

ومنها ما اعتاده كُتّاب القصص والأفلام البوليسية التي تبدأ بعقْدة تتمثل غالباً بارتكاب جريمة مَّا يُبحث عن مرتكبها؛ ثم تطرح عدة فرضيات وتثار احتمالات ومفاجئات تشد المشاهد والقارئ إلى معرفة النهاية.
ومن ألوان التشويق أيضاً ما يمكن أن نسميه بالتشويق القصصي ويتمثل في عرض مغامرات تسلسل أحداثها، ويتوقف العارض في أثناء الطريق ليجعل المستمع يتطلع إلى مزيد من مجريات القصص، ومن أشهر أمثلتها حكايات ألف ليلة وليلة التي تسكت فيها شهرزاد عن الكلام المباح حينما يدركها الصباح. ولقد أصبح هذا اللون شائعاً في المسلسلات الفنية التي تعرض ضمن حلقات تتحكم فيها صنعة الإخراج التقني.
وأعتقد أن التشويق التربوي يختلف عن كل هذه الأشكال ولو أنه على المربي أن يكون ملمّاً بتقنياتها، وبصيراً بطرقها؛ لكن المربي لا يُطلب منه أن يكون مخرجاً سينمائياً ولا روائياً محترفاً، وإنما يطلب منه التفكير في التعامل مع مادته وطلبته حتى يحملهم على حب التطلع والتعطش إلى مزيد من المعرفة. فالتشويق المنتظر من المربي، سواء في تأليف الكتاب المدرسي، أو في تصور المقررات وعرضها، هو أن ينبه الطالب إلى وحدة المادة العلمية، وإن كل درس يكون جزءاً من هذه الوحدة، وأن المادة لا تعرف إلا إذا كمل المقرر.
وهذا ما يقتضي منه في مجال التشويق أن يعتني بالروابط بين أبواب المادة الواحدة، حتى تكون عُروضه توحي بوجود سُلم يتراءى للمتعلم أمامه ويريد أن يصعد إليه درجة درجة، يتطلع إلى ذلك اليوم الذي يصل فيه إلى قمته، دون أن يغفل في هذا الارتقاء مبدأ الإمتاع الذي قد يتمثل في الاجتهاد على حسب اختيار المناهج والمقررات، والنصوص المعتمدة في دروس تعليم اللغة وفي تلقين قواعدها والتمارين على التعبير الشفهي والكتابي. وهذه هي المواد الأربع الأساسية لتعليم اللغة.
ونقدم فيما يلي بعض الأسس التي يُتوخى في اختيارها وفي عرضها توفير عنصري الإمتاع والتشويق، مع التأكيد أننا لا نرى فيها دروساً نموذجية يحتذى بها، ولكننا نرى فيها أمثلةً للمحاولات التي على المربي أن يقوم بها للبحث في ضوابط الاختيار وتقنيات العروض :
أولاً : القراءة :

لقد أصبحت القراءة من الأسس الأولية لتعليم اللغة العربية لأنها هي التي تقوم مقام دور الأم في غياب لغة الأم، فصورها هي التي ترتسم في ذهن الطالب لتتحول إلى ملكات الفهم والتعبير.
وحتى اختيار نصوصها يوفر ما نتحدث عنه من إمتاع وتشويق بصفتهما يعينان على سد الخلل الناشئ عن اختفاء هذه اللغة في البيت وفي الحياة العادية، ولولا أن العربية احتمت بظلال القرآن الكريم، لقضي عليها بالتقادم والاندثار مثل ما وقع لسائر اللغات القديمة.
ومن الطبيعي أن يكون اختيار نصوص الإفهام موائماً لمعطيات معينة، منها اعتبار مرحلة التعليم التي تحدد مستوى الطلبة، ومنها أيضاً نوعية الأقسام في الميادين العلمية والأدبية، فلكل منها خصائصه ومتطلباته؛ كما أن الكتاب المدرسي لابد أن يراعي في مقرراته تكامل هذه النصوص لتشمل الأصول التراثية التي تعطي الأسس لامتلاك قواعد اللغة ونصوص المجيدين من الكتاب المحدثين والصحفيين، لأن فيها تسهيل أدوات الاستعمال.
ومن الملاحظ أن اللغة العربية، نظراً لتاريخها الطويل، تشمل كَمّاً لا يحصى من النصوص المتنوعة، مما يعطي للمؤلف القدرة على حسن الاختيار، وقد << تتكاثرعليه الظباء>> حتى لا يدري ماذا يصيد. فالمهم هنا أن يختار على غرار أبي حيان التوحيدي النصوص التي توفر لطلبته عناصر الإمتاع والمؤانسة وتوفر لهم دواعي التشويق وحب التطلع.
وقد تكون هذه النصوص ممتعةً لعدة اعتبارات منها ما هو ناتج عن طرافة موضوعها مثل ما هو منثور في كتب الأدب القديمة كنوادر البخلاء، والطفيليين، والمتنبئين، ونصوصها متوفرة في مصنفات معروفة مثل بخلاء الجاحظ وأغاني الأصفهاني، وعقد ابن عبد ربه وكامل المبرد وبهجة مجالس أبي عمرو بن عبد البر ومستطرف الإبشيهي.
وربما يكون النص عادياً في موضوعه ولكنه يعتبر طريفاً بسبب قائله أو ناقله، ومن ذلك أننا نقرأ قول الشاعر :
كتمت الهوى حتى أضرَّ بك الكتم ولامـك أقـوام ولومُـهم ظـُـلــمُ
ونـمَّ عليــك الكـاشحــون وقبلــهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم
وقد لا نعير لهذين البيتين اهتماماً خاصاً، فقد تكون من إنشاء كُثير عزة أو جميل بثينة. ولكن عندما نعرف أن قائلها هو عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود أحد علماء المدينة السبعة، وهو من علية فقهاء الإسلام الأوائل، فإننا سنعيد قراءتهما ونجدد النظر فيهما.
وفيما يخص روايات الشعر، فإن الباحث قد يقرأ هذه الأبيات وهي معزوة لإمرئ القيس بن حجر وهي قوله :
الحـــرب أول ما تـكــون فــتيّــة تسـعى بـزينتها لكـل جـهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ولت عجوزاً غير ذات حليل
وإذا ما أراد الباحث أن يتحقق عِلْمِياً من صحة عزوها، فإنه سيلجأ إلى ديوان الشاعر في رواية الأصمعي أو أبي عبيدة، ثم لا يجد ما يريد، لكنه قد يراه صدفة في مصنف من أوثق الكتب الإسلامية ألا وهو صحيح الإمام البخاري.
ثانياً : القواعد :

أما تعليم القواعد النحوية، سواء في الدروس أو في التأليف، فإنه يمر غالباً بطرق ليست ممتعةً ولا مشوقة، وفي أكثر الأحيان ليست ذات جدوى لتعليم اللغة العربية. لأن دراسة النحو اتسمت في نشأتها بظاهرتين اثنتين كان لهما بالغ الأثر في تاريخ النحو :
الأولى : أنها بدأت بكتاب سيبويه الذي كان مدونة النحو المتكاملة، وهو من الصعوبة والتعقيد بحيث أن أوائل علماء النحو كانوا يقولون لمن أراد قراءته : "هل ركبت البحر؟" ولم تُجْدِ جهُود مؤلفي المقتضب والإيضاح والجمل والتسهيل في إيضاحه أو تسهيله.
الثانية : أن هذه المدونات، بما فيها خلاصة ابن مالك وفريدة السيوطي جعلت من النحو علماً مستقلاً ومنفصلاً عن اللغة العربية، ولم تفلح إلى الآن جهود مؤلفي الكتاب المدرسي في النحو، بما فيها النحو الواضح، أو النحو الوافي في لمّ الشمل بين العربية وبين نحوها.
فلا غرابة إذن أن نجد متخصصين في غوامض النحو، غير قادرين على الكتابة ويعرفون ما جرى بين الخليل ويونس الضبي وبين نحاة البصرة والكوفة في كثير من الخلافات حول الاشتقاق والحروف الزائدة وعوامل الإعراب؛ ومع ذلك عاجزون عن الكتابة والإنشاء.
وهذه التعقيدات هي التي أدت إلى ما يعرف بثورة ابن مضاء، وجهود دعاة التسهيل قديماً وحديثاً، لكن كل هذه الجهود انصبت إلى محاولة تقريب تدريس القواعد أكثر منها محاولة لربط الصلة بين القواعد واللغة وهذا في رأيي ما ينبغي البحث فيه من قبيل التطلع إلى الإفادة والإمتاع.
ولذلك لا نتوقع وجود إمتاع أو تشويق في دروس قواعد النحو نظراً لأن قوانينها يطبعها التصلب والجفاف، وقد يكون الوضع أشد عندما يتعلق الأمر بقواعد التصريف، الممتلئة بالتغييرات والأوزان والأمثلة التي ليس لها معنى خارج التمثيل.
ومع ذلك، فحينما يجتهد المؤلف في تقريب مادته، وتهذيب عبارته وتبسيط قواعده، فإنه يصل إلى بعض النتائج المتوخاة فيما يخص عرض القواعد.
وبإمكاننا أن نعطي مثالين في ذلك أحدهما نأخذه من خلاصة ابن مالك الجياني، الذي استطاع أن يجعل من خلاصته مادةً "أدبيةً" لا نصفها بأنها سهلة لكنها قابلة للتسهيل؛ وإذا تمكن الطالب من مقاليدها العامة فإنه سوف يجد في تناولها إمتاعاً خاصاً وتشويقاً.
لقد يتم ذلك عندما تتحول كتب القواعد إلى نوع من الثقافة العامة، تعيد إلى المادة طعمها وأدبياتها. من أمثلة ذلك ما يتردد في محاظر شنقيط من حكايات ونوادر حول هذه النظم. حتى حكي أن أحد القضاة، أتته امرأة تشكي من زوجها وتطالبه بالرفع، فسألها القاضي عن اسمها ونسبها، فقالت إنها فلانة ابنة الواقف؛ فرد عليها قائلاً : إن لك ما تريدين، لقد قضى ابن مالك في أمرك، وحكم لك بالرفع حين قال :
وقد يبيح الفصل حذف التاء في نحو أتى القاضيَ بنتُ الواقف

أما المثال الثاني من الإمتاع، في عرض القواعد فإننا نلاحظه عند ابن عصفور في كتاب سماه بالممتع ولقد أراد أن يكون كاسمه بالرغم من ثقل مادته، بيد أنه كما يقول مؤلفه عنه : "إنه جامع لمسائل التصريف مع حسن الترتيب وكثرة التهذيب، وتعمم أفنانه وإشراق أنواره وللعقد في التئام وصوله وانتظام فصوله".
وأعتقد أن هذه العبارات تلخص ما تحدثنا عنه بالنسبة إلى الإمتاع وهي تنوع الأساليب وحسن الترتيب وبالنسبة للتشويق من وحدة العقد وانتظام الفصول.
وقد يكون الأساس في عرض هذه المادة هو بذل الجهد في إيضاح القواعد والبحث عن الطرافة في الأمثلة، وعن التشويق في التمارين؛ والعمل على ربط هذه القواعد باللغة حتى لا ننسى أن الهدف الأصلي منها هو إعطاء الطالب وسائل الفهم والتعبير الشفهي والكتابي.
وحينما نصل إلى مرحلة التعبير، فإن على المربي أن يعي تحوُّلاً جذرياً في أصول العرض، لأن الطالب ينتقل من دور المتلقي إلى دور الصانع والمنتج. ولهذا فإن عليه أن يتعلم كيف يُمتعُ ويشوق. وهي مرحلة دقيقة لأن نجاحها يتوقف على كثير من العوامل أهمها مستويات الطلاب عموماً، ومواهب أفرادها خصوصاً.
ثالثاً : التعبير :

واعتباراً لمواطن الحاجة إليه، فيمكن أن نقسمه إلى أربعة أصناف :
1 . الخطاب الديني : وهو المألوف في الوعظ والإرشاد وهو في حاجة إلى الطرافة والتشويق وإلا عزف عنه المستمعون، وقد يطلب من المؤلفين في التربية الإسلامية أن يراعوا ضرورة تجديده وتطويره ليلائم لغة العصر وثقافته وتلك سبيله إلى الإقناع. هذا وأن لأهله معيناً لا ينضب ألا وهو القرآن الكريم، تنزيل الحكيم الحميد وأحاديث من أوتي جوامع الكلم.
2 . الخطاب الثقافي: ونعني به عمل الأساتذة والمربين في الدروس والمحاضرات والأحاديث الثقافية، وأهم ما يشوق في هذا الخطاب هو وضوح الرؤية والتعبير. وهذا لا يتأتى إلا إذا اعتمد المربي، سواء أكان محاضراً أو مؤلفاً، على عنصرين اثنين، هما التأكيد على وضوح الصورة في ذهنه هو أولاً، والتفكير في تبسيط عرضها ثانياً. ولقد صدق أحد النقاد في قوله : "عندما تتضح صورته في الذهن، يسهل التعبير عنه".
3 . الخطاب السياسي: وهو ما يحتاج إليه رجال الإدارة والحكم، ومحترفو الصحافة في المجال السياسي، والملاحظ أن على الساسة والصحفيين العرب أن يأخذوا العبرة من عناية الغربيين بلغاتهم، لأن جماهيرهم لا تسمح بالأخطاء فيها، وأكثر قادة الغرب من كبار الكتاب. والمؤسف أن بعض حكام العرب قد نسي قول عبد الملك بن مروان أن الشيب عاجله بسبب طلوع المنابر وتوقع اللحن.
4 . الخطاب الفني: وهو ما نسمعه من المسلسلات وفي الأعمال المسرحية؛ وقد يتوفر بطبيعته على عنصري الإمتاع والتشويق، ولعل مشكله الأساسي هو استعماله للعاميات لاكتساب أكبر عدد من جماهير المشاهدين، غير أن بإمكانه الإسهام في تطوير أساليب اللغة باعتماد الفصحى المبسطة.
رابعاً : الكتابة :

أعتقد أن غرض تعليم الإنشاء يتطلب تطويراً، يجعله يتم في ضوابط محددة، تعطي الطالب أسس الكتابة، وفق مقررات منهجية سليمة. وأرى أن الخلل الملاحظ في هذا المجال يعود في بعض عوامله إلى التخلي عن القواعد الأصلية للكتابة. فمحاولة تبسيط طرق التدريس أدت بالمربين إلى المبالغة في الاعتماد على ملكة الطالب الذاتية، ومطالبته بتحرير مقالات لا يعتمد في إنشائها إلا على تجربته الخاصة، ومكاسبه الثقافية. ثم إن استهجان التكلف والأساليب البلاغية القديمة أبعد الأساتذة أنفسهم عن تحديث دراسة الإنشاء.
وقد يكون التحديث لا يقتضي أن يتدرب الطالب على استعمال وجوه البيان والبديع، ولكن على المربي أن يعي في تعليم الكتابة، جملة من المقاصد البيانية، تمكنه من السير على هدى في أعماله. من هذه المقاصد ما هو مندرج في المبادئ العامة، ومنها ما يختص بمواضيع معينة؛ ومن أمثلة المبادئ العامة نذكر إيضاح المعاني، فأول ما على الأستاذ أن ينبه المتعلم عليه، أن التعبير عن المعنى لا يكون واضحاً إلا إذا كان المعنى نفسه واضحاً في ذهن الكاتب وأهمية الاستيضاح الذهني تتضاعف عندما نعرف أن طرق تعليم الإنشاء اليوم اقتصرت على التركيز على المعاني دون الأشكال التعبيرية وإذا كان القصد من وراء هذه الطرق أمراً محموداً بحيث إنه يحترم حرية الطالب ويحمله على انتقاء أسلوب خاص به بمنأى عن القوالب الاصطناعية، ولكنه مع ذلك لا يعطيه التقنيات التي تساعده على امتلاك الأدوات الأولية للكتابة، ولذلك فلن يتمكن من إحكام الصنعة إلا بالتدريب على استعمال هذه الأدوات.
وهذا ما يحملنا على ضرورة إعادة النظر في مقررات التعليم لنعيد الاعتبار إلى دراسة علوم المعاني والبيان ونعمل على عرضها في حلة جديدة، نأخذ منها إيحاءاتها الثقافية، وصورها الحية، مع تجنب ما تحجر من قواعدها، أو ما غلب عليه التكلف والتصنع من أساليبها.
غير أنه لا شيء في هذا الباب أفضل وأجدى من قراءة مجيدي الكتاب المبدعين، فإنها تجمع بين الحسنيين إذ تشحذ موهبة الطالب في الإنشاء والكتابة وتوفر له الإمتاع والتشويق في المطالعة.
واللّه الموفق.
__________
(*) رئيس مجلس جوائز شنقيط ـ الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

المهاجره
02-16-2011, 12:08 AM
دور العربية في نشأة التأليف
في الدراسات اللغوية السامية المقارنة وتطويره
(*)د. حامد بن أحمد بن سعد الشنبري

تمهيد:

أعز الإسلام اللغة العربية، فكان انتشاره إيذاناً بانتشارها لغة خطاب بين الناس، وبقيام حضارة عربية إسلامية عريضة. ومنذ ذلك الحين لم تنقطع العربية عن الاستعمال لغة حديث ولغة أدب وتأليف. فقاومت تقلبات الزمان طوال ما يزيد عن ألف وأربعمائة سنة، عاشت بعد سقوط بغداد في أيدي المغول عام 1258م، وعندما قضى الإسبان على إمارة غرناطة عام 1492م لم تضمحل العربية في المغرب.
فالعربية إذن لغة ذات تاريخ طويل, ويبدأ هذا التاريخ في القرن الخامس قبل الميلاد إذا أدخلنا في اعتبارنا النقوش الثمودية والنقوش الشبيهة بها، أو في عام 328م بنقش النماره. ويستمر تاريخ العربية في خط متصل محافظ لم يقدر مثله إلا لقلة قليلة من لغات العام.
لذا كانت اللغة العربية لغة قوة وإيجازودقة ومحافظة، والصفة الأخيرة بوجه خاص أسهمت في حماية اللغة، إذ حدّت من آثارالزمان والمكان.
واللغة العربية من حيث هي لغة سامية، تشترك بالطبع في خصائص اللغات السامية لصلة القربى الوثيقة بينهما وبين تلك اللغات(1) .
وقد كان لدى المستشرقين الكبار في القرن السابع عشر الميلادي ـ أمثال "هوتنجر" Hottinger، و"بوخارت" Buchart، و"كاستل"Castel، ولودولف، صورة واضحة إلى حد ما عن علاقة القرابة الموجودة بين اللغات السامية التي كانت معروفة لهم([2]). ولكن ليس من السهولة بمكان أن نثبت دراجات القرابة الموجودة في كل لغة من اللغات السامية بالنسبة لأخواتها، ويمكن للمرء أن يصل بسهولة في الوصول إلى رأي سريع عن طريق جزئيات المعاجم والقواعد، فكل لغة من اللغات السامية القديمة تتفق مع أخرى عرضا في بعض الخصائص النحوية وتفترق عنها فيما عدا ذلك، كما تفترق عن أخت قريبة فيما اتفقت فيه مع تلك([3]).
الخصائص المشتركة للغات السامية:

أهم ما يميز فصيلة اللغات السامية أنها تعتمد اعتماداً كبيراً على الأصوات الصامتة Consonants لا على الأصوات المتحركة Vowels ويرتبط المعنى الرئيسي للكلمة في ذهن الساميين بالأصوات فيها, أما الأصوات المتحركة فهي لا تعبر في الكلمة إلا عن تحوير هذا المعنى وتعديله([4]).
وإذا نظرنا إلى كلمات مثل : كَتَبَ وكُـتِبَ وكُـتُبْ وكَتَّبَ لأدركنا أن المعنى الأصلي فيها مرتبط بالكاف والتاء والباء، وفي عدد كبير من الكلمات يحمل المعنى ثلاثة أصوات صامتة، ويدخـل عليها إضافات في أولها أو وسطها لتحويرهـذا المعنى وتعديله مثل: أكتب/ انكتب/ اكتتب/ استكتب/ مكتب/ مكتوب/ كاتب.
ولهذا السبب يمتاز الفعل في اللغات السامية بسلسلة من الأوزان المزيدة التي تعبرعن معان مشتقة من المعنى الأساس وتصاغ بتغييرالجذرتغييرات ثابتة للتعبيرعن شدة الفعل أو تكراره وعن السببية والمطاوعة والمشاركة في الفعل والبناء للمجهول وغير ذلك([5]).
وللجملة في اللغات السامية تركيب خاص يختلف عن الجملة في أيٍّ من المجموعات اللغوية الأخرى كالاتينية والجرمانية والسلافية، وذلك أنها تعتمد على الفعل اعتماداً كبيراً وتعده عمادها الذي ترتكز عليه في حين لا نجد ذلك في الفارسية أو الهندية مثلاً. فالاسم فيها هو المعول عليه في الجملة.
وفي العبرية والعربية نجد أن الجملة مكونة أساساً من مسند ومسند إليه هما أساسا الجملة، والمسند إليه هو الذي نتحدث عنه في الجملة، والمسند هو الذي نتحدث به عن المسند إليه، والمسند إليه اسم دائماً، والمسند إما اسم أو فعل ([6]).
وتغلب على اللغات السامية الأصوات الحلقية كالعين والحاء والهاء والأصوات المفخمة كالصاد والطاء، كما أنها في الصيغ الفعلية لا تهتم بالأزمنة الثلاثة وفروعها، وهي الماضي والحاضر والمستقبل، ولذلك نجد في العربية صيغتين للفعل وهما الماضي للحدث المنهي والمضارع للذي لم ينته، ولذلك يصلح للحال والاستقبال. وهناك أدوات تجعله للمستقبل خالصاً من السين، وسوف، ولن، وأدوات أخرى تجعله للماضي مثل: لم([7]).
ويرتبط المضاف والمضاف إليه في اللغات السامية ارتباطاً وثيقاً يكاد يحيلهما في بعض الأحيان كلمة واحدة، كذلك تتفق في صيغ الضمائر وطريقة استعمالها وأسماء العدد والإشارة وفي تركيب الكلام وكثرة المفردات المشتركة بين هذه اللغات(8) .
وليس في اللغات السامية أثر لإدغام كلمة في أخرى حتى تصير الاثنتان كلمة واحدة تدل على معنى مركب من معنى كلمتين مستقلتين كما هي الحال في غير اللغات السامية، وهذا هو سبب ظهور الإعراب في اللغة العربية، وهناك شيء
من بقايا الإعراب في أغلب اللغات السامية ففي العبرية[ ] للمفعول به و[ ] لضمير التبعية، وفي السريانية حرف الدال، وفي البابلية كلمة «SUT» لتعيين ضمير التبعية أيضاً ([9]).
على أنّ هذه المميزات المشتركة يقابلها مميزات تختص بها كل لغة سامية وتنفرد بها عن غيرها كأداة التعريف مثلاً فهي في العبرية الهاء في أول الكلمة، وفي العربية (أل)، وفي السبئية النون في آخر الكلمة، وفي الأرامية الألف في آخر الكلمة أيضا. وعلامة الجمع كذلك في العبرية ياء وميم، وفي الآرامية ياء ونون، وفي العربية واو ونون في الرفع، وياء ونون في النصب والجر في المذكر، وألف وتاء في المؤنث الذي يقابله في العبرية واو وتاء للمؤنث أيضا. كما يختلف نطق بعض الحروف فيما بينها، فالثاء في العربية قد تكون شيناً في العبرية، والشين في العبرية قد تكون ثاء أو سيناً في العربية، والدال في إحدى اللغات السامية قد تكون ذالاً في لغة أخرى، والصاد قد تكون ضاداً، والعين قد تكون غيناً، وتستعمل العبرية مثلاً حرفين في موضع السين هما السين سامخ والسين الشجرية، وقد يأتيان في الحبشية والعربية شيناً والعكس بالعكس([10]).
العربية والدرس اللغوي المقارن :

احتفظت العربية أكثر من أخواتها الساميات بكثير من الصور الصادقة لعناصر اللغة الأولى مثل الكمية الأصلية من الأصوات الساكنة، وكذلك الحركات
القصيرة في المقاطع المفتوحة ولاسيما في وسط الكلمات، وأيضا مثل الفروق النحوية الكثيرة التي أُفْسِدت ـ أن قليلاً أو كثيراً ـ في اللغات السامية الأخرى([11]).
ويقول ولفنسون: إن مقارنة قواعد اللغات السامية يجب أن يبدأ حقاً من العربية إلى اللغة السامية القديمة(الأم)([12]). وهنا يقول أوليري إنه من الضروري أن تكون اللغة العربية هي نقطة البدء لفقه اللغات السامية ([13]).
ويدعم هذا التوجه د. رمضان عبد التواب إذ يقول: " ولا شك أن هناك فوائد كثيرة تعود على الدرس اللغوي من معرفة الدارس باللغات السامية، فإنه فضلاً عما تفيده هذه المعرفة بتاريخ الشعوب السامية وحضاراتها ودياناتها وعاداتها وتقاليدها. تؤدي مقارنة هذه اللغات باللغة العربية إلى استنتاج أحكام لغوية لم تكن تصل إلينا لو اقتصرت دراستنا على العربية فحسب" ([14]).
وقد كانت بدايات التأليف في الدراسات السامية المقارنة على يد بعض اللغويين العرب الأوائل الذين كانوا على معرفة باللغات السامية، بل كان بعضهم يعرف العلاقة بين العربية وبعض هذه اللغات، وقد أثمرت هذه المعرفة عندهم في الدرس اللغوي ومقارنة العربية باللغات السامية. فكان الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 175هـ يعرف الكنعانية إذ قال وهو يعالج مادة (كنع): وكنعان بن سام بن نوح ينتسب إليه الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية ([15]).
كما أدرك ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456هـ علاقة القربى بين العربية والعبرية والسريانية حيث يقول : "إن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير؛ واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جرس كالذي يحدث من الأندلسي، إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام لغة الأندلسي، ومن الخرساني إذا رام نغمتهما، ويستطرد قائلاً " فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية؛ أيقن أن اختلافهما إنّما هو من نحو ما ذكرنا، من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وإنها لغة واحدة في الأصول" ([16]).
ويقول الإمام السهيلي (المتوفى 581هـ) في العلاقة بين العربية والسريانية " وكثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو ما يقاربه في اللفظ "([17]).
وذكر ابن الحاجب في الكافية قولاً بأنّ اسم الفعل (آمين) أصله سرياني، معللاً ذلك بأن وزنه من الأوزان الأعجمية ([18]).

كذلك عَرَف أبو حيّان الأندلسي(المتوفى 754هـ) اللغة الحبشية وأدرك العلاقة بينها وبين العربية، وألف فيها تأليفاً مستقلاًً ([19]).
وللغويين من اليهود مؤلفات في الدراسات السامية المقارنة فقد وقفوا على التقارب بين العربية والعبرية والآرامية واكتشفوا العلاقة بين اللغات، وقد ساعدهم على ذلك إلمامهم بالعربية والآرامية ([20]).
فقد وجدت منذ القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) دراسات مقارنة قام بها لغويون متخصصون ومعظمها تمّ في المغرب والأندلس على يد لغويين يهود سجلوها باللغة العربية، وأشهرعَمَلين تَمَّا في هذا المجال عملا : " ابن بارون " و" يهودا بن قريش "، وإن وجدت أعمال أخرى أقل قيمة كتلك التي قام بها أبو يوسف القرقساني وداود بن إبراهيم([21]) .
أمّا ابن بارون فكان من يهود أسبانيا، وقد كتب في أواخرالقرن الحادي عشر الميلادي كتابه العظيم " كتاب الموازنة بين اللغة العبرية والعربية " وقد خصص الكتاب للدراسة المقارنة بين اللغتين من جانبي اللغة والنحو، واهتم ببيان أوجه الشبه والخلاف بين العربية والعبرية ([22]).
وأما يهودا بن قريش (عاش في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر) فقد كان أسبق من ابن بارون بنحو قرن من الزمان ويعتبرونه أبا الدراسات السامية المقارنة، وقد ترك ابن قريش عملاً مكتوباً بالعربية قسمه إلى ثلاثة أقسام عالج في قسم منه العلاقة بين العبرية والعربية. وشَبَّه العلاقة بين العبرية والآرامية بفروع الشجرة الواحدة، أو بعروق الجسد الواحد، كما صرح بأن العربية والآرامية ليستا أجنبيتين، وذكرأن الـــعربية والعبرية نتجتا عن أصل واحد وتفرعتا نتيجة الخروج إلى أماكن مختلفة والاختلاط بلغات أخرى، وأصدر حكمه على اللغات الثلاث العبرية والآرامية والعربية بأنها صيغت بالطبيعة بطريقة واحدة([23]).
وفي القرن الحادي عشر الميلادي وضع يهودا بن حيوج (أبو زكريا يحيى) أسس المقارنة الصوتية للغات السامية، وقد عرف العلاقة القريبة التي تربط الآرامية والعبرية([24]). وقد كان تأثره بالتراث اللغوي العربي واضحاً في ثنايا مؤلفه.
وفي العصر الحديث أصبح للدراسة المقارنة منهجها الخاص منذ اقترح السير وليم جونز "W. Jones". هذا المنهج قرب نهاية القرن الثامن عشر، وطبقه من بعده علماء بارزون مـن أمثال " شليجل" Schlegal"، و" راسك" Rask ، و" بوب " Bopp ، و " جريم " Grimm([25]).
وقد طبقوا ذلك على اللغات الهندية الأوربية، ثم اتسع نطاق الدرس المقارن عندهم ليشـمل العـربية واللغـات السـامية فيما بعـد، على يد كل من : " نولدكة "
و" بروكلمان " و" برجشتراسر" و" رايت "، ثم " موسكاتي " الذي يعد من أشهر من قام بذلك.
وقد اهتم بعض اللغويين المحدثين العرب بالدراسات اللغوية السامية المقارنة على جميع المستويات أو النظم الفرعية للغة، ونعني بذلك مستويات الدرس اللغوي الحديث [الصوتية ـ الصرفية ـ التركيبية ـ الدلالية] متممين بذلك مسـيرة أسـلافهم. ففي مصر برز في هــذا المجال أ. د. السـيد يعـقوب بكر، وأ.د. محمد سالم الجرح، وأ. د. رمضان عبد التــواب وكذلك أ. د. محمود حجازي، و أ. د. عبد الفتاح البركاوي، و أ. د. عمر صابر. وفي الشــام والأردن والعــراق أ. د. يحـيى كمـال، وأ. د. محـمد التـونـجي، وأ.د.إسماعيل عمايره، وأ.د. إبراهيم السامرائي، وأ. د. محمد حسين آل ياسين.
كما ظهر في المغرب العربي العديد من الدراسات اللغوية السامية المقارنة على يد العـديد من الباحـثين منهم : أ. د. أحمد شحلان، و أ. د. محمـد المـدلاوي، وأ. المصطفى حسوني. وفي السعودية والجزيرة العربية لصاحب هذه الورقة جهود متواضعة في هذا المجال منها :
· النصوص المتصلة بسيدنا يوسف في القرآن الكريم والتوراة. دراسة صوتية دلالية مقارنة.
· المطاوعة وبناؤها في اللغات السامية، دراسة لغوية مقارنة.
· أدوات الصلة بين العربية والعبرية. دراسة لغوية مقارنة.
· اللغة العربية والساميات الأصل والتبعية في ضوء الدرس اللغوي المقارن.
· الأصوات العربية والعبرية- دراسة وصفية مقارنة.
إنّ هذه الدراسات اللغوية الحديثة المقارنة بين اللغات السامية وما تتضمنه من نظرة جديدة للدرس اللغوي المقارن وإن تأصلت في العصر الحديث إلاّ أن جذورها تمتد أيضاً إلى تلك البدايات التي نهض بها أوائل اللغويين العرب الأفـذاذ.
____________________
(*) رئيس قسم لغات الشعوب الإسلامية وأستاذ اللغويات واضطرابات النطق، جامعة أم القرى.
(1) دراسات في فقه اللغة العربية، د. السيد يعقوب بكر، ص 16- 15.
(2) اللغات السامية لنولدكه، ص9.
(3) السابق، ص 26.
(4) تاريخ اللغات السامية، إسرائيل ولفنسون، ص 16، مقدمة الأصول اللغوية المشتركة، محمد حسين في آل ياسين، ص 3- 18.
(5)أبنية الفعل في اللغات السامية، د. رمضان عبد التواب، ص60- 63, تاريخ اللغات السامية، ص 16.
(6) History of The Hebrew Language p. 3 مقدمة في الأصول اللغوية المشتركة ص 14-15.
(7) اللغات السامية، ص 10، تاريخ اللغات السامية، ص 15.
(8) 3 Moscati, An Introdoction; p. اللغات السامية (ص10)، الساميون ولغاتهم (ص 17-25)، اللغة العبرية وآدابها، د/ محمد التونجي (ص 14ـ15)، الحضارات السامية القديمة، موســـكاتي (ص 44-47) من السامية إلى العرب، نسيب الخازن (ص 19).
(9) تاريخ اللغات السامية (ص 14- 15).
(10) مقدمة في الأصول اللغوية المشتركة (ص 5).
(11) اللغات السامية (ص 14).
(12) السابق (ص 7).
(13).O' Leary C.G, p. 17
(14) فصول في فقه العربية، د. رمضان عبد التواب (ص46-47) .
(15) العين: كنع 1/232، وقارن بالدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، محمد حسين آل ياسين. (ص 464)
(16) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1/30.
(17) فصول في فقه العربية (ص 44).
(18) الكافية في النحو لابن الحاجب 2/67.
(19) فصول في فقه العربية (44).
(20) تاريخ اللغات السامية (ص 4)، البحث اللغوي عند العرب، د/ أحمد مختارعمر (224).
(21) البحث اللغوي عند العرب (ص 329).
(22) السابق.
(23) البحث اللغوي عند العرب (ص 332)، تاريخ اللغات السامية (ص 3).
(24) O' Leary C.G: p. 2 .
(25) انظر: في أصول هذا المنهج وفيمن أخذ به من العلماء : أسس اللغة لمايو باي (222).
______
المصادر والمراجع


أولاً : المراجع العربية :
أبنية الفعل في اللغات السامية، د. رمضان عبد التواب، مجلة كلية اللغة العربية بالرياض، العدد الرابع، 1394هـ.
· الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، القاهرة، مطبعة الإمام، بدون تاريخ.
· أدوات الصلة بين العربية والعبرية- دراسة لغوية مقارنة، د. حامد أحمد الشنبري، مجلة رسالة المشرق ـ جامعة القاهرة، 1995م.
· الأساس في الأمم السامية ولغاتهم وقواعد اللغة العبرية وآدابها، د. علي العناني وآخرون، المطبعة الأميرية ببولاق ـ مصر، 1354هـ .
· أسس علم اللغة، ماريوباي، ترجمة د. أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الثانية، 1403هـ.
· أسس علم اللغة العربية، د. محمود فهمي حجازي، دار الثقافة، القاهرة، 1978م.
· أصول كلمة أبراهام للدكتور/ ف. عبد الرحيم، مطبعة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد الثاني والثلاثون، 1987م.
· الأصول، لابن الوليد مروان بن جناح القرطبي، اكسفورد، 1875م.
· الأمم السامية مصادر تاريخها وحضارتها، حامد عبد القادر، دار نهضة مصر،1981م.
· البحث اللغوي عند العرب، د. أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1402هـ .
· تاريخ اللغات السامية، إسرائيل ولفنسون، دار القلم، بيروت، 1980م.
· التطورالنحوي للغة العربية، للمستشرق براجشتراسر، القاهرة،1981م. تطوروخصائص اللغة العبرية، د. رشاد الشامي، مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، 1978م.
· الجذورالفعلية في اللغات السامية كما تنعكس في العربية والعـــــبريــــــــة، د. محمد سالم الجرح، حوليات كلية دار العلوم، العدد الخامس، 1974- 1975م.
· الحضارة السامية القديمة، سباتيقو موسكاتي، ترجمة د. السيد يعقوب بكر، دار المعارف، القاهرة.
· الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، محمــد حســيـن آل ياسين، الطبعة الأولى، بيروت، 1980م.
· دراسات في فقه اللغة العربية، د. سيد يعقوب بكر، مكتبة لبنان، بيروت، 1969م.
· دراسة في الألسنية العامة، لفردينال دي سوسير، تعريب صالح القرمادي وآخرين، الدار العربية للكتاب، 1985م.
· الساميون ولغاتهم، د. حسن ظاظا، مطبعة المصري، الأسكندرية،1971م.
· ظاهرة "بجد كفت" بين العربية واللغات السامـية ـ دراســـــة مقارنـــــــة، د. اسماعيل أحمد عمايرة، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد الواحد والثلاثون 1406هـ/1986م .
· العبرية دراسة في التركيب والأسلوب، د. صلاح الدين حسنــــــــــين، ود. شعبان سلام.
· العبرية دراسة في ضوء المنهج المقارن، صلاح الدين حسنين ومحمد سبعاوي، 1984م.
· العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، الأجزاء من 2-8، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبرهيم السامرائي, العراق .
· فصول في فقه العربية، د. رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1980م.
· فقه اللغات السامية، كارل بروكلمان، ترجمة د. رمضان عبد التواب، مطبوعات جامعة الرياض، 1397هـ.
· في قواعد الساميات، د. رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1403هـ.
· الكافية في النحو لابن الحاجب، شرح رضي الدين الاسترابادي ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1402هـ.
· " كان " في اللغتين العربية والعبرية، د. ألفت محمد جلال، حولية كلية الآداب بجامعة عين شمس،، المجلد الثالث عشر، 1973م.
· اللغات السامية، تيودور نولدكه، ترجمة رمضان عبدالتواب، مكتبة دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 1899م.
· المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية العربية، د. اسماعيل أحمد عمايرة، دار الملاحي للنشر والتوزيع، إربد ـ الأردن، 1987م.
· المطاوعة وبناؤها في اللغات السامية، دراسة لغوية مقارنة، د. حامد أحمد الشنبري، مجلة الدراسات الشرقية ـ العدد التاسع عشر، القاهرة، 1997م.
· المعجم العربي على ضوء الثنائية والألسنية السامية، مرمرجي الدومانكي، القدس، 1937م.
· مقدمة في الأصول اللغوية المشتركة بين العربية والعبرية، محمد حسين آل ياسين، مجلة البلاغ العراقية، العدد السابع، 1971م.
· ملتقى اللغتين العبرية والعربية، مراد فرج، المطبعة الرحمانية، مصر، 1930م.
· المنهج المقارن بين النظرية والتطبيق- دراسة تأصيلية في ضوء التراث، الدكتورعبد الفتاح البركاوي ـ مجلة كلية اللغة العربية، أسيوط، العدد الحادي عشر، 1990/1991م.
· نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها، الأدب انستاس ماري الكرملي، المطبعة العصرية، القاهرة، 1938م .
ثانياً : المراجع الأجنبية :

- Brockelman, Grundriss der Verleichenden Grammmatik der Semitichen Sprachen, Berlin, 1908-1913.
- Gray Louis, H, Introduction to Semitic Comparativ, Linguistics, Columbia University, 1934.
- Mocati, Sabatino, An Introduction to the Comparative Grammer of
the Semitic Languages , Wiesbaden, 1964.
- O' Leary P.L. Comparative Grammer of the Samitic Languages, London, 1923.
- Wachter, p. Ibn Barun's Arabic works on Hobrew Grammar and Lexicography, phiadelphia, 1464.

المهاجره
02-16-2011, 12:17 AM
واقع اللغة العربية في أجهزة الإعلام
(عرض تقويمي)

(*)د. أحمد بن نعمان

إذا كانت اللغة من الناحية الشعورية والوجدانية تمثل روح الأمة، ومن الناحية الثقافية تمثل الوعاء والوسيلة الناقلة للأفكار والتقاليد والخبرات عبر الأجيال المتعاقبة على تاريخ الأمة، وكانت من الناحية السياسية هي معالم الحدود الحقيقية للرقعة الجغرافية الوطنية والقومية، ومن الناحية السيادية هي أهم أسس الهوية ومكونات الشخصية والوحدة الوطنية، لأية مجموعة بشرية، تعيش في انسجام على وجه الكرة الأرضية... إذا كانت اللغة كذلك فلأنها تعتبر بدون منازع أفضل وسيلة للتخاطب بين الأفراد، والتعبير عن أفكارهم. وهي وإن لم تعتبر الأداة الوحيدة للاتصال بين الأشخاص، إلا أنها أداة لا غنى عنها لبني البشر لبناء الحضارات وتشكيل الأمم وتوحيد الأوطان، كما أن للغة أهمية كبرى لكونها أداة فعالة لشحذ الذاكرة ونقل المعرفة والتعبير عن المفاهيم المعقدة، وفي ذلك يقول الباحث العربي نور الدين حاطوم : (لقد أصبحت اللغة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر من أهم المقومات المحددة للجنسية لأي شعب أو أمة)([1]).
ويؤكد ذلك أيضاً الفيلسوف الألماني (فيخته) بقوله: (أينما توجد لغة مستقلة توجد أمة مستقلة لها الحق في تسيير شؤونها وإدارة حكمها)([2]).
ولقد تأكد من خلال القرن العشرين حين لجأت الدول المنتصرة عقب الحرب العالمية الأولى في اجتماعها "بفرساي" إلى تعيين الحدود بين الدول على أساس المناطق اللغوية، وحتى عندما تتشابك الثقافات في المناطق الواقعة بين أمتين كبيرتين، تكون اللغة عادةً هي المعيار الذي يحدد شخصية الإقليم المتنازع عليه([3]).
وقد استعمل موسوليني بالفعل هذه الفكرة لأغراض توسعية، إذ كان يحس بأن مطالبته بضم جنوب "تيرول" لن تكون شرعيةً إلا إذا قطن هذه المنطقة سكان ناطقون باللغة الإيطالية، مما جعله يشجع الإيطاليين على الهجرة إلى تلك المنطقة([4]).
وإذا قلنا بأن اللغة هي المعيار لبيان حدود أمة، فلأن خاصية كل لغة تترك أثرها على نفسية الشعوب وطريقة تفكيرها، وهي الذكريات المشتركة للأمة، وإذا اندثرت ضاعت معها معالم القومية، ويمكن القول (بكيفية شبه عامة) بأن اللغة والدين المرتبط بها، إن كان موجوداً، (كما هو حال الإسلام واللغة العربية في أمتنا)، يعتبر من العناصر الأساسية التي تكون الثقافة والشخصية القومية لأي أمة في العالم.ولما كانت اللغة بهذه الدرجة من الأهمية، فإننا نجد صفاتها الوطنية والرسمية محددة عادةً في مقدمة المواد الدستورية للدولة المستقلة (...) مع إدراج بنودها في الغالب ضمن المواد التي لا تقبل المراجعة والتغيير، لكون المساس بكنهها يعني المساس بقداسة الوجود ضمن الحدود المعترف بها.
ولقد كانت اللغة وما تزال هي المفجر أو الصاعق الكامن وراء جل الصراعات العرقية القائمة بين شعوب الدولة الواحدة، داخل التراب الوطني، أو على الحدودالإقليمية والسيادية للأقطار المتجاورة في البنيان، والمتغايرة في الولاء والشعور والوجدان، الناتج عن اختلاف استعمال اللسان، بصفته مرآة السياسة وعنوان السيادة في جميع البلدان !!.
وهذا ما وقع في الماضي وما هو واقع اليوم بين كوريا والصين واليابان، والصرب والألبان، والفرنسيين والألمان، والباسك في إسبانيا والكاتالان، والفالون في بلجيكا والفلامان، والأكراد في العراق وتركيا وإيران، والأوزبك والباشتون والطاجيك والهازارة في أفغانستان، والبلوش والسنهال والتاميل في سيلان والهند والباكستان (...).
وكانت اللغة المستضعفة والمستهدفة من هذه الوجهة، وبدون منازع، هي بين الداء الذي ينخر الكيانات القومية الضعيفة لإزالتها من الوجود ... وكانت اللغة وقوتها في مقدمة كل دواء، لوقاية كيان الدولة ووحدة الشعب والأمة من التشتت والتفرق والتمزق، إلى كيانات مجهرية لا حصر لها، داخل الرقعة الجغرافية الواحدة، كما يتجلى، على خريطة العالم الممدودة، كالحصيرة أمام كل ذي بصر وبصيرة ... .
وانطلاقاً من كل الحيثيات السابقة يكون حديثنا عن واقع اللغة العربية مرتكزاً على مجال الإعلام والصحافة... ونقسمه من الناحية المنهجية إلى عدة عناصر متكاملة نرتبها على النحو التالي :
أولاً : قيمة اللغة العربية في ذاتها كلغة قومية، متكاملة العناصر، وذات خصائص علمية وأبعاد تاريخية ودينية وحضارية عالمية.
تنحدر اللغة العربية الحالية من اللغة السامية كما هو معلوم، وتمتد بتاريخها إلى قرون عديدة قبل ظهور الإسلام...وإذا كانت لها نظيرات عديدات من اللغات التي تشترك معها في الأصل، إلا أنها تميزت عنها جميعاً بقوة الصمود، والمحافظة على الروابط التي تصلها باللغة الأصل، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل تاريخية وجغرافية ودينية، يأتي في مقدمتها ارتباطها بكتابها المقدس الذي حفظته وحفظها بكيفية مكنتها من التغلب على جميع اللغات التي احتكت بها بعد الفتح الإسلامي، كالفارسية والقبطية والسريانية والفينيقية والبربرية والرومانية ... وجعلها هذا التميز التحصيني الرباني تؤثر في هذه اللغات أكثر مما تأثرت بها، وأقوى دليل على ذلك أن أية لغة في العالم اليوم لا تكاد مفرداتها تصمد في الاستعمال بالألفاظ والدلالات ذاتها لعشرات السنين دون تغيير، مثلما هو الشأن بالنسبة للغة العربية التي نتحدث بها اليوم بالكيفية اللفظية والدلالية ذاتها التي كان يتحدث بها القرشيون في مكة المكرمة لحظة نزول القرآن الكريم، في حين يصعب إن لم نقل يستحيل أحياناً أن نقرأ نصّاً لديكارت أو شكسبير أو موليير أو نص أدبي إنجليزي أو فرنسي أو إسباني أو ألماني مكتوب في القرن التاسع عشر دون أن نستعين بالمناجد ذات الشروح المتعددة الخاصة لتطور الدلالات اللفظية للمفردة الواحدة ... .
هذا من حيث ثبات واستقرار استعمال اللغة العربية بالمعاني والألفاظ ذاتها لعدة قرون ... !!.
أما من حيث استيعابها للجديد من المخترعات الحضارية في مختلف المجالات واللغات، فهي تتوفر على قدرة عجيبة في هذا المجال بما تتميز به من خاصية فريدة في الاشتقاق([5]) والنحت والتركيب والتعريب، بحيث لا يعوقها عائق ذاتي في استيعاب أي لفظ منطوق بأية لغة وتبينه بلفظه أو بمعناه أو بالاثنين معاً، دون أي عائق يحول دون ذلك فيما هو معلوم !! وهذه الميزة الفريدة اعترف لها بها العلماء من الخصوم قبل الأبناء والأصدقاء([6]).
وعن هذا الموضوع يقول الدكتور شرباطوف (أكبر المستشرقين الروس): (ولقد أظهرت اللغة العربية قوتها في القرون الماضية، وتستطيع هذه اللغة اليوم بفضل ثراء أصلها التاريخي، ولما اكتسبته من الظواهرالجديدة مثل كثرة المصطلحات العلمية والفنية الجديدة أن تساير التطور في جميع مراحله ومجالاته)([7]).
وهو ما يؤكد ما ورد في كتاب "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة تحت عنوان : "اللغة العربية لغة عالمية"، حيث جاء ما نصه : تساءل الناس منذ ربع قرن أو يزيد عن موقف العربية من اللغات العالمية الكبرى، فعدها قوم واحدة منها، وأنكر عليها ذلك أقوام آخرون، وسبق أن أثبتنا أنها كانت في الماضي ولعدة قرون اللغة الوحيدة للعلم والفلسفة في العالم بأسره (من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر الميلادي)، ثم انضمت إليها اللاتينية فأخذت منها واتجهت عن طريقها إلى كنوز الحضارات القديمة...وبرهنا على أنها جديرة بأن تستعيد مجدها، وليس في طبيعتها ما يعوق مطلقاً دون أن تؤدي كل متطلبات العلم والحضارة، ومنذ النصف الأخير من القرن الماضي أخذت تجدد نشاطها وتتدارك ما فاتها، وحظيت أخيراً بإنتاج وفير ومتنوع...وأقامت العربية الدليل على حيويتها وعلى قدرتها على البقاء، ولم تجد الهيئات الدولية بداً من أن تعترف بها وتقدرها قدرها... وقد بقي هذا القرار لسنوات عديدة بين تأييد ومعارضة، إلى أن أخذ به في المدة الأخيرة، وأصبحت اللغة العربية في المؤتمرات والاجتماعات الدولية على قدم المساواة مع اللغات العالمية الكبرى ...([8]).
وعلى لسان الدكتورأحمد إسماعيلوفيتش اليوغسلافي سابقاً (البوسني حالياً)، ورد ما يؤكد كلام المجمع بقوله: (إن الحضارة الإسلامية العربية في يوغوسلافيا قديمة، وهي ليست غريبة ولا جديدة على أوروبا. قبل ضياع الأندلس كانت أوروبا كلها تتجه للعرب وحضارتهم، وقد أثرت هذه الحضارة في النواحي الفكرية والمادية في أوروبا حتى بعد خروج العرب من الأندلس ... وعندما زار الرئيس (تيتو) القاهرة سنة1961) وكنت حينها مديراً للمدرسة اليوغسلافية في القاهرة) سألني عمّ إذا كان أبناؤنا يدرسون اللغة العربية في برنامجهم الدراسي ... وقال : (إنني أريد أن يتعلم أبناؤنا اللغة العربية لأنها لغة المستقبل)([9]).
وعن هذه الامتدادات الحضارية للغة العربية في العالم، يقول الدكتور إبراهيم مذكور: (لقد قدر لي أن أزور ألمانيا وروسيا سنة 1969، وقضيت بعض الوقت في إحدى مدنها الكبرى، فلاحظت الاهتمامات في قسم الدراسات العربية بجامعتها منصبة على اللغة العربية وما يتصل بها من اللهجات... وتعمر بعض الجامعات الأوروبية والأمريكية بنفر من الأساتذة العرب يقومون على أمر الأدب والثقافة الإسلامية، ولست في حاجة أن أشير إلى تلك المعجمات الثنائية الكثيرة التي ظهرت في روسيا في العشرين سنة الأخيرة، وهي تجمع بين الروسية والعربية، وتنصب على اللغة تارةً، أو على العلم والتكنولوجيا تارةً أخرى"([10]).
ويقول في مكان آخر: (وعلى الصعيد الدولي استعادت اللغة العربية مكانتها، وبرهنت على أنها جديرة بأن تقف في مصاف اللغات العالمية الكبرى. فهي لغة علم وأدب وفن وحضارة، اتسع صدرها لكل جديد، وقد استخدمت الحاسبات الإلكترونية في دراستها)([11]).
وبالنسبة لقيمة هذه اللغة وقوة التحدي الحضاري الذي تتميز به رغم ما يوجد عليه بعض أهلها من تبعية ودونية وهو أن يقول الأستاذ الكاتب سمير عطا اللّه : "إن اللغة العربية في حركة صغيرة تعطي الكلمة الواحدة ألف لون ولون، وألف معنى ومعنى، فإذا كانت اللغات العريقة قد تطورت إلى ما تعرف الآن من رقي في التعبير، فإن اللغة العربية تظل ملكة اللغات كمثل ملكة النحل في عالم القفير... ففي أية لغة أخرى في الكون (غير العربية) يقال مثلاً : "امرأة حامل ؟" لأن الرجل لا يشاركها في حمل البطن، في حين يقال : "امرأة حاملة" إذا حملت شيئاً على رأسها أو ظهرها، لأن الرجل يشاركها آنذاك في مثل هذه الحمولات !؟.
ليس في اللغات التي أعرفها مثل هذه الدقة في التعبير، وقد سألت بعض المستشرقين، بريطانيين وفرنسيين، عن كيف يترجمون كلمة: "Nuance" فوجدت بعضهم يترجمها بـ "لطائف" اللغة، والبعض الآخر بـ "دقائق" اللغة، أما أنا فإني أتمنى أن تصبح "رقائق" اللغة، ليس فقط بمعنى الرقة اللغوية الساحرة، بل الرقائق بمعنى رقائق السيلوفان التي يتكون منها الكومبيوتر اليوم، فقد قال لي أحد خبراء الخط حين سعى إلى تطعيم الحرف العربي في الآلة الحديثة أنه اكتشف أن مكونات اللغة العربية (بالمقارنة مع اللغات الأخرى) كأنما هي وضعت لعصر الإلكترون، فقد استوعبها الحاسوب بثلاث محاولات بدلاً من ست وعشرين([12]).
ثانياً : تقويم استعمال اللغة العربية الراهن في البلاد الناطقة بها وتحديد مظاهر وأسباب هذا الخلل الواقع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
وإذا كنا قد حددنا ما للغة العربية من خصائص ومميزات في ذاتها، بما لا يترك أي مجال للشك في قيمتها العلمية والحضارية، بما يسقط كل الذرائع التي قد تقدم في هذا الخصوص بالنسبة لأعداء هذه اللغة الذين يتربصون بها الدوائر في الخارج والداخل لأسباب متعددة، قد تختلف في المنطلقات، ولكنها كلها تصب في هدف واحد، هو القضاء على أهم أسس ومكونات الأمة وتقويضها من الداخل، بعد أن فشلت كل محاولات الأعداء للقضاء عليها من الخارج ... .
وإذا كان من البديهي القول بأن استعمال أية لغة يتطلب بالضرورة حداً أدنى من إتقانها، ثم امتلاك الرغبة في ذلك بسبب ربط التعلم ذاته، وكذلك الاستعمال
بمنفعة ما ذاتية أو إلزام خارجي اجتماعي أو ديني أو اقتصادي أو سياسي أو إداري... فإننا نتناول هنا سبب هذا القصور الشنيع في استعمال اللغة العربية في واقع الناطقين بها لمعرفة مختلف الأسباب والعوامل الذاتية والموضوعية التي أدت إليه، ونبدأ بـ :
1. عدم إعطاء بعض العرب مكان الصدارة للغة العربية في بلدانهم
لا نجد أوضح وأصدق من المقولة العربية : (من لم يحترم نفسه لا يحترمه الغير) لنطبقها على العرب في هذا الخصوص، حيث إننا لا نكون منطقيين مع أنفسنا، وواقعيين مع التاريخ، أن ننتظر الازدهار والسيادة للغة العربية في وطنها، ونحن نضعها في المرتبة الأخيرة من اهتماماتنا الوطنية والقومية، فنجد من يعتبر اللغة (قومية أو غير قومية) مجرد وسيلة للتفاهم، وإذا حصل التفاهم والتعلم بين الأفراد بغيرها فقد ثبت المطلوب في نظرهم، وبالتالي يكون من قبل "التعصب" المطالبة القومية بأن تكون لغة التفاهم بين أفراد المجتمع العربي، وكذلك لغة التعليم بجميع مراحله وتخصصاته هي العربية (!؟).
وهذا ينطبق على استعمال اللغات الأجنبية، كما ينطبق على استعمال اللهجات الدارجة العربية التي أصبحت تنشر بها الخطب الرسمية في بعض الأقطار المشرقية على الخصوص، مما جعل الطلاب الأجانب الذين يؤمون أقطارنا لدراسة اللغة العربية يصدمون بواقع مخجل، حيث لا يكادون يجدون أثراً للغة الضاد في الواقع، فينكبون على تعلم اللهجة المحلية لهذا البلد العربي أو ذاك، لكي يفهموا ما يقال في الصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، فضلاً عن التفاهم مع أفراد المجتمع الذين يفضلون استعمال اللهجات العامية إذا تعذر عليهم مخاطبة الأجنبي بلغته الأصلية في بلدانهم، وأبرز مثال على ذلك ما نجده في السوق من تداول للقواميس المعدة باللهجات المحلية مع لغة أو لغات أجنبية (فنجد مثلاً قاموساً فرنسياً تونسياً أو إنجليزياً مصرياً أو إسبانياً مغربياً أو فرنسياً جزائرياً).
ولا نجد للفصحى أثراً في الوقت الحاضر، إلا في أوراق الامتحان الكتابي والكتب المقررة ! ونحن الآن إذا وجدنا مبرراً للأميين العرب الذين يتحدثون باللهجات المحلية... فكيف نجد للجامعيين العرب (طلاباً وأساتذةً) وللمثقفين العرب، في احتقار الفصحى، أو التهوين من قيمة التحدث بها - على الأقل - في الحرم الجامعي، وفي منابر العلم المختلفة... فكيف ينتظر العرب أن تنتشر لغتهم في العالم، وتكون لها قيمة عملية تذكر، وهم يحتقرونها في بلدانهم ويفضلون عليها اللهجات المحلية، ويفرضون تعلم هذه اللهجات المحلية على الأجانب القادمين إلى بلداننا لدراسة لغتنا القومية ؟!.
ثم كيف نتصور نظرة الأجنبي إلى العرب واحترامهم كقوم يدعون أنهم يكونون وحدة ثقافية متجانسة، وهو مضطر إلى إتقان أكثر من عشرين لهجة عربية، كي يفهم العرب أو يتفاهم معهم ؟!.
ويضاف إلى هذا العامل (الذي سنفصل الحديث عنه لاحقاً) عامل آخر لا يقل أهمية وتأثيراً عن استعمال اللغة العربية في الحياة العامة عموماً وفي وسائل الإعلام على وجه الخصوص، ويتمثل في مصدر معرفة اللغة في ذاتها، ونعني به المؤسسات العربية المعدة لهذا الغرض، وهي الجامعات والمعاهد العليا بصفتها معامل تخريج الرجال لمجابهة الحياة في مختلف مجالاتها، ودمغ معارفهم وتأكيد قناعاتهم، وعقد قلوبهم على ما تشربوه من قناعات في تلك الجامعات، وهنا تأتي أكبر مفارقة في واقع اللغة العربية لا نعرف لها نظيراً في أي بلد معاصر في العالم! وهي تتمثل في :
2. سيطرة اللغات الأجنبية على الأقسام العلمية في معظم الجامعات العربية في المشرق والمغرب على حد سواء.
وابتعاداً عن تعليق هذا التقصير الخطير على شماعة الاستعمار، نذكر أن هذا الوضع الشاذ الذي توجد عليه اللغة العربية في جامعات الدول المنتسبة إليها والذي له انعكاسات خطيرة على استعمالها في مجالات الحياة كما قلنا، يعود ولا شك في تاريخه إلى الحملة الاستعمارية الصليبية التي شنها الغرب على البلدان العربية بدءاً بغزو فرنسا للجزائر سنة 1830 ثم أقطار المغرب العربي بعد ذلك ثم غزو الإنجليز لمصر والبلدان الشرقية الأخرى تبعاً لذلك وكذا الاستعمار الإسباني والإيطالي في كل من المغرب وليبيا ... والذي يهمنا ذكره في هذا الخصوص هو أن لغة التدريس لكل العلوم العصرية (بما فيها الطب والهندسة) في ذلك الوقت كانت هي اللغة العربية وحدها ... ولكن بعد أن أمسك المحتل قبضته على أرض الكنانة والأزهر الشريف أصدر قراره بجعل لغة تدريس الطب وجميع الفروع العلمية في الجامعات المصرية باللغة الإنجليزية (بما فيها جامعة الأزهر الشريف) وما يزال الوضع منذ ذلك التاريخ محنطاً على ما كان عليه حتى هذه اللحظة، بل ازداد تدهوراً وخطورةً بتوسيعه إلى بعض المواد الاجتماعية والإنسانية الأخرى التي كانت تدرس باللغة العربية في عهد الاحتلال لتعجم اليوم تحت شعار الانفتاح والتخلص من عقدة الاحتلال في "الاستقلال".
وفي هذا الخصوص نورد هذه الشهادة (من أهلها) للأستاذ فهمي هويدي الكاتب والباحث المهتم بالهم الحضاري العربي والإسلامي، حيث يقول ما نصه: (... سياسة الانفتاح المنفلت التي أنتجتها الدول العربية بدرجات متفاوتة، حيث أدت إلى ما نشهده من هجوم واسع النطاق للسلع الأجنبية متوازياً مع هجوم للثقافة الأجنبية... حتى أصبح الذين يجيدون اللغات الأجنبية هم المتميزين اجتماعياً واقتصادياً، وصارت المدارس الأجنبية تحظى بإقبال غير عادي، بل وجدنا بعض الجامعات الوطنية تفتح فروعها للتدريس باللغات الأجنبية، الأمر الذي لا يخلو من مفارقة... فبعد أن حقق العمل الوطني إنجازه بتعريب التعليم الجامعي خصوصاً في كليات الدراسات الإنسانية، وبينما الأصوات تتعالى لمواصلة الشوط بتعريب مناهج الكليات العلمية من طب وصيدلة وهندسة وما إلى ذلك، إذا بنا نجد الكليات التي تم تعريبها تعود للتدريس باللغات الأجنبية، على الأقل هذا ما حدث في جامعة القاهرة (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية))([13]).
وما وقع لمصر قديماً وحاضراً وقع في كلية طب بيروت التي كانت تدرس بالعربية وقد أصبحت منذ الاحتلال، وما تزال إلى الآن، تدرس باللغة الإنجليزية.
أما بلاد المغرب العربي فالأمر أكثر استفحالا في هذا المجال وكان من نتائج ذلك أن عمل الاستعمار على تشويه صورة استعمال اللغة القومية في مختلف المجالات وعلى الخصوص في مجال الإعلام والصحافة بصفتها الواجهة المرئية التي تعكس أوضاع الأمة للناظر إليها من الخارج، وخاصة في عهد الفضائيات التي تطوي المسافات وتعبر القارات في لحظات !
وهو ما انعكس سلباً على استعمال اللغة العربية والذي يمكن أن نحدد أهم مظاهره في النقاط التالية :
أ) إبعاد اللغة العربية عن مجال التفاعل مع العلوم الحديثة المختلفة في التدريس والبحث والتأليف والترجمة، وبالتالي إبعادها عن مسايرة العصر التكنولوجي الراهن باستيعاب المفاهيم والمصطلحات العلمية الحديثة، وظهور الدوريات والمصادر العلمية المختلفة بهذه اللغة العربية التي باتت أحياناً أجنبية في عقر دارها !.
ب) استبقاء اللغات الأجنبية المختلفة للتدريس في مختلف الفروع العلمية في معظم الجامعات العربية، وقد نتج عن ذلك :
ج) بقاء خريجي تلك الجامعات العربية مرتبطين ببلدان الشرق والغرب في تبعية يخجل منها الاستقلال السياسي الذي حققه الوطنيون الأحرار في تلك الديار... حيث نجد هؤلاء الباحثين والعلماء العرب يثرون بمؤلفاتهم وأبحاثهم العلمية، حضارات تلك اللغات الأجنبية التي زاولوا بها تخصصاتهم العلمية في الجامعات العربية والأجنبية (...) بمعزل عن المساهمة في عملية الإبداع العلمي العربي الأصيل، على غرار ما تفعله كل الأمم الصغيرة أو الكبيرة في العالم، كالصين واليابان وتركيا وإيران وبلغاريا واليونان وبولونيا والمجر ورومانيا وفنلندا وفرنسا وإسبانيا وأمريكا وبريطانيا والبرتغال وهولندا وألمانيا دون أن نجد في بقية الجامعات العربية إلى حد الساعة، باستثناء الجامعات السورية كما هو معلوم التي تحذو حذو جامعات الدول المذكورة، وكأن الشقيقة سوريا هي وحدها الدولة العربية التي يقع عليها عبء توفير هذا الشرط الضروري لتحقيق النهضة الحضارية العربية في أدنى صورها المأمولة، مقارنة بالقيمة الحضارية للغة العربية، والأمة المحسوبة عليها نظرياً، كما سبقت الإشارة !.
وكان من النتائج المنطقية لذلك في نظر الأجانب هو :
د) إظهار اللغة العربية في موقف العاجز عن مسايرة التطور العلمي والحضاري، مما يشجع الأقطار العربية الأخرى ويضطرها إلى تبني لغة علمية (جاهزة لديها من موروثات الاحتلال السابق) لبناء التقدم الموهوم ... وطالما أن العرب لا يعتمدون لغة علم واحدة (على غرار النموذج السوري) في جامعاتهم، حيث ما يزالون يدرسون العلوم في كل بلد بلغة المستعمر الإنجليزي أو الإيطالي أو الإسباني أو الفرنسي، فتكون النتيجة الحتمية ألاّ تتحقق حضارة عربية وإعلام وصحافة موحدة على الإطلاق، لأن هذه المظاهر الحضارية لكي تكون عربيةً يجب أن تكون على مستوى كل الأقطار العربية، ولكي تكون ذات هذا الطابع العربي العام يجب أن تكون بلغة واحدة وموحدة الاستعمال على مستوى الرقعة الجغرافية، للمحسوبين على العربية والحاملين لأسمائها، ولا يمكن أن تكون كذلك إلا باللغة العربية التي تجمع كل العرب وتمثل أحد الأركان الأساسية لوحدتهم المعهودة والمنشودة ... .
هـ) عزوف الطلبة العرب عن اللغة العربية إلى لغة الحياة والمناصب، حيث أصبح المستقبل المضمون للشباب العربي يراه في الهندسة والطب والإلكترون، أكثر مما هو في الآداب والعلوم الاجتماعية، وما سيتبع ذلك من تعلم لغة الإدارة والإعلام والصحافة... وهي مفارقة محزنة ومخزية في التاريخ العربي المعاصر، حيث يتواصل الشباب العربي فيما بينهم "بالأنترنيت" باللغات الأجنبية، تماماً مثلما يتواصلون مع الشباب الفرنسي أو الإنجليزي في أي بلد في العالم !.
و) غرس عقدة النقص في نفوس الناشئة العربية بتكوين صورة سيئة في أذهانهم عن اللغة العربية، بوصفها لغة عاطفة وليست لغة عقل وتحليل، ولغة شعر وقصص وخيال وأقوال، وليست لغة طب وعلم وهندسة وأعمال وإعلام وصحافة عالمية ... وهذه الذهنية السائدة لدى بعض الناشئة العربية هي معذورة فيها للأسباب المذكورة نتيجة لهذا الوضع الشاذ والأعرج الذي توجد عليه اللغة العربية في أقطارهم كما هو مبين، وهو ما يمثل عائقاً بعيد الأثر في سبيل الاستعمال المنشود للغة القومية في أدنى درجاته المقبولة، حيث يشتت القوى الناشئة من أبناء الأمة بين العقل والعاطفة، وبين الروح القومية والمصلحة الشخصية، فيتذبذبون بين الاستجابة إلى نداء الضمير والواجب الوطني والقومي بإتقان اللغة العربية، وبين إلحاح الغريزة "البطنية" بإتقان اللغات الأجنبية المرهون مستقبلهم الوظيفي بإجادتها على حساب اللغة القومية !.
وعن هذه المفارقة العجيبة الواقعة بين عبقرية اللغة العربية وعظمتها من جهة، والانفصام الشنيع الواقع بينها وبين بعض أبناء هذه الأمة الذين يحملون اسمها وأسماءها ويحسبون عليها بين الأمم في هذا العالم ... يقول الدكتور محمد غوري (عضو اتحاد الأطباء العرب) في مقال له بعنوان "تعريب الطب واقع اللغات وطموحات" :... لا يرتاب أحد من الباحثين اللغويين، قدامى ومحدثين، شرقيين وغربيين، في أن العربية من أقدم اللغات وأقواها أصالة وأوسعها تعريفاً ... فهي مرنة مطواعة تلبي أدق مطالب العلوم، وخاصةً منها العلوم الطبية بألوان اشتقاقاتها، وأنواع صيغها، أسماءً وأفعالاً وصفات، وباستعدادها الأصيل للاقتباس والتعريب لكل لفظ دخيل من ألفاظ الحضارة والفنون والعلوم ... .
إن اتحادنا قد حمل فكرة تعريب الطب منذ إنشائه سنة 1982م، فمؤتمراتنا الطبية التي تقام في وسط أوروبا ترفع شعار "العربية لغتنا"، جمعيتنا الطبية هي الأولى من نوعها بمقالاتها العلمية والطبية والتخصصية ناطقة بالعربية، ورفع الاتحاد مذكرات عديدة إلى وزراء الصحة العرب، وإلى نقابات الدول العربية، وكذلك إلى منظمي المؤتمرات الطبية في الأقطار العربية، مذكراً إياهم بأن الطب في العالم كله يدرس بلغة بلده الأصلية، فاليونان والألبان والبولونيون وحتى أرمينيا وفي دولة طاجكستان ... كل يدرس بلغته القومية. فلم إذن ندرس العلوم الطبية في بلادنا باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، وطالب الاتحاد كافة المنظمات المعنية بوضع حد لهذا الانهزام الحضاري([14]).
وخلاصة القول أن اللغة العربية لو كانت عاجزةً في ذاتها عن مسايرة التطور العلمي المنشود لهان الأمر، ولوجدنا عذراً للمستعجلين والمشككين في قدرة هذه اللغة على مسايرة التقدم في جميع مجالاته...ولكن الذي يبعث على الاستغراب والرثاء في آن واحد، هو أن معظم الأقطار العربية لا تقرّ - صراحةً ورسمياً - بعجز اللغة العربية، بل تدبج بها كل دساتيرها كلغة وطنية ورسمية...إلا أن الحماسة الشعبية و"الدفاع" الرسمي عن لغة الضاد بالكلام شيء والردّ بالفعل الخلاّق والجاد المتمثل في العمل على تدريس العلوم بها في الجامعات العربية شيء آخر! يحول دونه الكسل المثبط للعزائم والهمم وأشياء أخرى من الذي ذكرناه وما لم نذكره مما يقضي على وجود الحضارات والأمم !!.
ثالثاً : تحديد نوعية المشاكل والمعوقات التي تعترض الاستعمال الأمثل للغة العربية.
ولما كانت اللغة العربية على هذا المستوى الذي ذكرناه من علاقتها الوثيقة بالحضارة العربية الإسلامية ذات الطابع المتميز، فإنه من غير الطبيعي ألاّ تصادفها المشاكل وتعترض طريقها العوائق والمعوقات وتحوم حولها التشكيكات في قدرتها على القيام بدورها الحضاري الذي يجب أن تستمر في القيام به لتبقى حية ولا تتجاوزها الأحداث لتحيلها إلى متحف اللغات ... كما يرغبون ويعملون كل ما في وسعهم لتحقيق ذلك (...).
وإذا كان الكمال المطلق لأي شيء في هذا الوجود يعتبر مثلاً أعلى يتاق إليه ولا يبلغ ... فإن لغة لا يمكن للناطقين بها أن يدعوا كمالها أو على الأقل خلوها من العيوب، وإنما لكل لغة مميزاتها، إلى جانب عيوبها ونقاط الضعف فيها ومشاكلها، مع الناطقين بها، ومع المناهضين لها من أبنائها (المستلبين بحضارة غيرهم) ومن الناطقين بغيرها.
وسعياً منا وراء الكمال (النسبي) الذي ننشده للغة العربية، سنتعرض لبعض مواطن الضعف الموجودة فيها، والاتهامات المغرضة الموجهة إليها حتى نكون على بينة من جوانب ضعفها إن وجدت، وجوانب التقصير فينا نحن الذين قد نظلم هذه اللغة بجهلنا لها أو بما رآه أعداؤها في الأحكام التي يطلقونها عليها لأهداف استراتيجية خفية لا تظهر منها إلا المسحة الخارجية الموشاة "بالموضوعية" المزيفة التي تسلب أفكار بعضنا، وتجعلهم يرون وجوههم في مرايا مشوهة بإتقان، فيعتقدون أنها حقاً كذلك، وهي في الحقيقة مجرد خدعة انطلت عليهم ببراعة ماكر، وكيد غادر ...
وإذا كنا قد حددنا أهم خصائص هذه اللغة ومميزاتها قبل حين، فإننا نتناول في هذا القسم تحديد بعض جوانب النقص أو الضعف فيها، وشرح أسبابه، ثم طرح الاتهامات الموجهة لها مع الرد عليها بما تتطلبه من مناقشة ومقارعة بالحجة ...
أ‌) كثرة المفردات :
يؤخذ على اللغة العربية كثرة مفرداتها الزائدة على اللزوم في بعض المجالات دون الأخرى، وعيوب هذه الكثرة تتمثل في المترادفات (الملاحظة) الموجودة للشيء الواحد، مما يجهد القارئ والمتعلم في الإحاطة بكل تلك المترادفات، كأن نجد مثلاً عشرات الأسماء للأسد، ومثلها للسيف والعسل والجمل.
ومن ذلك قول المستشرق الكبير (إنست رينان): (إن الثراء الخارق للمألوف في المفردات العربية يجر على هذه اللغة من المتاعب أكثر مما يوفر لها من الفوائد، فهو ينتهي إلى متاهات تجني كثيراً على الوضوح، وإن الإنسان ليشعر بما يشبه الدوار عندما يرى كل تلك المعاني المختلفة والمتضادة تقريباً تزدحم في المعاجم العربية حول كل لفظة"([15]).
والحقيقة أن هذا التضخم الحاصل في المفردات العربية شيء لا ننكره، وهو يعتبر من مميزات هذه اللغة، إلا أن استغلال وجود هذه الظاهرة من بعض المتحاملين للهجوم على اللغة العربية واتهامها بالقصور والضعف أو الاستشراف على الموت، باعتبار أن ظاهرة التورم اللغوي هذه هي من صفات اللغات الميتة... يجعلنا نقف عندها لشرح أسباب وجودها وتحديد ما هو فيها، وما هو زائد، يتطلب تبيان وجوه المغالطة فيه، وهو ما يهمنا بالدرجة الأولى هنا.
وعن شرح أسباب كثرة المفردات في اللغة العربية، يقول أحد أكبر اللغويين العرب، وهو جلال الدين السيوطي، إن لوقوع الألفاظ المترادفة سببين، أحدهما أن يكون من واضعين (وهو الأكثر) بأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد، من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان ويختفي الواضعان، أو يلتبس وضع أحدهما بالآخر، وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية ... والثاني أن يكون من واضع واحد (على الأقل) وله فوائد منها أن تكثر الطرق إلى الإخبار عمّا في النفس، ومنها التوسع في سلوك طرق الفصاحة وأساليب البلاغة في الشعر والنثر([16]).
ويؤكد هذا الشرح العربي القديم أحد المستشرقين المتأخرين، وهو (إسرائيل ولفنسون) بقوله: "إن اللغة العربية الباقية هي مزيد من لهجات مختلفة بعضها من شمال الجزيرة، وهو الأغلب، وبعضها من جنوب البلاد، واختلطت كلها بعضها ببعض، حتى صارت لغة واحدة، وكانت اللهجات القديمة مختلفة في كثير من مادتها اللغوية، ولاسيما في كيفية نطق الكلمات المشتركة. فلما اجتمعت هذه اللهجات وامتزجت وصارت لغةً متباينةً، مثل كلمة (نجم) فإننا نقول في جمعها: (أنجم ونجوم وأنجام)، وكلها بمعنى واحد، ومثل كلمة (أسد) نقول في جمعها: (أسودٌ وأُسْدٌ وآسادٌ)، وهذه الأمثلة تدل على أنها كانت صيغاً مختلفةً لكلمة واحدة تستعمل في قبيلة صيغة واحدة منها، فلما جمعت المفردات والصيغ العربية في معاجم الكتب بعد الإسلام، اجتهد اللغويون والأدباء في تخصيص كل صيغة بمعنى خاص([17]).
ونخرج من هنا بحقيقة هامة، وهي أن كثرة المفردات في اللغة العربية هي عيب من ناحية تسليمنا بأن بعض المترادفات لا تحمل أكثر من معنى بذاته ...) ولكن ما يغيب عن الكثيرين هو أن المئات من المفردات المترادفة التي يظن غير المتمكنين من هذه اللغة، بأنها مترادفات لا معنى لها، هي في الحقيقة تحمل دلالات في غاية الدقة يندر وجود مثيل لها في اللغات الحية الأخرى، ومن هذا الجانب تعتبر تلك الكثرة من مفاخر العربية ومن محاسنها، وليست من المساوئ والعيوب بأية حال من الأحوال، وهنا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
ومن أمثلة ذلك أننا نجد مجموعة من الألفاظ تدل كلها في ظاهرها على معنى واحد، وهي متقاربة حتى في النطق، وعدد الحروف مثل (لَدَم) و(لَطَم) و(لَكَم)، ولكن عند تحري الدقة نجد جميع المترادفات مختلفة الدلالة في نوعية الضرب، فَلَدَم : تعني الضرب بشيء ثقيل يُسمع صوته، ولَطَمَ : تعني الضرب على الخد، ولَكَمَ : تعني الضرب باليد مجموعة الأصابع، ولَحَمَ تعني (الضرب المعنوي)، أي الإضرار بالفرد ونيله بمكروه.
ومفردات أخرى تدل على الحال، ونعتقد أنها مترادفات ذات مدلول واحد، في حين أنها مختلفة في غاية الدقة، ومثال ذلك : الكَمَدُ - البَثُّ - الكَرْبُ - الأَسَى - الوُجُوم - الأسف- الكآبة، كل هذه الألفاظ تعطي انطباعاً عاماً للسامع أنها تعني معنى واحداً، في حين أن الكَمَد : حزن لا يطاق، والبثُّ : يعني الحزن الشديد، والكرب : يعني الغم الذي يأخذ بالنفس، والأسى : يعني الحزن على الشيء الفائت، والوجوم : هو الحزن الذي يسكت صاحبه، والأسف: هو الحزن مع الغضب، والكآبة : هي سوء الحال والانكسار مع الحزن([18]).
فكل مجموعة من هذه الألفاظ يعتبرها الكثير مترادفات، في حين أن لها دلالات دقيقة تجعلها تختلف عن بعضها البعض، بحيث لا يمكن لأية لفظة أن تعوض الأخرى دون أن يتغير المعنى([19]).
أما ما يعيبه البعض على اللغة العربية من أن للسيف فيها، أو للأسد أو للعسل أسماء لا تُحصى عدداً ... فإنه رغم تسليمنا بهذه الحقيقة، إلا أنه يجب التنبيه إلى أن معظم تلك الأسماء هي صفات للأسد أو للسيف استخدمت مقام الأسماء كـ : الصارم، الرواء، والخليل، وذو الكريهة، والحسام، والهنداوي، والمهند، والصقيل، والأبيض للسيف... والحارث، وحمزة، والقشعم، والضيغم، للأسد... والضرب، والذوب، والشهد، والنسيل، والسلوان، والمزج للعسل ...([20]).
وهكذا نلاحظ أن اتهام اللغة العربية بالتضخم في المفردات والمترادفات التي يُقال بأنها لا معنى لها، هو في الحقيقة، وفي كثير من الأحيان، أمر "مُضَخَّمٌ" قصداً لا يعبر عن حقيقة موضوعية أكثر مما يدل على جهلنا بدقائق هذه اللغة ذات الدلالات المتناهية في الدقة، كما حاولنا أن نبين بالأمثلة السابقة.
ب) الفقر في المصطلحات العلمية :
إن المشكلة الثانية التي تواجه اللغة العربية في الوقت الحاضر هي فقرها (المُلاحظ) في المصطلحات العلمية المعبرة عن مختلف مجالات الحضارة العصرية ومخترعاتها الصناعية التي تخرج إلى عالمنا في كل حين بالعشرات والمئات ... ومن ثمّ يقفز بعضهم إلى اتهام العربية بالعجز في هذا الخصوص مع المطالبة باستعاضة عنها باللغات العصرية التي اخترعت بها هذه المبتكرات الجديدة ... والحقيقة أن عدم تناسب المفردات العربية الأدبية مع مفرداتها العلمية والتكنولوجية... ولا يمكن أن يرجعه أي عاقل إلى عجز اللغة العربية أكثر مما يجب أن يرجع إلى عجز أهلها، وهي في ذلك براءٌ !.
إن اللغة في مثل هذه الحال ليست إلا أداةً عاكسةً متأثرةً بما لدى الناطقين بها من مستوى حضاري وتقدم صناعي وتقني...ويكفي دليلاً على ذلك أن اللغة العربية لم تعجز عن التعبير عن الجوانب العلمية المختلفة للحضارة التي شيدها العرب في عهد نهضتهم السالفة الذكر، وقد وجد العرب في لغتهم عندما كانوا رواداً حقاً في الاكتشاف والاختراع وإعمال العقل في الأرض والسماء، وجدوا طواعية فائقة في التعبير عن أي شيء اخترعوه أو اكتشفوه في عالم الإنسان والكون، ولا شك أن أية لغة تغنى بغناء أصحابها وتتقدم بتقدمهم وتتطور بتطورهم، ويؤكد هذه الحقيقة العلمية والمنطقية أحد كبار علماء اللغة وهو (جورج فاندريس) بقوله : (إننا لا نعلم إطلاقاً لغة قصرت عن خدمة إنسان عنده فكرة يريد التعبير عنها، فلا ننصت إلى أولئك المؤلفين العاجزين الذين يحملون لغاتهم مسؤولية النقص الذي في مؤلفاتهم لأنهم هم المسؤولون، على وجه العموم عن هذا النقص)([21]).
وعندما نسلم بقلة المصطلحات المعبرة عن المخترعات العصرية في اللغة العربية للأسباب المذكورة آنفاً، فذلك لا يعني تأكيد الدعوة المغرضة من هؤلاء المتربصين بوحدتنا وجوهر حضارتنا ... إلى التخلي عن هذه اللغة إلى لغاتهم التي يحلو لهم أن يصفوها بالعلمية والعصرية والحضارية، في الوقت الذي يشهدون هم أنفسهم في بعض كتابات علمائهم بأنهم عاشوا قروناً من الزمن عالة على فتات مائدة اللغة العربية في دمشق وبغداد وقرطبة وبجاية والقيروان وفاس والقاهرة... .
وما نريده هنا فقط هو التنبيه إلى هذه المغالطة وتحديد مسؤولية العجز في الناطقين باللغة وليس في اللغة ذاتها بأية صورة من الصور، كما أنه لا يمكن أن يقال إن العربية هي التي تحمل بذور العجز وعدم مسايرة العصر كما يدّعون، وحجتنا الملموسة والدامغة على ذلك أن هذه اللغة عبّرت (كما يشهد بذلك الخصوم أنفسهم) عن أرقى الأمور الحضارية في عصرها الزاهر قبل الآن، وحتى في الوقت الحاضر نجد أنه قد مرّ على إنشاء الكليات العلمية في الجامعات العربية بسوريا الشقيقة أكثر من ستين سنة وهي ما تزال ثابتة تبعث على الفخر والاعتزاز لدى كل عربي ومسلم، بتدريس جميع الفروع العلمية والاختصاصات الدقيقة باللغة العربية وحدها، وتبرهن علمياً وعملياً لكل ذي بصر وبصيرة على أن اللغة العربية هي على الأقل مثل سائر اللغات، لا تعجزعن مجاراة ومضاهاة اللغات العالمية الأخرى في تطورها للتعبير عن جميع المستجدات العلمية في الطب والهندسة وما إلى ذلك ... إذا تعهدها الناطقون بها وأخلصوا لها، ويكفي هذا المثال العربي الحي دليلاً على أنه لا يعقل أبداً أن تحمل اللغة العربية مسؤولية الضعف الحاصل لها في مجال المصطلحات العلمية، أو أن تحمل مسؤولية تأخر العرب في المجال العلمي والتقني والحضاري بصفة عامة ... وذلك لسبب بسيط وهو أن العرب سبق لهم أن تقدموا حضارياً، وبهذه اللغة وحدها (كما أسلفنا)، وهي موجودة وحاضرة دائماً كلغة دين ودنيا ساهمت في استيعاب ذلك التقدم ونقلته وحافظت عليه، ولما تأخروا وتجمدوا و"تحنطوا" بعد ذلك، لا تملك هذه اللغة أو أية لغة أخرى (باعتبار أن اللغة منتوج اجتماعي، تابع ومتأثر، أكثر مما هو متبوع ومؤثر) إلا أن تقف، كالظل حيث وقف العرب، بدليل أنها إن وقفت (كما هو مُلاحظ مع كثير من التجاوز) في مجال العلم والاختراع، فهي لم تقف في مجال الشعر والأدب عموماً، لأن العرب وقفوا و"تحنطوا" أو "حُنّطواً في المجال الأول، وواصلوا العطاء النسبي في المجال الثاني، ولعل هذا ما يستوجب أن تكون الخطورة الأولى نحو الازدهارالحضاري والعلمي للغة العربية في مجال الاكتشاف والاختراع والابتكار ... هي التي يبدأها العرب أنفسهم كما فعل أسلافهم في السابق، وكما فعل أعداؤهم الحضاريون بعد ذلك من الناطقين باللغات المسماة علمية وحية في الوقت الحاضر، لأن أصحابها تقدموا فقدموا لغاتهم، ومكّنوا لها سُبُل الانتشار والسيادة في العالم (عن طريق الغزو والاحتلال في غالب الأحيان)، والعرب ما يزالون غارقين (إلا من رحم ربك من العلماء والطلائع المبعدة غالباً عن مراكز اتخاذ القرار لإصلاح المسار...) في الجدل العقيم عن أولوية الوجود بين البيضة والدجاجة، أي بين اللغة والتقدم التكنولوجي أو العصرنة كما يحلو لهم أن يسموها، وأعتقد هنا أن العلاقة بين اللغة والتقدم هي علاقة وظيفية تكاملية، على أن تكون الخطوة الأولى والمبادرة الأساسية للإنسان دائماً قبل اللسان، وللحدث قبل الحديث، وللفعل قبل المفعول، وللزواج قبل الوليد، وللوليد قبل التسمية !!.
فكيف يستقيم الظل والعود أعوج ؟! كيف ننتظر أن تزدهر اللغة العربية وتكثر مفرداتها في المجال العلمي مثلما هي مزدهرة في المجال الأدبي، ونحن نستهلك ولا ننتج، نقلد ولا نبدع، نتأثر ولا نؤثر، نشتري بالمال ولا نقايض بالأعمال. الحضارات في الدول المتقدمة تلد ونحن نتسابق مع الزمن لنجد الأسماء للمواليد، ويا ليتنا تمكنا من القيام بهذه المهمة على الوجه الأكمل، وهو كفيل بإثراء اللغة العربية وتمكينها من الدفاع عن نفسها ضد التهم الباطلة الموجهة إليها، غير أن ما نلاحظه هو التقصير حتى في إعطاء الأسماء للمسميات ناهيك عن اختراع الأشياء وصنع الآلات !.
ثم إن تمكنت المجامع العربية من إيجاد الأسماء، فهي في واد وواقع الممارسة العربية في التعليم والصحافة والسياسة والدبلوماسية...لتلك الأسماء المعربة في واد آخر !.
فمن أخطر التحديات (المجانية) التي تواجه اللغة العربية (كما ذكرنا) هو عدم تبنيها كلغة أساسية ووحيدة في جميع مراحل التعليم وجميع فروعه العلمية والأدبية، وليس من المبالغة أن نقول بأنه لم تُظلم لغة في التاريخ من طرف المحسوبين على النطق بها كما ظُلمت اللغة العربية في العصر الحاضر!؟.
أليست جريمة نكراء يرتكبها هؤلاء القادرون (المتخاذلون) في حق اللغة العربية، اللغة السادسة الرسمية في الهيئات الدولية ولغة ثلاثمائة مليون عربي (في الجغرافيا على الأقل)، وأكثر من أربعة أضعاف هذا العدد من المسلمين المتعاطفين مع هذه اللغة في كل أرجاء المعمورة...عندما نعلم أن أصغر دولة تحترم شخصيتها وعَلَمَها الوطني على وجه الأرض(...) تدرّس جميع العلوم في جامعاتها باللغة الوطنية الخاصة بها والمُثبتة في دستورها ! في الوقت الذي نجد بعض من وضعته الأقدار على رأس الأقطار المحسوبة على النطق باللغة العربية في جامعة دولها، يصرّون على تدريس المواد العلمية في جامعات أقطارهم باللغات الأجنبية التي يصفونها "بالحية" دون أي خجل أو عمل على الاقتداء بالجامعات العربية الرائدة في هذا المجال ودعمها أو تشجيعها على الأقل بالأموال أو حتى الأقوال !.
إن أغلب الحكومات العربية (في أحسن الأحوال) تنتظر من المجامع والهيئات العلمية القيام بمهمة تطوير اللغة العربية، ولا يظهر أنها تشعر بضرورة القيام بشيء آخر، والواقع أن عمل العلماء، لا يمكن أن يأتي بنتائج حاسمة في هذا المجال، كما في المجالات الأخرى إلا إذا قامت السلطة السياسية في كل بلد برسم الطريق أو على الأقل بإزالة بعض المتناقضات الصارخة التي ظلت تواكب السياسة اللغوية في معظم الأقطار العربية منذ عشرات السنين...!.
فحرمان مفردات اللغة العربية (المعتمدة في المجامع اللغوية العربية) من الاستعمال في ميدانها الاجتماعي والسياسي والإعلامي والعلمي...هو قضاء عليها وقضاء على جهود المجامع ذاتها !
وقد حان الوقت لتصحيح هذا الخطأ الاستراتيجي القاتل في سياستنا اللغوية، ونبذ الفكرة القائلة بتأجيل استعمال اللغة العربية في تدريس العلوم واجترارعبارة : (حتى تتأهل لذلك...)! وهذا معناه أن اللغة العربية التي أصابها القصور المُلاحظ (بشهادتهم أنفسهم) ببعدها عن مواكبة العلم سوف يستقيم أمرها إذا بقيت بعيدةً عنه لعشرات من السنين أو القرون الأخرى !.
وهنا أسمح لنفسي أن أستعير مأثورة الإمام الكبيرمحمد عبده القائلة بأن : (بعض المسلمين أصبحوا حجة على الإسلام) للقول بأن بعض العرب أصبحوا حجةً على العربية، وهذا ما يجعلنا نُلحّ في النداء هنا بضرورة الإسراع بتطبيق قرارات المجامع اللغوية وخاصة مجمع القاهرة في الدورة الـ 44 الخاصة بتعريب جميع الفروع العربية بالجامعات العربية، ولا نعتقد أن تحقيق ذلك يكلف الدول العربية في هذا الموضوع المصيري (كما بيّنا) غير استجلاب الكتب والمناهج العلمية المؤلفة والمترجمة في سوريا وروسيا حول مختلف التخصصات العلمية (كما ذكرنا) من الكهرباء إلى الذرّة، ومن البيطرة إلى جراحة الأعصاب بأشعة الليزر ؟!.
ج) منافسة للفصحى :
وإلى جانب منافسة اللغة العربية باللغات الأجنبية على الصعيد الجامعي، والبحث العلمي والحضاري، توجد منافسة أخرى للغة العربية على الصعيد العملي والأدبي والإعلامي من قبل اللهجات العامية، وهذه المشكلة لا تقل خطورةً على اللغة العربية الفصحى، في تحطيمها من الداخل، إذا لم يحرص العرب على إيقاف اللهجات العامية عند الحد الذي يجب ألا تتعداه، حتى لا يتجاوز الشيء حده فينقلب إلى ضده (...).
فوجود اللهجات العامية في اللغات العالمية ليس مضراً في ذاته كما نرى، وهو عفوي، ويعبر عن جانب من جوانب الكائن الناطق، إلا أن الواجب يحتم علينا أن نضع كل شيء في مكانه، ولا نحمله أكثرمما يستطيع، فنحل العامية محل الفصحى، والفصحى قوامها القواعد والصواب، والتركيب النطقي في جملها. فهي وجدت لضرورة التفكير، والعامية وجدت لضرورة التعبير السريع اليومي التلقائي العاطفي. ومن هنا كان لكل شق من التعبير الفصيح أو العامي دور ووظيفة يؤديها خير أداء، ولكن الداء في محاولة إحلال العامية محل الفصحى، وليس العكس. فهل يمكن أن نلغي الفاعل من النحو ؟ فالقضية ليست إجماعاً بين العلماء فحسب، وإنما هي قوام في العقل، فرض نفسه بقوة، وهو الذي فرض وجود مقاييس اللغة، المتمثلة في القواعد النحوية، كما يقول ابن خلدون : (...).
فالثنائية التي نلاحظها في حياتنا الاجتماعية بين الفصحى والعامية هي ذلك الفارق في النحو الذي يجعل العامية عامية والفصحى فصحى، وهي مسألة طبيعية، لكن لها حدود يجب أن لا تتعداها. فالعامية لها دور ووظيفة تؤديها إلى جانب الفصحى، ولا ضير من بقائها ملتزمة بوظيفتها، والفصحى لها دور ضروري في الحياة الاجتماعية الراقية يجب أن تؤديه ولا تؤديه إلا إذا بقيت فصحى، ولا تبقى فصحى بدون نحو وقواعد. والتيسير يكون من الفصحى لخدمة الفصحى، وليس القضاء عليها وجعلها عامية أو استبدال العامية بها، فهذا هو الخطأ والخطر الذي يهدد الفصحى في وقتنا الحاضر، وليس الخطر كامناً في ارتكاب الخطأ أكثر مما هو كامن في التمادي فيه، والدفاع عنه باختلاق أسباب مختلفة، أسخفها عدم فهم القراءة للكتابة الفصيحة والكلام الفصيح في القصة أو الرواية أو المسرحية أو الجريدة أو المحاضرة، حتى أصبحنا نشاهد (بكل أسف) أساتذة جامعيين يحاضرون في كليات الآداب بالعامية، فضلاً عن كليات العلوم، والأخطر من ذلك أن تناقش الرسائل العلمية في بعض الجامعات العربية بالعامية، أي بلغة غير مقعدة في الوقت الذي لا تقبل التعابير المكتوبة من الطالب في الامتحان بالعامية لماذا ؟ لأن الأستاذ إذا سهل عليه فهم حديث الطالب بالعامية في المناقشة فيصعب عليه فهم الكتابة بالعامية، خاصة إذا كان الطالب يكتب بلهجة غير اللهجة المحلية (التي تكتب بها حالياً بعض الخطب الرسمية في الجرائد العربية، كما تلقى من أفواه أصحابها !) فهذا هو الخطأ والتجاوز المرفوض الذي يجب أن يقاوم، لأن أبعاده وعواقبه ستكون وخيمة على اللغة العربية التي ندعي الاعتزاز بها ولا نعمل على المحافظة عليها، حتى في حالتها الراهنة، فضلاً عن العمل على تطوير استعمالها إلى الأحسن في المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام بصفة خاصة !!
وإذا نظرنا إلى العامية في الوقت الحاضر نجدها تمثل خطراً كبيراً على اللغة الفصحى كمقوم فكري واجتماعي للمجتمع العربي والأمة الإسلامية قاطبة. فهي من جهة لا تصلح نقطة التفاف لأبناء العالم العربي، بسبب اختلافها بين المناطق اختلافاً قد يصل إلى صعوبة التفاهم بين أفراده (من غير المتعلمين) كلهجات بلاد المغرب العربي، ولهجات الخليج العربي أو الشام مثلاً.
ومن هذا المنطلق إذا أردنا أن نعالج الوضع للتخفيف من أخطاره المذكورة يتعين علينا أن نعمل على تحقيق أقرب لقاء ممكن بين العامية والفصحى، على أن يكون هذا على حساب العامية (الفرع) وليس على حساب الفصحى (الأصل) والعمود الفقري للحضارة العربية الإسلامية والوحدة القومية أيضاً ذلك لأن العامية هي التي تختلف من قطر إلى قطر، وليس الفصحى التي أثبتت حتى الآن بأنها هي نقطة التفاف الأفراد، في هذه الأقطار المعبر عن مجموعها، بالعالم العربي، والأمة العربية !.
على أننا إذا أردنا أن ننهج نهجاً عملياً في تقريب الهوة بين العامية والفصحى وتعميم الفصحى كلغة الحديث بين الطبقات المثقفة (على الأقل) لا نقبل من المتحدث بالفصحى أن يستعمل في حديثه من الألفاظ والتعبيرات ما نجده محشواً في بطون كتب الأدب العربي القديمة ودواوين الشعر الجاهلي ... مما كان ينتقيه الأديب لإظهار وجوه الإبداع اللفظي والبياني، وليبرز المعنى الذي يريده بشكل هو في الواقع إخراج فني، وإنما يجب على المثقف الحالي الذي يعيش في عصر السرعة والتطور هو أن يفرق في تعابيره بين لغة الأدب التي هي فن وإبداع، ولغة الحديث اليومي العادي، ذلك أنه إذا كانت لغة الأدب تحتاج إلى محسنات جمالية لتظهر في شكل فني مطلوب فإن اللغة الفصحى المطلوبة للكلام والتعبير العادي، يجب أن يكون عمادها الأول والأخير هو البساطة واليُسر، والجدير بالذكر أن المعمول به في سائر البلدان التي نجحت في التوحيد بين لغة الأدب المنمقة (وهي لغة الكتابة الفنية) ولغة الحديث المبسطة والتي هي في نفس الوقت لغة الكتابة العادية، هو التبسيط والتعريب، ونعتقد أن العرب لو ساروا على هذه الطريقة بجد وإخلاص ووعي، لوصلوا قبل مضي زمن طويل إلى تحقيق أسلوب عربي مبسط في الحديث يصلح أن يكون أسلوب كتابة وحديث في آن واحد دون أي تعثر (مثلما هو شأن لغة الصحافة المكتوبة والمنطوقة في معظم أقطار العالم العربي). وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن أبناء العالم العربي على استعداد لتقبل هذا الأسلوب إذا تعودوه لمدة كافية، وخير مثال لذلك هو اللغة الفصحى المستعملة يومياً في المدارس والجامعات مع المتعلمين، ولغة الأحاديث والنشرات الإخبارية والبرامج الإذاعية التي تتوخى البساطة إلى حد كبير، والتي بإمكانها أن تكون صلة وصل ناجحة بين لغة الجامعة والجامع، ولغة المعمل والشارع، وبذلك نسير في طريق التوحيد أو التقريب بين الفصحى والعامية، والقضاء على هذه الثنائية المستفحلة في غياب الوعي القومي لدى بعض المثقفين العرب والقائمين على شؤون التوجيه والتربية والتعليم والإعلام.
والخلاصة أن لا خوف على اللغة الفصحى من العامية ولا خوف من الفصحى على العامية، إذا لزمت كل واحدة منها حدودها ووظيفتها الميسرة لها. أما الخطر - كل الخطر- فهو أن تتقمص العامية شخصية الفصحى فتضيع العامية والفصحى كلاهما معاً، ولا نجد مثالاً أوضح مما قاله الجاحظ حول هذا المعنى (متى سمعت - حفظك اللّه - بنادرة من كلام العرب فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحُن في إعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت عن تلك الحكاية، وعليك فضل كبير وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوامّ وملحة من ملح الحشوة والفطام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب وأن تتخيل لها لفظاً حسناً أو تجعل لها من فيك مخرجاً سرياً فخماً شريفاً، فإن ذلك يُفسد الإمتاع بها ويُخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويُذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها)([22]).
وإذا كانت الفصحى تتميز بسموها الرفيع الذي جعلها تحتاج إلى لغة مساعدة على صعيد العمل، فإن الأستاذ كمال الحاج يلخص لنا ذلك بقوله: (نحن نقول بأن العامية فصيلة لسانية قائمة بذاتها، هي لنوع خاص من حياة الوجدان، لها نظامها الصوتي والتركيبي، لها مفرداتها واقتباساتها وقياساتها أيضاً، ونقول في الوقت ذاته بأن الفصحى فصيلة لسانية قائمة بذاتها، هي لنوع خاص من حياة الوجدان لها نظامها الصوتي والتركيبي. ومن الخطأ جداً أن نُرجع إحداها إلى الثانية. هما فصيلتان من لغة واحدة، مثلهما مثل ثنائية الجنس والعقل من الإنسان الواحد، هذه الثنائية تخلق نوعاً من التوازن في اللطيفة. هكذا العامية والفصحى)(23 (http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Langue_arabe/p6.php#_ftn1)).
وقد قال في ذلك أحد المجمعيين العرب : (من النقائص التي تُنسب للغة العربية ما يسمى بالازدواجية، وهي أن الشخص العربي يتكلم لغة ويكتب لغة أخرى ... هذا صحيح، ولكن في هذا الادعاء مبالغة ومغالطة، وذلك لأن الفرق بين العامية والفصحى ليس بهذه الدرجة حتى يسمى كل ما نتخاطب به وما نكتبه لغة، بل باستثناء الإعراب وبعض المفردات فهما لغة واحدة. وكل لغات الدنيا تتسم بهذه الفوارق، فهل العامية في فرنسا مثلاً ولغة الكتابة ليس بينهما بون لا يقل عما بين لهجاتنا من جهة وبين لغتنا الفصحى من جهة أخرى، بل أرى الفرق بين ما يتكلمه عمال ضاحية باريس، ولغة الشاعر(بول فاليري) يفوق بمراحل الفرق بين ما يتكلمه العامل الجزائري وما ينظمه من شعر الشاعر(مفدي زكريا)...على أن هناك لغة علمية راقية وهي الألمانية تحتوي على إعراب معقد يتسلط حتى على أداة التعريف...تُستعمل الفصحى للكتابة، وهي التي توحد بين مختلف أجزاء البلاد الجرمانية، وهي في هذا تماماً مثل العربية... ولم يمنع ذلك من أن اللغة الألمانية من أهم لغات العلم والأدب والفلسفة)([24]).
ويرى الأستاذ محمد الفاسي أن الحل لهذه المشكلة ممكن بالنسبة للغة العربية إذا سارت في طريق اللغة الألمانية، وتوفرت لها الوسائل التي وُفرت للغة الألمانية، لكي تكون لغة الكتابة، واللغة الرسمية المشتركة بين جميع الألمان في كل البلاد الأوروبية، وبصفة أخص النمسا وسويسرا، فيقول: (فالمسألة في هذه المشكلة هي مسألة تعليم فقط، فلو لم يكن التعليم عاماً بالبلاد الألمانية لكان لهم مشكل من هذا النوع، ولكن حيث إن كل فرد من مجموع الأقطار التي لغتها جرمانية يحسن الألمانية الفصحى، فإنه يقرأ كل ما يكتب أو يُلقى في الإذاعة والتلفزة ولا يحس بنقص، ولا ينسب للغتهم عجز عندما يبرز هذا الفرق بسبب الأمية المتفشية في بلادنا، فالذي لا يُحسن العربية الفصحى لا يمكنه أن يفهم ما يقرأ إن هو استطاع القراءة ولا ما يسمع، وعندما يعمّ التعليم تسقط هذه المشكلة من نفسها ... إلى أن يقول: وهذا يجرنا إلى الكلام عن لغة المسرح. إن من أكبر العوامل الضارة باللغة العربية وبمستقبلها، وحتى بمستقبل الوحدة العربية، استعمال اللهجات المحلية في السنيما والمسرح وفي الإذاعة والتلفزة، إذ لا يجمع بين البلاد العربية إلا لغة القرآن، والعدول عنها إلى اللهجات المحلية هو فصم لهذه الوحدة، وقد قال الدكتور طه حسين (رحمه اللّه): (الذين ينادون بإحلال العامية لسهولتها محل الفصحى لصعوبتها، هم أشبه بمن ينادون بتعميم الجهل لأنه سهل، وإلغاء العلم لأنه صعب المنال)([25]).
ورأينا في هذا الموضوع يتمثل في أن وجود الفصحى إلى جانب اللهجات المحلية أمر طبيعي وغير خطير في ذاته، ويمكن القضاء على جوانبه السلبية المذكورة بالوعي، والابتعاد عن الإقليميات والحساسيات الجهوية الضيقة والمدمرة، في عصر يعمل فيه الواعون على اصطناع كل عامل من شأنه أن يجمع بين الشعوب والدول في معسكرات واحدة وقوة واحدة، ونحن عندنا عوامل طبيعية قوية وفي مقدمتها هذه الهبة السماوية (اللغة العربية)، فليس أقل ما يجب علينا القيام به هو الحفاظ على ما هو موجود منها وذلك أضعف الإيمان، وإننا إذ نرفض رفضاً مطلقاً وقاطعاً إحلال اللهجات العامية محل الفصحى في الحاضر وفي المستقبل لكل الاعتبارات المذكورة... فإن إحلال الفصحى محل العامية في أقطارنا العربية، وإن كان صعباً فهو أمر مرغوب فيه، وممكن الحصول عليه بالإرادة القوية والنيات الحسنة وصدق العزائم على الارتفاع بالقوم إلى مستوى هذه اللغة وليس النزول بهذه اللغة إلى مستوياتهم الدونية (بكل ما تحمل هذه العبارة من معان) ومن سخريات القدر أن الكثير من الذين ينادون بتدريج الفصحى، بحجة عدم فهم العوام لها، هم أنفسهم الذين يتفصحون باللغات الأجنبية (الإنجليزية والفرنسية) على شعوبهم في أجهزة إعلامهم الرسمية والشعبية، وكأن هذه الشعوب العربية المسلمة تفهم الفرنسية والإنجليزية أكثر مما تفهم لغة القرآن التي يستمعون إليها يومياً، ويمارسونها في نسبة عالية منهم أثناء تأدية الصلاة !؟.
رابعاًً: واقع استعمال اللغة العربية وطرق ترقيتها في مجال الإعلام والصحافة والمحيط الاجتماعي والثقافي بصفة عامة:
إن اللغة هي فن جميل تعكس في ألفاظها وتراكيبها وتشبيهاتها ومعانيها خصائص الأمم ومقوماتها التي تظهر عادة في إبداعات كتابها، وفي تحليلات صحافييها، وفي برامج أجهزة الإعلام والثقافة فيها، وهي في الواقع كالموسيقى وباقي الفنون الجميلة، ملك لكافة أفراد الأمة، ووليدة عبقرية أجيالها، خلفاً عن سلف (كما سبقت الإشارة إلى ذلك في المقدمة).
فالأفراد عادةً لا يستسيغون ولا يستعملون من الألفاظ إلا ما يناسب أمزجتهم ويلائم روحهم، وخصوصاً إذا كانت هذه الألفاظ موضوعة لاستعمالها في حياتهم اليومية المألوفة، وفي تفاهم بعضهم مع بعض، لذلك تختلف المصطلحات الصناعية والتكنولوجية عن غيرها من المصطلحات الأخرى، لأن الأولى يستعملها -علمياً ولغوياً - إلى جانب الخاصة من المهندسين والمثقفين، جمهور من الصنّاع والعمال من عامة أفراد المجتمع، في حين يقتصر- إلى حد ما - استعمال الألفاظ العلمية البحتة على الخاصة من العلماء والباحثين، ومن هنا فإن أي استعمال للغة العربية على نطاق إعلامي وجماهيري واسع لا يُنظر فيه إلى ذوق من هو موجه إليهم ويراعي ميولهم وطبيعتهم سوف لا يجد للألفاظ الصعبة المستعملة في عملية توصيل المعاني إليهم أذناً صاغية ولا لساناً مستعملاً.
وعليه فإن الاستعمال الأحسن للغة العربية في مجال التعليم المتخصص في الجامعات والمعاهد العلمية والتقنية يختلف عنه في الآداب والفنون والصحافة وأجهزة الإعلام بصفة عامة، ذلك أن رجال العلم والبحث في الجامعات والمراكز المتخصصة، مقيدون دوماً بما في العلوم من تحديد وتدقيق وقوانين تجعل مجالهم اللغوي ضيقاً جداً، فيما يتعلق باستعمال المجاز والتشبيه وغيره من المحسنات اللفظية والبلاغية، بحكم أن المصطلحات موضوعة أصلاً لتحديد المسميات المادية تحديداً دقيقاً كدقة الأعمال الآلية، ودقة العلم والتكنولوجيا التي تضع كل الحدود لخيالات الأدباء والفنانين والصحافيين في جميع أجهزة الإعلام، الذين يتناولون أخلاق الناس وأذواقهم وطرق معيشتهم، فيصورون بالألفاظ والجُمل ما يُحسنون أو يتخيلون أن الناس يحسون به.
فالأديب والفنان والكاتب الصحافي والمخرج السنيمائي أو الإذاعي، وما إلى ذلك، يكون في هذه الحالة بمثابة المصور البارع الذي يُطلق لريشته العنان، كي تخط أو تصور ما ينعكس على مخيلته من أفكار وصور، فيطوع الألفاظ ويركبها ويمزجها مزجاً له معانٍ مبتكرة بطلاقة وحرية، تعكس إحساساته للأشياء المادية والمعنوية على حد سواء بما يقترب كثيراً من إحساسات القارئ أو المشاهد من أفراد المجتمع الموجه إليه ذلك الخطاب (...).
ومن هنا يجب على الأديب والكاتب الصحفي الذي يتعامل مع أكبر عدد ممكن من الناس العاديين في المجتمع أن تتسم لغته بالمرونة والفصاحة، لتتمكن من التعبير عن تلك المعنويات المختلفة، وليستعرض ما في اللغة العربية وتركيباتها من ذوق وجمال وموسيقى ودقة وتشويق، لجذب اهتمام القارئ أو السامع والتأثير فيه، ولذلك وجدنا أن استعمال اللغة العربية في الآداب والفنون والإعلام بصفة عامة يتطلب معرفة واسعة وجيّدة باللغة العربية ... .
ولذلك فإن المرحلة الحضارية الراهنة للعالم العربي التي تتميز بكثرة القنوات الفضائية التي تبثّ برامجها المختلفة باللغة العربية، وتوحد استعمال هذه اللغة بين الأفراد في كل الأقطار الناطقة بها بكيفية لم يسبق لها مثيل من قبل ... إن ذلك يقتضي من ولاة الأمور حفز همم رجال الأدب والفن والفكر والإبداع اللفظي عموماً وتشجيعهم على إنتاج الروائع والمأثورات المبسطة والجميلة باللغة العربية الفصحى، لسد حاجات القراء والمشاهدين العرب لتلك البرامج المختلفة المعروضة عليهم في كل حين، وبذلك فقط يمكن جعلهم يستغنون عمّا يبدعه الأجانب، ويبثونه بلغاتهم القومية في فضائياتهم القارية.
ولكن الواقع المؤسف في هذا المجال هو عكس المرغوب، كما يصفه لنا أحد أصحاب الاختصاص وهو الأستاذ فهمي هويدي بقوله : (ثورة الاتصال واتساع نطاق البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، جعلت الإرسال التليفزيوني يخترق الحدود والجدران، ويصل إلى غرف النوم في أي مكان بالعالم ... بحيث أصبح الأطفال الصغار قادرين على متابعة كل ما يجري في أنحاء الكرة الأرضية، بمجرد الضغط على الأزرار داخل البيوت، ولأن التليفزيون الأمريكي هو الأنجح والأكثر إبهاراً، فقد كان طبيعياً أن يغدو أقوى تأثيراً، في اللغة والعادات بوجه أخص. وإذا كانت دولة كفرنسا قد شكت مما أسمته "بالغزو الثقافي الإمبريالي" وهي جزء أصيل من الغرب، فلك أن تتصور صدى مثل ذلك الغزو في مجتمعاتنا بعد الذي أصابها من هشاشة وضعف في بنيتها الثقافية وانتمائها الحضاري)([26]) .
وإذا كانت متطلبات استعمال اللغة العربية في مجال العلوم والتكنولوجيا والآداب والعلوم الإنسانية عموماً تتمثل في وضع المصطلحات الجديدة للمخترعات وتزويد المجامع اللغوية بها لإقرارها، ووضع القواميس لها، فإن أجهزة الإعلام هي وحدها التي يقع عليها عبء نشر وممارسة وإخراج تلك المصطلحات من رفوف ومخازن المجامع اللغوية إلى الناس في الحياة العملية، وهو نهاية المطاف وحجر الزاوية في عملية استعمال اللغة العربية السليم والواسع، ويتميز الاستعمال اللغوي في مجال الإعلام بخاصية مزدوجة ينفرد بها هذا القطاع وحده تقريباً ما دون القطاعات الأخرى، وهو أن علاقته باللغة هي علاقة وظيفية متبادلة ذات تأثير وتأثر في الحين ذاته، أي أن أجهزة الإعلام تستعمل اللغة للقيام بمهمتها وتبليغ رسالتها، وكلما كان استعمال اللغة راقياً وسليماً ومشوّقاً، والمحتوى جيّداً كانت تلك المهمّة الإعلامية والرسالة التبليغية ناجحة، وبالقدر نفسه كذلك تستفيد اللغة المُبَلَّغُ بها في ترقيتها وتنقيتها ونشرها على أوسع نطاق ممكن بواسطة أجهزة الإعلام المتطورة التي توصلها في لمح البصر إلى أية بقعة على وجه الأرض وحتى في السماء !
وفي هذا الخصوص يقول الدكتور إبراهيم مذكور رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة : (ولا يفوتني أن أشير إلى أن النهوض باللغة ليس مقصوراً على المجامع وحدها، بل هو قبل كل شيء من صنع الكتّاب والأدباء والعلماء والباحثين ورجال الثقافة والإعلام)([27]).
وإذا لم يكن من المطلوب من رجال الإعلام والصحافة أن يصطنعوا الجديد من الألفاظ بالنقل أو التوليد أو التعريب أو النحت والتركيب... فلا أقل من أن يُطلب منهم التنسيق مع رجال المعاجم والمجامع اللغوية، لأخذ ما توصل إليه هؤلاء المتخصصون من إجماع حول اعتماد المفردات اللغوية الجديدة، والعمل على غرسها في ملكات العامة، بالأسلوب المناسب المذكور، لما يتوفر عليه رجال الإعلام والصحافة من وسائل وأجهزة فعالة وخطيرة في مجال الاتصال كما قلنا.
ولئن وجد المتكاسلون و"المستغربون" العرب الحجة لاستعمال المفردات والمصطلحات العلمية والتكنولوجية الأجنبية، بدعوى عدم تمكن مجامعنا اللغوية من ملاحقة ما تمطرنا به مخابرهم ومصانعهم في كل يوم من المخترعات... لإعطاء الأسماء العربية لتلك المسميات الأجنبية الجديدة ... فما هي حجتهم في عدم استعمال ما هو معتمد في المجامع العربية منذ عقود ؟! ولذلك فمهمة الإعلام العربي إذا هنا حيوية للغاية، إذ يتوقف عليه نشر وتعويد الأسماع والألسن والأذواق العربية على استعمال تلك الكلمات الفصيحة التي اجتهد في إيجادها مئات "الخالدين" في عشرات السنين ... فضلاً عن ضرورة التعاون مع رجال المجامع الحاليين في إمدادهم بالمفردات المستجدة التي تكون أكثر استساغة لدى العامة من الناس لاحتكاكهم بالحس العام (كما ذكرنا).
وهذا الحكم العام على بعض الإعلاميين العرب وما ينبغي أن يقوموا به في كل مجالات نشاطهم، لا يجعلنا ننكر جهود العديد من الصحافيين الممتازين الذين يساعدون يومياً على ترقية اللغة العربية وإثرائها، بإخراج المفردات الحضارية الجديدة من مخازن ورفوف المجامع إلى المقاهي والشوارع، فيما يكتبون للعامة من أخبار، ويسجلون من وقائع في مختلف مجالات الحياة العصرية... وكذلك بتوليد ما لم يكن موجوداً في المجامع من هذه المفردات، وصياغتها في أسلوب سهل يسترضي الذوق العام ويمهد لاعتمادها مستقبلاً في دورات المجامع المتواصلة، إذ إن اللغة (كما قلنا) هي بنت الحس العام والتداول اليومي في الواقع الاجتماعي، وإذا لم يحمل رجال الإعلام مسؤولية وضع الألفاظ والمفردات اللغوية واعتمادها بمفردهم، فإنهم مسؤولون مسؤولية كاملة في مشاركة رجال المجامع اللغوية بطريقة غير مباشرة في هذه العملية، خاصة وأن أهل الصحافة عموماً هم لغويون إلى حد بعيد، على عكس رجال العلوم الدقيقة (كما أسلفنا)، ويبقى من تحصيل الحاصل، ومن أضعف الإيمان أن يُطالبوا بنشر ما هو متفق عليه ومعتمد من قبل المجامع اللغوية من مفردات جديدة في مختلف المجالات المعرفية.
فذلك أدنى ما يمكن أن يضطلع به الإعلام العربي من مسؤولية في مجال الاستعمال الأمثل للغة العربية ونشرها على أوسع نطاق ممكن في عصر الفضائيات التي ألغت الحدود الجمركية والإدارية الأرضية بين الأقطار العربية التي حالت دون سيولة الكلمة المكتوبة بصفة لم يسبق لها مثيل في عهد الجدود قبل وضع الحدود، على شرط أن يتم ذلك الاستعمال اللغوي في المجال الإعلامي بالتنسيق بين جميع الإعلاميين العرب لتفادي ما هو واقع في بعض الأحيان من اختلاف في الاستعمال اللفظي للكلمات في الصحافة العربية، كاستعمال كلمة "كادر" في المشرق والتي تستعمل بدلها كلمة "إطار" في بلاد المغرب العربي، وقس على ذلك كلمة حاسوب و"كمبيوتر"، وكلمة هاتف و"تليفون"، وكلمة ستاد و"ملعب"، وكلمة شكراً و"مِرسي"، وكلمة آسف و"صوري"، وكلمة هدف "گُولْ" ... .
وهذا يقودنا إلى الحديث عن ظاهرة سلبية أخرى في واقعنا العربي لها صلة مباشرة بالإعلام والإعلان والصحافة ونعني به المحيط "المستغرب" والممسوخ الذي توجد عليه بعض العواصم العربية، ويلخص ذلك الأستاذ فهمي هويدي في هذه الصرخة الصادقة المنبعثة من عمق الشعور القومي والحضاري والسيادي للأمة، حيث يقول : " اجتمعت هذه العوامل في واقعنا العربي فمسخته على تلك الصورة المشهودة التي ليست خافية على أحد، حتى أصبحت أغلبية واجهات أسواقنا، وأسماء مشروعاتنا وعلامات منتجاتنا، إما مكتوبة بحروف لاتينية وتحمل أسماء أجنبية أو أنها مفردات أجنبية مكتوبة بالحروف العربية.
قرأت إعلاناً في صحيفة مصرية عن شقة سكنية مكونة من "ثلاث غرف نوم + حجرة ليفنج معييشة + ريسيبشن كبير (استقبال) وملحق بها روف جاردن (حديقة فوق سطوح البناية) !.
ولم تكن هذه حالة استثنائية، لأنني منذ وقعت على الإعلام صرت أراقب الإعلانات المماثلة، فاكتشفت أن المفردات الأجنبية شائعة فيها بدرجة ملحوظة، ولو أنها كُتبت بالحروف اللاتينية لقلت إن المقصود منها هو جذب الأجانب الذين يدفعون أكثر وبالعملات الصعبة ... .
باختصار، فإن لغتنا العربية تتآكل على ألسنتنا وفي واقعنا حيناً بعد حين، فرغم خطورة الظاهرة وعمق دلالتها، فإننا لا نجد أحداً معنياً بمناقشتها ومحاولة البحث عن سبيل للتعامل معها !.
إن اللغة ليست منفصلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي، وإنما هي تعبر عنه سلباً أو إيجاباً، فحين تتمسك الأمة بثوابتها وتدافع عن هويتها وتعتز بها، فإن ذلك لابد أن ينعكس على مواقفها وسلوكها ولغتها بالضرورة"([28]).
وإذا كانت الأشياء بنقائضها تُعرف كما يقال، ومن باب المقارنة بتجارب الأمم الحية في العالم، في مجال الاعتزاز برموز ومكونات شخصيتها القومية وسيادتها على النحو الذي تمناه الأستاذ فهمي هويدي لأمتنا، نذكر النموذج الياباني الرائع والرائد في هذا الخصوص، حيث ورد في أحد التحقيقات الصحفية التي أجريت في اليابان منذ مدة على لسان الصحفي العربي المحقق قوله :... "وظلت اليابانية لغة الدراسة والتعليم والبحث العلمي في كل المجالات. وكان ذلك ممكناً بفضل ترجمة لا نظير لها في أي بلد آخر في العالم. فمن العسير أن يتذكر المرء أي كتاب هام في العلم أو الأدب أو الفن في أي بلد من البلاد وليس به ترجمة يابانية ... وكم يندهش من يزور اليابان حين ندرة من يتحدثون بالإنجليزية، ولا يرى لافتة شارع أو مكان أو مطعم مكتوبة بلغة غير اليابانية. وتزداد الدهشة حين يلتقي الزائر بعلماء كبار لهم شهرة عالمية ولا يتحدثون إلا بلغة بلادهم، وتعرض الأفلام الأجنبية، وبرامج التليفزيون المستوردة ناطقة بلغة أهل البلاد فقط.
وهكذا نجا جمهور اليابانيين من التأثير الكثيف الذي تمارسه وسائل الإعلام الغربية على المستهلكين وأذواقهم في شتى الأقطار، وتُعد الشركات اليابانية الكبرى موظفيها الذين ترسلهم لتمثيلها في الخارج أو للتعاقد مع شركات أخرى بتعليمهم لغة البلاد التي سيعملون فيها، وقد كُثفت عند ظهور أهمية أسواق أقطار النفط جهودها في تعليم اللغة العربية لمن تبعثهم إلى الوطن العربي ...)([29]).
وعلى الرغم من بلاغة هذه الشهادة الحية التي تُغني عن أي تعليق بالنسبة لمقارنة واقع هذه الأمة بواقع أمتنا الذي حاولنا أن نُشرّح بعض جوانبه في هذا المجال الحيوي الخلاّق للأمة...فإنه يتأكد لنا بكل وضوح أنه لا توجد في هذه الدنيا لغات ميّتة ولغات حيّة، إنما كل اللغات يمكن أن تصبح حية إذا ظلّ أبناؤها أحياءً وأصرّوا على ذلك مثل الأمم المذكورة، والعكس صحيح (!!) أي إذا كان أبناء الأمة، أو المنتسبون إليها ميّتين أو ضعافاً فلا تُحييهم ولا تُقوّيهم لغاتهم مهما تكن راقية، ولا ترفع من شأنهم اللغات الأجنبية التي يتبنونها ويفرضونها على الشعوب كلغات تعليم وإدارة وإعلام في أوطانهم، لينافسوا بها لغاتهم القومية، ويذلوها بها تحت ألف تبرير، ومن أسخفها دعوى التقدم والخروج من دائرة العالم المتخلف كما يقولون، وهم في الحقيقة لا يبرحون حضيضه - إن بقوا كذلك - إلى يوم يُبعثون !.

المهاجره
02-16-2011, 12:18 AM
الهوامش
(*) نائب رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية بالجمهورية الجزائرية.

(1) تاريخ القوميات في أوروبا، الجزء 3، ص 213.

(2) ساطع الحصري، ماهي القومية، دارالعلم للملايين، بيروت، بدون تاريخ، ص 56.

((3) الدكتور صالح العقاد، دارسة مقارنة للحركات القومية في ألمانيا، إيطاليا، الولايات المتحدة وتركيا، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1967، ص 10.

(4) نور الدين حاطوم، المرجع السابق ذكره، الجزء 5، ص 37.

(5) قصة اللغة وخصائص العربية للدكتور محمد المبارك، دار الفكر الحديث، بيروت، (بدون تاريخ)، ص 26.

(6) أنظر تفصيل هذا الموضوع في كتاب: " تاريخ اللغات السامية لإسرائيل ولفنسون، ص 14 وخواطر حول العربية للمستشرق الفرنسي جاك بارك، في مجلة "الفكر" التونسية، السنة الخامسة.

(7) من حوار أجري معه أثناء زيارته للجزائر، منشور بجريدة الشعب في 18/12/1971.

(8) من كتاب الدورة الثانية والأربعين لمجمع اللغة العربية المنعقد بالقاهرة في 23/02/1976.

(9) مجلة " العربي"، عدد أفريل 1978، ص 72.
(10) كتاب الدروة (47) للمجمع اللغوي بالقاهرة.

(11) كتاب الدورة (43) للمجمع اللغوي بالقاهرة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة 1978، ص 16.

(12) جريدة " الشرق الأوسط" الصادرة بلندن في 28/06/1989.
(13) نقلا عن صحيفة " المجاهد" الجزائرية الصادرة بتاريخ 24/09/1996.

(14) مجلة "الربطة" ، العدد 378، أغسطس ـ سبتمبر 1996.

(15) الدكتور حسن ظاظا: "كلام العرب في قضايا اللغة العربية" مكتبة الدراسات اللغوية بمصر،1971،
ص 100.

(16) المزهر : الجزء الأول، ص 404.

(17) تاريخ اللغات السامية، ص 166.

(18) أنظر: (فقه اللغة) للثعالبي و(نشوء اللغة العربية) لأنستاس الكرملي و(غرائب اللغة العربية) لرفائيل نخلة اليسوعي، و(المزهر) للسيوطي ج 1، و(فقه اللغة) للدكتور عبد الواحد وفي.

(19) عامر رشيد السامرائي: آراء في العربية، مطبعة العاني بغداد، بدون تاريخ، ص77.

(20) المزهر للسيوطي، مرجع سبق ذكره، ص407-409.

(21) اللغة : ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص 421.

(22) البيان والتبيين، ج 1، القاهرة، 1947، ص 159.
(23) فلسفة اللغة، دار النشر للجامعيين، بيروت، 1956، ص 257.

(24) محمد الفاسي، التعريب ووسائل تحقيقه، بحث منشور في مجلة " الأصالة" ( الجزائرية)، عدد 17، 1974 .

(25) المرجع السابق ذكره.

(26) كتاب الدورة 43 للمجمع اللغوي بالقاهرة، مرجع سبق ذكره، ص 16.

(27) عن صحيفة " المجاهد" الجزائرية"، 24/09/1996.

(28) عن صحيفة " المجاهد" الجزائرية"، عدد (184)، بتاريخ 17/ 04 /1985.

(29) صحيفة الأهالي (المصرية)، عدد (184) بتاريخ 17/04/1985.

المهاجره
02-16-2011, 12:21 AM
واقع اللغة العربية في وسائل الإعلام


(*) د. فهمي هويدي


مأزق اللغة العربية أوضح ما يكون في وسائل الإعلام، بحُسبان أنها تمثل الواجهة التي تعكس مختلف التفاعلات الثقافية والقيمية في أي مجتمع. ولأنها كذلك، فإنها تؤدي أخطر الأدوار في الارتقاء باللغة العربية أو الحط من شأنها. ذلك أن التأثير الهائل الذي أخذت تلك الوسائل تمارسه في حياة الناس أصبح يضعها في مقدمة العوامل المؤسِّسة والمشكلة للإدراك العام. ذلك حاصل في كل دول العالم الآن، ولا نستثني من ذلك بلادنا العربية والإسلامية ذلك أنني أزعم أن ما يحدث للغة العربية هو أكثر من الإساءة. وقد كتبت ذات مرة مقالة نبهت فيها إلى أن لغتنا الفصحى تهان يوميا في مختلف وسائل الإعلام العربي، على نحو لا يكاد يتصوره أي إنسان سوي ينتمي إلى هذه الأمة.
ومن مفارقات زماننا، أن اللغة العربية كانت تعامل باحترام كبير حين كانت الأمية سائدة في مجتمعاتنا، حيث شملت ما متوسطه %80 من السكان، وحين كانت أوضاعنا الثقافية ووسائل الطباعة والنشر والاتصال أكثر تواضعاً بكثير مما هي عليه الآن. ولكن حين تراجعت نسبة الأمية، وعمت المدارس والجامعات، وتقدمت وسائل الطباعة والنشر، لقيت اللغة العربية ذلك المصير البائس الذي صرنا بصدده.
نعم ارتفعت في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أصوات دعت إلى الكتابة بالعامية، وإلى كتابة العربية بالأحرف اللاتينية على غرار ما جرى في تركيا، ولكن تلك الأصوات فضلاً عن أنها كانت استثنائية ونشازاً وقتذاك، فإن أصحابها كانوا أيضاً من المتهمين في انتمائهم الأصيل للأمة. فقد كان صاحب استخدام العامية في الكتابة بديلاً عن الفصحى هو مهندس إنجليزي عاش في مصر اسمه ويلكوكس (ترجم الإنجيل إلى العامية المصرية ومات عام1932م). أما الذين أيدوا فكرة الكتابة بالأحرف اللاتينية، فقد كانوا نفرا من المبهورين بالغرب، وكان من أشهرهم عبد العزيز باشا فهمي.
أمثال هذه الدعوات ووجهت بصد قوي من المجتمع، وماتت في مهدها. وكانت الحملة المضادة التي قام بها المجتمع في مقاومته لتلك الدعوات، تعبيرا عن الغيرة على الفصحى والاحترام والإكبار اللذين حظيت بهما آنذاك.
وليس خافيا على أحد الجهود التي بذلتها الدول الاستعمارية لمحاربة الحرف العربي وليِّ ألسنة الجماهير في بلادنا، كما أنه غني عن البيان أن تلك الجهود كلها فشلت، وظلت أمتنا تدافع عن الحرف العربي الذي عد آنذاك رمزا للهوية وراية للانتماء.
ومن مفارقات الأقدار وسخرياتها أن اللغة العربية ظلت صامدة طوال عهود الاحتلال، ولكنها هزمت بعدما رحل الاستعمار، وارتفعت نسبة المتعلمين، وضوعفت معدلات المدارس والجامعات.
الملاحظ في هذا الصدد أن خصوم اللغة العربية في السابق كانوا من المتغربين والمعادين للانتماء العربي والإسلامي، لكن حدود حركة هؤلاء لم تتجاوز المبادرات الشخصية، التي ظلت محدودة التأثير. إلا أن الأمر اختلف الآن تماما من زاويتين. الأولى، أن إهانة اللغة العربية والحط من شأنها أصبح سلوكا عاما في المجتمع، لم يعد مقصورا على فئة دون أخرى، كما أنه غدا عند البعض من آيات الحداثة. الثانية، أن العدوان على اللغة وابتذالها أصبحا ظاهرة عامة في وسائل الإعلام، بتأثيرها الهائل على عوائد الناس وسلوكياتهم.
محنة اللغة العربية في وسائل الإعلام لها ثلاثة مظاهر، هي :
1. شيوع الأخطاء النحوية في العربية الفصحى المستخدمة، والتي هي ركيكة في الأساس.
2 . شيوع الكتابة بالعامية في المقالات والإعلانات، وفي تقديم البرامج التلفزيونية والإذاعية.
3. كثرة استخدام المفردات الأعجمية في ثنايا الخطاب الموجه إلى الملتقى العربي، وفي بعض الأحيان تنشرالصحف العربية إعلانات كاملة باللغات الأجنبية، بل إن هناك مجلات عربية وبرامج إذاعية وتليفزيونية تحمل أسماء وعناوين أعجمية، مكتوبة بالأحرف العربية.
في صحيفة (الأهرام) القاهرية - التي هي من أهم وأقدم الصحف العربية - ثمة إعلان ينشر كل يوم جمعة بعرض ثمانية أعمدة يقول : إن ما كانش عندك أولاد - اكفل طفل يتيم في بيتك - وتحت هذا العنوان الحديث النبوي الذي يحث على كفالة الأيتام. وفي الإعلان خليط من عامية الخطاب وركاكة الفصحى والخطأ النحوي. وذلك ليس استثناء، ولكنه تجسيد للغة كاملة أصبحت تهيمن على المواد التحريرية والإعلانية في الصحف، ناهيك عن تلك التي تستخدم في التليفزيون والإذاعة.
في الصحيفة العريقة أيضا ظهر ذات يوم إعلان على صفحة كاملة لأحد المصارف تقول كلماته ما يلي : كل اللي حوِّشناه حطيناه في الشقة، حنجيب العفش ازاي؟ (أي كل الذي اذخرناه وضعناه في السكن، فكيف سنحصل على الأثاث إذن؟) والإجابة عن السؤال في ركن جانبي، تهدئ من قلق السائل قائلة إن البنك حاضر للإقراض وحل الإشكال.
ربما عنَّ للمعلنين أن الكتابة بالعامية تسهل التوصيل إلى المتلقي، ولذلك فإنهم لا يبالون بالفصحى ولا بالنحو، يشجعهم على ذلك لا ريب أن الصحف لم تعد تكترث باللغة التي يظهر بها الإعلان، لأن كل اهتمامها منصب على مدخوله وحصيلته! لكن مايستلفت النظر في هذا الصدد أن بعض الكتاب أصبحوا يطعِّمون كتاباتهم بعبارات عامية، وهناك آخرون يتزايد عددهم، ينشرون نصوصا كاملة بالعامية.
في أحد ملاحق جريدة (الأنباء) الكويتية وجدت عدة مقالات مكتوبة بالعامية، هذه مقتطفات منها.
تحت عنوان (أقوال مأثورة)، كانت المقولة الأولى كما يلي . كل ريّال كاشخ تلقى مرته غاسله شراعه، لكنه يبى يبين للناس شكثر هو سنع، وشكثر مهتمه فيه وتسوي له كل اللي يبيه.
وفي مقالة عن أشهر عبارات الحب والغزل في التاريخ كما تخيلها أحد الكتاب وردت العبارات التالية، التي يفترض أنها من رجل محب إلى فتاة وقع في غرامها.
ساوصف فيج شخللي منج، طيبه قلبج وضحكه سنج، ونبره صوتج، ولوية حنجج جنج حصان قاعد يتعلج! شهالزين وشهالدلال، الشعر جنه نفيش، والقذله جنها شعر بنات..........إلخ.
في مقالة تالية تحدث أحد الكتاب عن قصة ذهابه إلى السينما مع عائلته، فاستهل مقالته بالفقرة التالية : كنا ملتمين نطالع أحد الأفلام الأجنبية، أنا وبناتي، وبصراحة مُحلو الواحد يشوف له فيلم وعنده بنت صغيرة مثل بنتي، كل ثلاثين ثانية تسأل . ليش سوَّى هذا جذيه؟ وليش هذي سوّت جذاك؟ هالأسئلة تخلي الواحد يشوف الفيلم أقساط مثل اللي كل ما سألتني بنتي أرد عليها ما اقول لج انتي درسوج انقليزي من أول ابتدائي، والحين انتي بتروحين ثالثه، والمفروض تركزين على الفيلم وتسمعين الحجي وتفهمين... طبعا كلامي ما عجب بنتي النزقه، وبرطمت، وبعدين بجت وبجها غريب عجيب، تقول كميرسير ثلاجه يون.
ليست بلاد المغرب بأفضل كثيرا من بلاد المشرق، فالبلاء عم الجميع، وقد أزعم أن التحديات في المغرب أقوى بكثير منها في المشرق، سواء لأسباب ثقافية تاريخية، بعضها يتعلق بخصوصية الاستعمار الفرنسي المتمثلة في تركيزه على الإلحاق الثقافي، أو لأسباب تتعلق بالقرب الجغرافي النسبي من أوروبا الذي جعل التغريب أشد وطأة، وربما أيضاً لأسباب تتعلق بالتركيبة السكانية وحرص بعض العناصر ذات المصلحة على تقليص دوراللغة العربية، في إثارة نعرات داخلية تفرق الأمة وتزعزع وجدنها وكيانها الثقافي.
غير أني قبل أن أذهب إلى أبعد في تحرير الظاهرة وتقصي أسبابها، أود أن أوضح موقفا أرجو الاتفاق عليه فيما يخص التعامل مع اللهجات المحلية واللغات الأجنبية. وذلك أنني أرى أن وحدة اللغة من عناصر وحدة الوطن من ناحية، ووحدة الأمة من ناحية ثانية. ومع انحيازي الذي لا أخفيه للفصحى، إلا أنني لست ضد العامية بإطلاق، وبداهة فإنني لست ضد تعلم الأجنبية والتمكن منها. لكني أقول بوضوح إن احترامنا للعامية بوصفها لغة التعامل اليومي في أقطارنا، واحترامنا لتعدد اللهجات واختلافها في العالم العربي، لا ينبغي أن يكون على حساب وحدة اللغة في الدولة أو على حساب الفصحى بأي حال. وكنت أتصور أن يتطور خطابنا بحيث نقرب العامية إلى الفصحى، ولكن الذي حدث هو العكس للأسف الشديد، فقد زحفت العامية على خطابنا على نحو أدى إلى تراجع مستمر للفصحى. ولا أريد أن أقول كلاما نكرره كثيرا حول أهمية التمكن من اللغات الأجنبية، ليس فقط لضرورة التفاعل مع الثقافات الأخرى، ولكن أيضاً لأن هناك لغات تتقدمها الإنجليزية، أصبحت سبيلا وحيدا للتواصل في ظل ثورة الاتصال الراهنة. لكني ألح على أن التمكن من اللغات الأجنبية يصبح قضية ثقافية وحضارية إذا سبق التمكن من اللغة العربية، بل يصبح مقدمة للانتحار الثقافي إذا جاز التعبير.
ومن المؤسف أن عالمنا العربي يركض على نحو مفجع صوب تعلم اللغات الأجنبية، بينما تتسارع بذات القدر معدلات هجرته للغة العربية. وذلك أوضح ما يكون في مدارس تعليم اللغات التي اكتسحت حقلنا التعليمي، وفي جامعاتنا التي افتتحت كليات العلوم الإنسانية فيها أقساما تدرس باللغات الأجنبية أصبحت هي الأرفع مكانا والأكثر استقطابا وجذبا للطلاب، وذلك وجه آخر للكارثة الثقافية أشير إليه إجمالا وبسرعة، لأن التفصيل فيه يخرج على نطاق موضوع الورقة.
نحن نظلم الإعلام ونتجنى على الحقيقة إذا ركزنا على تراجع اللغة العربية الفصحى في نطاقه وحده. وقد أشرت في الأسطر الأولى لهذه الورقة إلى أن الإعلام هو المرآة العاكسة لمختلف تفاعلات المجتمع وتحولاته، أعني أنه يبرز الظاهرة ولا ينشئها. ذلك أن تراجع الفصحى ليس مقصورا على الإعلام وحده، ولكنه يمثل ظاهرة عامة في المجتمع، فالعامية أصبحت تستخدم في السياسة والفن وواجهات المحلات، وفي مختلف نواحي الحياة. وإذا كانت بعض المجلات العربية تحمل أسماء أجنبية مثل (فلاش) و(ستار لايت جايد)، وإذا كانت بعض برامج التلفزيون تمضي على ذات الطريق فنسمع عن برنامج باسم (زوم) وآخر عنوانه (فلاش شو) وثالث بعنوان (ويك إند)..إلخ، فذلك حاصل أيضا في المجالات الأخرى كافة. وفي واجهات المحلات التجارية وأسماء المقاهي وأسماء الأفلام والمسرحيات، وغير ذلك من أنشطة الثقافة والسياسة والاقتصاد.
إزاء ذلك، فإنه يغدو مهما للغاية أن نبحث عن إجابة للسؤال . لماذا حدث ذلك الانهيار في استعمال اللغة العربية الفصحى؟
في رأي عالم اللغويات تشارلز كيفر (أن موت اللغة يتحقق عندما يهتم المرء بأن يتحدث بلغة أخرى يجد أنها أكثر فائدة له اقتصاديا وفكريا، وهو ما يدفعه أيضاً لأن يحرص على أن يصبح إنساناً آخر، وأن يجد فرصة عيش أفضل، ومن هنا يكون من العبث الدفاع عن لغة وعن وضع إثني سوف يتحولان بمضي الوقت إلى (فولكلور) قديم الطراز).
لا أريد أن أذهب بعيداً في التشاؤم، فنحن نتحدث هنا عن هزيمة الفصحى وإضعافها، لا عن احتمالات موتها، إلا إذا قصدنا موتا مجازياً على ألسنة الناس، يعزل الفصحى عن الواقع المعاش، ويحولها إلى لغة لبعض الفقهاء وأهل الاختصاص، على غرار اللغة اللاتينية التي لم تعد تتداول إلا في الكنائس وفي أوساط نفر من الباحثين. ذلك أن وجود القرآن وثباته ضامنان لاستمرار اللغة، التي سيظل المسلمون -حيثما وجدوا -يؤدون بها صلواتهم إلى يوم الدين، ولذلك فإذا كان هناك من يتحدث عن انقراض بعض اللغات واللهجات من اللغات السائدة اليوم (عددها 6700 لغة حسب إحصاء منظمة اليونسكو)، فالقدر المتيقن أن العربية الفصحى ليست من بين ما هو مرشح للانقراض في الحاضر أو المستقبل.
فيما يخص السؤال لماذا...؟ فإن الفكرة الأساسية التي تحدث عنها تشارلز كيفر مقبولة بصورة جزئية، لكن الأمر أكثر تركيبا، كما أنه يحتاج إلى بعض التفصيل في هذا الصدد، فإنني ألفت النظر إلى مجموعة من الأسباب هي :
* تجتاح العالم العربي حالة من الهزيمة النفسية، استصحبت حطّا من شأن الذات وانبهارا بالعالم الغربي بكل ما فيه، من اللغة إلى نمط الحياة والسلوك. وهو ما سرب لدى الناس في بلادنا وهما مفاده أننا لكي نتقدم فسبيلنا إلى ذلك أن نتخلى عما عندنا ونلتحق بالآخرين، الأمر الذي يرتب تلقائيا إقبالا على "الانخلاع" من مقومات الخصوصية والانتماء، إذ إن الهزيمة حاصلة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، لكن أخطر ما أسفر عنه ذلك الوضع هو تلك الهزيمة النفسية، التي أصابت الذات وضربت في الصميم جذور الانتماء.
ولأن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، كما ذكر ابن خلدون، فإن أمورا كثيرة تغيرت أو انقلبت في حياة العرب والمسلمين من جراء ذلك الوضع، وكانت لغتهم من بين ما لحقه التغيير والانقلاب.
قرأت حديثا لمعلمة لبنانية حول تجربتها مع اللغة قالت فيه : " إن اللغة العربية في المجتمع اللبناني باتت كالتهمة. وفي الأحاديث العامة فإنك إذا لم تكن تجيد اللغتين الفرنسية والإنجليزية، أو إحداهما على الأقل، فأنت تعد إنساناً غير عصري De Mode. وبسبب من ذلك فإن المعلمة لكي تساير التيار ولا تبدو غريبة أو شاذَّة، فإنها لجأت إلى تطعيم كلامها وردودها على الآخرين بكلمات فرنسية، حتى تجنب نفسها الحرج، وتقف على قدم المساواة مع الآخرين في (التقدم) " (الحياة اللندنية 18/10/2002).
هذا الذي لجأت إليه المعلمة اللبنانية حاصل في أغلب -إن لم يكن كل- أقطار العالم العربي، حيث أصبح استخدام المفردات والمصطلحات الإنجليزية أو الفرنسية من علامات التقدم ودلائل الرقي.
* في الوقت ذاته فثمة واقع عربي يعد التردي من أبرز سماته. ومن مظاهره انهيار النظام العربي، وغياب المشروع أو الحلم المشترك، وتراجع الحس والانتماء القوميين، وهو ما أدى إلى تكريس القطرية وتنامي المشاعر الإقليمية والعصبيات الجهوية، ثم أسفر في نهاية المطاف عن تراجع فكرة الأمة في الإدراك العام. بل إننا قرأنا كتابات لنفر من المثقفين شككت في مبدأ وجود الأمة العربية، ناهيك عن الإسلامية، وعدَّتها شيئا تخيله نفر من الحالمين وراحوا يبشرون بها بين الناس.
وأرجو ألا أكون مفرطا في التشاؤم إذا قلت إن الانتماء العربي في هذه الأيام لم يعد مصدراً للاعتزاز بين أعداد غير قليلة من المثقفين. وحين يحدث ذلك -وأرجو أن أكون مخطئا في التقدير- فلا غرابة في أن تتقطع وشائج الانتماء واحدة تلو الأخرى، وأن تنهزم الفصحى، وتزدهر العامية.
وإذا ما صح ذلك، فهو يعني أننا في حقيقة الأمر بصدد أزمة أمة لا أزمة لغة، أعني أن الأحوال المتردية تفرز أصداء في مناح عدة، وما نحن بصدده هو بعض تلك الأصداء. وقد كان ابن حزم حصيفا وبليغا حين ذكر في كتابه (الأحكام)، أن اللغة يسقط أكثرها بسقوط همّة أهلها. وهو ما أراه منطبقاً بدقة على واقعنا العربي الراهن. ذلك أنك لا تستطيع أن تتصور - مثلا- اعتزازا باللغة القومية في أزمنة تراجع الحس القومي، ويتعذر أن تجد تمسكا باللغة العربية في وقت يظن فيه أن المستقبل للمتمكن من اللغة الإنجليزية، أو الفرنسية. (للعلم في أثناء تشكيل إحدى الوزارات العربية نشرت الصحف في القطر المعني بيانا بالمواصفات التي توخاها رئيس الوزراء الجديد في اختياره لأعضاء حكومته، وكان من بينها ضرورة إجادة اللغة الإنجليزية).
* وإذا اهتز البنيان العربي على ذلك النحو، فقد كان من اليسير على رياح التغريب أن تخترقه وتعصف به حتى تهدده من الأساس. وقد هبت تلك الرياح من جهتين . جهة شرائح النخبة التي تعلقت أبصارها بالغرب وانسحقت أمام كل شيء فيه، حتى عدَّته نموذجا وحيدا -وأحيانا حتميا- للتقدم. ومن ثم، فإنها باتت على مسافة بعيدة من بعض مقومات الانتماء لهذه الأمة، وفي المقدمة منها العروبة والإسلام. أما الجهة الثانية، فقد تمثلت في قنوات البث الفضائي، التي تكفلت ثورة الاتصال بحمل رسالتها إلى الجهات الأربع في الكرة الأرضية. ولأسباب مفهومة فقد كانت رسالة البث الأوروبي والأمريكي هي الأقوى تأثيراً ومن ثم الأقدر على الإسهام في إعادة تشكيل الإدراك العام في أقطار العالم الثالث بوجه أخص، ونحن جزء منها بطبيعة الحال، إذ حين تكون واجهات محلاتنا باللغة الإنجليزية، ومناهج مدارسنا الخاصة، حتى في مرحلة الحضانة، تركز على الإنجليزية، وحين يكون التواصل عبر الإنترنت بالإنجليزية، وأهم وأنجح الأفلام والبرامج التليفزيونية بالإنجليزية، فكيف نتوقع أن تقوم للعربية قيامة في مجتمعاتنا؟!.
* أزعم أيضا أن انتشار قنوات البث الفضائي العربي كان له دوره أيضاً في الترويج للعامية في كل قطر، ذلك أن مقدمي البرامج كثيرا ما يعمدون إلى استخدام المفردات العامية، سواء من قبيل التبسط ورفع الكلفة، أو مظنة التظرف والنفاد إلى عقول وقلوب المستمعين، أو بسبب قلة البضاعة في اللغة العربية. والمشاهد لتلك القنوات يستطيع أن يلمس في مقدميها أن قلة قليلة فقط هي المتمكنة من العربية، بينما الأغلبية تخاطب المشاهدين إما بعربية مكسرة، وإما بالعامية الدارجة.
يقتضي الإنصاف أن نشير إلى أن المسألة تتجاوز مقدمي البرامج التلفزيونية، برغم أن الأضواء مسلطة عليهم بقدر أكبر، لأن قلة البضاعة في اللغة العربية سمة عامة في مجمل المشتغلين بالإعلام، وأكاد أقول إنهم قلة أيضا بين عموم المثقفين العرب. ولأنني أحد الذين تتاح لهم فرصة حضور الندوات والمؤتمرات في مختلف العواصم العربية. فبوسعي أن أقول إن ثمة تراجعاً محزنا في إحاطة الشريحة الأوسع من المثقفين باللغة العربية. وفي إحدى الندوات استمعت إلى رئيس تحرير إحدى المجلات الشهرية العربية، الذي ألقى كلمة عددت له فيها 24 خطأ لغويا. وكان إلى جواري أحد المسؤولين عن مؤسسة سلطان العويس بدولة الإمارات العربية، التي تخصص جوائز سنوية للمبدعين العرب، فقلت له مازحا إن صاحبنا هذا يستحق جائزة العويس في الأمية العربية بحسبان أنه (أبدع) في إهانته للفصحى!
*لدي شكوك قوية في أن أزمة الديمقراطية في عالمنا العربي لها دور في تدهور أوضاعنا الثقافية، بما في ذلك هزيمة الفصحى وعلو شأن العامية في عموم مجتمعاتنا، وفي وسائل الإعلام بوجه أخص. لقد تمثلت تلك الأزمة في إحكام الرقابة على العقل العام، وفي تغييب فرصة مشاركة الشعوب في تقرير مصائرها، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، الأمر الذي أفقد السلطة القدرة على التعبير عن ضمير المجتمع وأشواقه. وتجلى ذلك التغييب في احتكار السلطة لصالح فئات معينة -أسر أو شرائح أو طوائف- وأيضاً في تكرار حالات تولي العسكر للسلطة. وفي حالة العسكر فإننا لاحظنا أمرين . الأول، أنهم- أغلبيتهم الساحقة على الأقل-كانوا من متوسطي الثقافة العامة بطبيعة تكوينهم وتبنوا بصفة دائمة خطابا عاميا، رددته مختلف أبواق السياسة والإعلام. أما الأمر الثاني، فإنهم تخيروا بطانات من بين ما عرفوا بأهل الثقة، الذين كان الولاء السياسي هو العنصر الأساسي في اختيارهم، وهو ما أدى إلى تراجع الكفاءة السياسية والقيمة الثقافية. ولأن الإعلام كان السلاح الثاني الأهم-بعد الجيش وأجهزة الأمن-الذي استخدم في تمكين هؤلاء الحكام، فإنهم نصَّبوا على رأسه نفرا من أتباعهم، الذين كانوا بدورهم من أهل الثقة، وبعضهم كانوا من العسكر. وكانت نتيجة ذلك أن تدهور مستوى الأداء الثقافي لتلك الأجهزة، الأمر الذي ترتبت عليه كوارث ثقافية كثيرة، كانت هزيمة الفصحى إحداها.
لقد عشنا زمانا كانت فيه القمم الثقافية وقيادات أجهزة الإعلام من انتخاب المجتمع، لكن الصورة تغيرت جذريا في العقود الأربعة الأخيرة، حيث أصبحت تلك القيادات من انتخاب السلطة واختيارها، وهو ما حرصت عليه الأنظمة الاستبدادية كافة، التي أدركت مدى القوة التي أصبح الإعلام بها في العالم المعاصر. ومن ثم حولت منابر الإعلام من مراكز للتنوير والتعبير عن ضمير الأمة، إلى أبواق للدعاية وتسويغ ممارسات السلطة وتجميلها.
وكان ذلك سببا كافيا لتدهور أوضاعها، سواء على صعيد المضمون أو على صعيد الشكل.
إننا بصدد معركة حقيقية، تبدو في ظاهرها دفاعا عن اللغة العربية، ولكنها في عمقها وجوهرها دفاع عن الهوية والانتماء، ودفاع عن الوجود العربي ذاته، في مواجهة رياح التغريب والاندثار. وتظل نخب المثقفين العرب هم الطليعة في هذه المعركة، وهم الكتيبة التي تقف في الصفوف الأولى مدافعة عن هوية الأمة ولغتها.
ولا نستطيع في هذا المقام إلا أن نعبر عن الحزن والأسف لأن منظمات عربية عدة مثل مؤتمر وزراء الإعلام العرب، واتحاد الصحفيين، تقف متفرجة على ذلك المشهد الذي تصرع فيه اللغة العربية في وسائل إعلامنا كل يوم. ولا يستطيع المرء أن يكتم أسفا أخر حين يجد خطابنا الإعلامي يتحوط إلى أبعد مدى في التعامل مع الزعامات والقيادات السياسية، بينما يستبيح عرض اللغة العربية بجرأة تدعو إلى الدهشة.
وبرغم أنها أزمة أمة في الأساس، فإننا لا نستطيع أن ننتظر حتى تصلح أحوال الأمة، لكي يستقيم حال اللغة العربية في وسائل إعلامنا، وإنما لا يزال بأيدينا الكثير الذي يمكن أن نفعله دفاعا عن الفصحى؛ إذ ما أسهل أن تعالج الأخطاء النحوية في المواد الإعلامية التي تنشر أو تبث، و ما أسهل أن تتخذ الصحف موقفا حازما من نشر الإعلانات بالعامية أو بالمفردات الأعجمية، إذ برغم أن المعلن في موقف قوي لأنه هو الذي يدفع، فإن موقف وسائل الإعلام ليس ضعيفا تماما، لأنها المنابر التي يطل من خلالها المعلن على القارئ أو المستهلك. ومن ثم فإذا كانت لديه أوراق ضغط على الصحف مثلا، فإن هذه الأخيرة لديها أوراق ضغط أخرى مقابلة تستطيع أن تحافظ بها على ما يفترض أنه ثوابت ومصالح عليا للمجتمع. في الوقت ذاته فإن تمسك وسائل الإعلام باحترام الفصحى، وإلزامها العاملين فيها بأن يكون استخدامهم للعامية على سبيل الاستثناء وفي حالة الضرورة القصوى، مثل هذا الإجراء يظل في حدود الاستطاعة إذا توافرت الإرادة لذلك.
إن وسائل الإعلام أمامها طريقان: أن تنساق وراء التيار الزاحف والضاغط، أو أن تمسك بموقع الريادة والتوجيه، وتحاول أن تقود المجتمع نحو الأرشد والأفضل. وعند الشرفاء المخلصين للوطن ولرسالة مهنتهم فإن الاختيار ليس صعبا، ولا بديل عن النهوض بدور الريادة والتوجيه والتنوير، برغم أنه يمثل سباحة ضد التيار في الظروف الراهنة.
وليس من شك في أن هذا الجهد الإعلامي يمكن أن يحقق هدفه على نحو أفضل، وفي وقت أقصر، لو توافر ظرفان : الأول إرادة سياسية تدرك أهمية اللغة العربية، وتعلن انحيازها لها فيما تمارسه من أفعال وما تتبناه من خطاب. نعم إن ثمة دولا دافعت عن لغاتها بما أصدرته من قوانين، كما حدث في فرنسا مثلا، وهذه خطوة مهمة لا ريب، يكملها أن تبادر سلطة الإدارة باحترام اللغة الوطنية وإظهار التمسك بها. أعني أن تقدم النموذج الذي يحتذيه الناس ومن ثم يربى عليه المجتمع. أما حين يخطب رئيس دولة عربية باللغة الأجنبية، فإن تصرفا من ذلك القبيل يهدم كل جهد آخر يبذل أو دعوات تطلق للدفاع عن الفصحى في المجتمع.
الظرف الثاني المهم يتمثل في تنشيط جهود مجامع اللغة العربية لكي تضع بين أيدي المعنيين البدائل العربية للمصطلحات الأعجمية التي تشيع بينهم، لأنه ما لم يتوافر البديل فإن استخدام اللغات الأخرى يصبح خيارا وحيدا، الأمر الذي يفتح ثغرة في دعوات الالتزام بالفصحى قد يتعذر احتواء تداعياتها.
إنني لا أجد ما أختم به هذه الورقة أفضل من ذلك النص الذي وضعه الأستاذ الأول لفن الكتابة العربية (عبد الحميد الكاتب) الذي ألف قبل ثلاثة عشر قرنا "الرسالة إلى الكتاب" قال فيها :
حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله عز وجل جعل الناس - بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين وبعد الملوك المكرمين-أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء... فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية... فليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب... فتنافسوا معشر الكتاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين. وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل، ثم بالعربية فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تصبو إليه هممكم، وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم... إلخ.
ترى ماذا يقول عبد الحميد الكاتب لو قدر له أن يعيش زماننا ويطالع صحفنا؟!
(*) كاتب ومفكر إسلامي.

المهاجره
02-16-2011, 12:24 AM
دور الإعلام والفنون في النهوض
بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية
(*)د. علي لغزيوي

لماذا كانت الفصحى مستهدفة؟


لقد سادت العربية الفصحى خلال عصور متوالية في مختلف البيئات الإسلامية سيادة مطلقة دون أن يرميها أحد بأي تهمة تقلل من شأنها بين اللغات، ولم يثبت أن اشتكى أحد من عيب أو قصور أو عجز فيها، بل كان التنويه كبيرا بإمكاناتها المتعددة، وخصائصها المميزة لها عن غيرها من اللغات بالنظر إلى مكوناتها وقابليتها للاشتقاق، وتعدد مجالات إغنائها، وقدرتها على استيعاب مختلف الحمولات والمعارف، فضلا عن جمالية إيقاعها وموسيقيتها المتميزة.
ومن يتأمل واقع اللغة العربية اليوم، ثم ينظر إلى مسيرتها عبر تاريخها الطويل الحافل، سيلاحظ أنها قد مرت بمجموعة من المراحل المتفاوتة المتأرجحة بين الازدهار أو السير العادي في الغالب، وبين التراجع أحيانا، إلا أنها فيما يبدو لم تشهد حملة معادية منظمة وشرسة، مثلها حدث خلال مرحلة المد الاستعماري على امتداد الوطن العربي والعالم الإسلامي، وكذلك خلال ما يسمى بمرحلة الاستقلال، لأن الأمة وإن كانت قد تخلصت من القوات العسكرية، فقد ظلت تعاني ولا تزال من أنواع أخرى من الهيمنة، في مقدمتها الهيمنة الفكرية أو الغزو الفكري الذي آل اليوم بعد انكشاف أساليبه إلى ما يعرف بالعولمة التي تسعى إلى إلغاء الهويات، وتذويب الخصوصيات، في إطار ما يعرف بالنظام العالمي الجديد ومنظومته المرتبطة به.
والمثير للغرابة والعجب أن الحملات توجه إلى اللغة في ذاتها لا إلى أهلها، مع أن القصور الذي تُرمى به ليس راجعا إليها، بقدر ما هو كامن في أبنائها، ولاسيما والإجماع حاصل عند علماء الغرب أنفسهم على أن العربية من أكمل اللغات، ويكفي الاطلاع على مجموعة من معاجمهم كمعجم لاروس، أو معجم لالند للوقوف على هذه الشهادات.
غير أن المغرضين تألبوا وتجاهلوا تلك الحقائق، وراحوا يختلقون الأسباب تلو الأسباب للتشكيك في إمكاناتها، وسعوا إلى إبعادها عن مصادر القرار، وحاولوا فصل المسلمين عن ماضيهم لطي إنجازات الأسلاف بهذه اللغة، مع تلميع اللغات الأجنبية، وتشجيع اللهجات بكل الوسائل الممكنة، وفي هذا الجو ظل لدعاة التغريب مجال لبث أفكارهم، وترويج دعواتهم، ثم سلموا المشعل لتلامذتهم وأتباعهم فتبنوا مقولاتهم وصاغوها صياغة جديدة، وتوسلوا بما توهموا أنه يغطي حقيقة نواياهم، أو يضفى على حملتهم وموقفهم طابع المشروعية، ولكن دون طائل كبير، وذلك كما يقول أحد كبار المجمعيين لأن: "الفصحى تراث الماضي ومجد الحاضر، بقيت على الدهر، وسارت مع الزمن، بحيث أضحت لغة قديمة حديثة، تجمع بيت التالد والطارف، وتربط الناطقين بها بأوثق رباط، وقل أن تلتقي معها في هذا لغة أخرى"([1]).
هذا فضلا عن أنها لغة القرآن الكريم، وبحفظه الذي تولاه الله عز وجل نفسه يتم حفظها، لأنها وعاؤه ولسانه مصداقا لقوله تعالى: )إنَّآ نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(([2]). فحفظها في حفظه، ومن هنا تعددت فضائلها وتنوعت مزاياها، وازدادت الجهود في خدمتها وتطويرها والارتقاء بها.
ولذلك فإنه يبدو بكل تأكيد أن إقدام منظمة الإيسيسكو، مشكورة مأجورة، إن شاء الله عز وجل، على تنظيم هذه الندوة الخاصة باللغة العربية وتحديات العصر، يعد عملا إيجابيا إلى حد بعيد، لأن التحديات لم تتوقف، والحملة على الفصحى لم تنته، ولاسيما مع تصاعد حملات التغريب، وإسهام مختلف وسائل الإعلام في نشر الدعوات المختلفة، وتزايد الجهود لتسخير الفنون لتبني اللهجات إلى غير ذلك من المظاهر السلبية التي تؤكد الواقع المؤلم للفصحى التي غدت غريبة في بيئتها، وهذا ما يجعل هذه المبادرة تأتي في وقتها المناسب، ويؤكد أنها ليست وليدة الصدفة، بل هي ناتجة عن إحساس قوي بما آل إليه أمر هذه اللغة من تفريط، على الرغم من كونها مقوما رئيسيا من أهم مقومات كيان الأمة، ولعل هذا السبب هو الذي جعلها لا تزال مستهدفة في خضم الظروف والتحولات التي يعرفها زمننا هذا بتأثير مما يسمى بالنظام العالمي الجديد والعولمة، وبدافع من المواقف السلبية من كل ما هو عربي إسلامي، بل وبموازاة مع ما يشهده العالم الإسلامي، وقلبه النابض: العالم العربي من تحديات، فقد تفاقم وضع الفصحى وزاد إهمالها إلى حد كبير، وذلك مع بروز الردة إلى التغريب، وتزايد الاهتمام بالعامية، والاعتناء باللهجات الإقليمية والمحلية ذات الانتشار الضيق.
والحقيقة أن تجدد الحملة على الفصحى ليست إلا لأنها لغة القرآن الكريم، ولغة التعبد، ولغة الفكر والأدب والحضارة والعلم، بهدف إبعادها عن الصدارة والتشكيك في قدراتها وإمكاناتها، ولأن إضعافها في زعمهم إضعاف لأهلها.
هل تكفي الجهود المبذولة ؟

لا يمكن إنكار الجهود الطيبة المبذولة في خدمة العربية الفصحى، في مجموعة من المجامع اللغوية والأكاديميات المتخصصة، والجمعيات والمنظمات والمؤسسات المهتمة سواء منها القائمة في عدة دول عربية، بأسماء مختلفة، أم بما تم إحداثه مؤخرا، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب الذي أنشأ أكاديمية خاصة باللغة العربية يمكنها أن تضطلع بأدوار نبيلة في حماية العربية وخدمتها، علما أن عددا من المنظمات الدولية قد بدأت تعترف بها لغة رسمية في التعامل الدولي، ومع ذلك فإن التقصير لا يزال واضحاً، كما أن العجز عن تطويرها وتعزيز دورها في الحياة العلمية والمعاملات اليومية يكاد يهيمن على كثير من أهلها، أفراداً ومؤسسات هيمنة لافتة للنظر، وذلك بسبب غياب التنسيق بين هذه المؤسسات والجهود الجماعية والفردية من جهة، وعدم توظيف المنجز في الحقول العملية والمجالات الخاصة بها، بما في ذلك مؤسسات التعليم، والإدارة، والشركات، وجميع الجهات التي لا تزال تستعمل لغات أجنبية، مما يدفع إلى التساؤل عن جدوى الجهود المبذولة، ومآل المصاريف الباهظة التي تخصص لها، دون أن تظهر بوادر ملموسة لإدماجها في جميع مرافق الحياة العامة، ولا يقتصر هذا الواقع المؤلم للعربية الفصحى على مجال دون آخر، لأن التحديات التي تواجهها تكاد تكون عامة، ولكن المجال لا يسمح بتفصيل الحديث عنها الآن.
لقد غدت تواجه اليوم تحديا حضاريا سافرا لم يسبق له مثيل، وذلك بالنظر إلى طبيعة هذا التحدي ومصدره ومستواه وشموليته([3]) من جهة، وبالنظر إلى البعد الثقافي، ومرتكزاته ومكتسباته وثوابته ومتغيراته وتفاعلاته وخلفياته في عالم اليوم من جهة أخرى([4]).
استهداف مزدوج :

إن تأمل واقع العربية الفصحى يؤدي إلى رصد مظاهر التراجع الكبير في العقود الأخيرة، ولاسيما وهي ليست عرضة للتحدي الخارجي فحسب، بل تعاني أيضا من قصور أبنائها وتقصيرهم، لا في المجالات العامة والاستعمال في الخطاب والإبداع فقط، بل حتى في المجال التربوي والتعليمي الذي يعد مجالها الطبيعي، فهي إما مبعدة أو مهمشة في عدد من المؤسسات والمستويات التعليمية في معظم البلدان العربية، وإما تُعامل كأي لغة أخرى من حيث مناهج التدريس وطرق التلقين، بما يترتب عن هذين الموقفين من انعكاسات سلبية على أبناء الأمة، وعلى لغتهم الفصحى في آن واحد، وذلك ما يجعلها مستهدفة استهدافا مزدوجا، من الداخل والخارج، مع اختلاف طبيعة كل نوع منهما، ولكنهما معا يسهمان في معاناتها.
ولكي ندرك فداحة هذا الواقع المرير نقف عند نموذج نختاره من أكثر الدول العربية اهتماما بالعربية، وأحرصها على التعريب في الإدارة وفي التعليم، بما في ذلك التعليم العالي بجميع تخصصاته، وفي مقدمتها التخصصات العلمية الدقيقة التي تدرس في معظم البلاد العربية والإسلامية بالإنجليزية أو الفرنسية، مثل الهندسة والطب والصيدلة و النبات وما إلى ذلك، بينما تدرس هذه العلوم في هذه الدولة بالعربية وأعني بذلك دولة سورية، ومع ذلك لا تزال هناك شكوى من إهمالها حتى في هذه الدولة، كما في غيرها.
وهكذا نجد أحد الخبراء الممارسين للتربية والتعليم، على امتداد عدة عقود من السنين، يشكو من تهميش الفصحى وإيثار العامية في مجال التدريس، ويشير إلى العواقب الوخيمة لهذا الإهمال في الحاضر والمآل، ولاسيما بالنسبة للناشئة والأجيال الحاضرة التي هي عمدة الغد.
يقول هذا الخبير الذي قضى حياته في التدريس، عن المجال التعليمي والتربوي، وعن مكانة العربية الفصحى في المؤسسات العلمية، من معاهد وجامعات ودور علم، في مقال حديث جدا له إنه لا يخالجه الشك" أن التقصير فيه كبير، وكبير جدا إذ لا تكاد تجد معلما أو أستاذا في مراحل التعليم الثلاثي (ابتدائي، إعدادي، ثانوي) حتى الجامعي، يجيد التكلم بالفصحى بطلاقة، أو يبتدئ محاضرته ويستمر فيها إلى نهايتها دون أن يخلطها بالعامية([5]).
وأمام هذه الظاهرة السلبية يعبر هذا الباحث عن أسفه، ويؤكد وعيه بخطورة هذه السلبية التي كثيرا ما نَصَحَ بضرورة تجنبها بقوله.
" أقول هذا وقلبي يعتصر ألما إذ عانيت هذا الواقع المؤلم ربع قرن أو يزيد، حين ممارستي لمهنتي في تدريس مادة التربية الإسلامية في المرحلتين: الإعدادية والثانوية، في سوريا وخارجها.
وكم كنا ننبه إخوتنا المدرسين والمعلمين على ضرورة التزام الفصحى في دروسهم النظرية والعملية، ولكن ما كنا نجد آذانا صاغية، وكان خوفنا في هذا الجانب على الطلاب والتلاميذ، لأن إهمال الفصحى يرتد سلبا على ناشئتنا وأجيالنا الحاضرة والقادمة"([6]).
وهو ينبه على هذا التقصير تجاه الفصحى عمداً أو تجاهلاً عند فئات من المدرسين، ويحذر من خطورة نتائجه فيقول" إن هذا التعمد أو التجاهل للفصحى أمر خطير، ينبغي أن يكون التنبيه عليه مستمرا من الموجهين التربويين والمتخصصين في المواد الدراسية كافة، وفي مجالات حياتهم الفردية والأسرية والاجتماعية، وحتى في أحاديثهم العرضية... واليوم، وبعد مرور ثلاثين سنة لا ألمس إلا التدنيَّ، سواء في المجالات العلمية ومؤسسات التعليم، أو دوائر الحكومة ومخاطبة رجالاتها وكتاباتهم وتقاريرهم، فضلا عن وسائل الإعلام والصحافة التي تجاري السوقة... "([7]).
قد يكون هذا التقصير تلقائيا، ولكنه لا يخلو من خطورة، لأنه يدعم موقف المبشرين ومعظم المستشرقين وعدد كبير من المستغربين من العربية الفصحى، وهو موقف يقوم على التحامل عليها، والاهتمام باللجهات الإقليمية وتشجيع الدراسات الخاصة بها، وإغراء الطلاب والباحثين الشباب بإنجاز بحوثهم وأطاريحهم الجامعية بغير العربية الفصحى، وتحفيزهم على ذلك بتخصيص المنح لهم، وتوجيه وسائل الإعلام لتسليط الأضواء عليهم، وتنظيم الندوات والمدارسات واللقاءات في موضوعات وقضايا تتصل باللهجات، وتكتب تلك البحوث غالبا بلغات أجنبية، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على دليل الرسائل الجامعية التي أنجزها باحثون من البلاد العربية في مجموعة من الجامعات الغربية للوقوف على الكم الهائل، والتنوع الكبير في هذا المجال.
دعوة إلى التأني:

غير أنه ينبغي هنا عدم التسرع تجاه هذا الأمر، فدراسة اللهجات الإقليمية بدافع معرفي، وبمناهج علمية موضوعية، ولغايات نبيلة، تدعم وحدة الأمة ولا تفتت مكوناتها، أمر لا يمكن رفضه، لأنه عمل علمي يتيح كشف المجهول، وتحليل الظواهر والبحث في القضايا من منظور علمي محض،لا مجال فيه للعصبية أو التحامل على الآخر أو ما أشبه ذلك، ولكن المرفوض أو المذموم هو كل ما قام على روح عدائية مبيتة، ونزعة متحاملة متعصبة، وباعث ذاتي مغرض، وخلفية فكرية ملغومة بشحنات الكراهية والبعد عن التسامح ورفض الحوار، والرغبة في الإقصاء.
وهكذا فإن تبني موقف الانتقاص من الفصحى ورميها بالتقصير، تصريحا أو إيحاء، هو الموقف المرفوض، وهو الموقف الذي تبناه عدد من المبشرين والمستشرقين، ثم ورثه عنهم مجموعة من المستغربين فتفننوا في عرضه والدفاع عنه، والتوسع في نشره، والسعي إلى الإقناع بجدواه دون طائل كبير، لأن العربية الفصحى محفوظة بحفظ القرآن الكريم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكيف ولا وهي التي استوعبت الخطاب الرباني ومنهجه كما وجهه لعباده، عن طريق نبيه العربي الفصيح، ولا مجال هنا للموازنة أو المقارنة بين اللغة العربية الفصحى وأي لغة أخرى من اللغات المعروفة في العالم، قديما وحديثا، بما فيها اللغة اللاتينية التي عُدت لمرحلة زمنية طويلة اللغة الأكاديمية التي استوعبت الحضارة الغربية، لأن الفروق كثيرة ومتنوعة، والمسافة شاسعة بين هذه العربية الفصحى التي اختارها الله عز وجل لدستور آخر رسالاته للبشرية، وبين غيرها من اللغات، مهما تعددت المغالطات، وتنوعت التمويهات.
وهذا ما يستدعي البحث عن مظهار الحملة على الفصحى دون غيرها، والكشف عن نماذج من الأسلحة التي تسلح بها خصومها وراحوا يقذفونها بها من حصون داخلية وخارجية، من أجل الوقوف على مدى مصداقية تلك المواقف أو تهافتها، وتعميق الوعي بالقضية وأبعادها، والقيام برد الفعل المناسب الذي يفيد أمتنا ولغتها.
نماذج من دعوات المبشرين وأتباعهم:

لتوضيح طبيعة الموقف المتحامل على الفصحى ومعاناتها من معاول الهدم، وإدراك خلفية هذه الحملة وأبعادها، ومعرفة البديل الذي يتبناه أصحاب هذا التوجه، نقف عند نماذج من مجموعة من الآراء والدعوات عند المبشرين وأتباعهم.
لقد قامت هذه الدعوات على ثلاثة عناصر أو واجهات تتكامل فيما بينهما في موقفها من الفصحى، وتتضافر على خلق روح الإهمال حينا، والعداء حينا آخر تجاهها.
الواجهة الأولى: رمي العربية الفصحى بالقصور والعجز، ووصف قواعدها بالصعوبة والتعقيد بهدف التنفير منها.
الواجهة الثانية: الدعوة إلى استعمال العامية، لا إعجابها بها أو استحسانا، بل لاتخادها سلاحا لضرب الوحدة العربية الإسلامية، وإضعاف قوة الأمة، متمثلة فيما تحققه الفصحى من وحدة وتماسك، وهم يدركون أن الأمر لايقتصر على الألفاظ والعبارات المجردة، بل هو أبعد وأعمق من ذلك بكثير، ولا قيمة لما يدعيه أصحاب هذه الدعوات المغرضة من أن الفصحى تمثل مستوى صعب الفهم بالنسبة لبعض الفئات الاجتماعية التي تعاني من الأمية، أو ذات التكوين البسيط كالعمال والفلاحين وعامة الناس، وقد جند هؤلاء ما استطاعوا من وسائل الإعلام ذات الأثير القوي في النفوس، وعقدوا الندوات والملتقيات الثقافية، وحاوروا كبار الشخصيات من ذوي النفوذ والتأثير، وقدموا المسرحيات العامية، ونشروا الدواوين باللهجات المحلية، وأصدروا الكتب والدراسات وأضفوا عليها الطابع العلمي تمويها منهم، وخصصوا الجوائز التقديرية والتحفيزية لمن التزم بخطهم وسار في دربهم.
الواجهة الثالثة : إغراء الشباب الصاعد من أبناء الوطن العربي والإسلامي باستعمال اللغات الأجنبية بديلا للعربية الفصحى، وتنظيم المسابقات وتخصيص الجوائز لمكافأة المتفوقين في تلك اللغات، وربط دواليب دواوين الدولة بالغرب ولغاته، حتى يبدو الأمر وكأنه ضرورة حتمية لامناص منها.
خطورة هذه الأهداف:

وتبدو هذه الأهداف خطيرة جدا في هذا المجال، لأن إهمال الأمة للفصحى أوعدم استعمالها يعني سجنها، أو التقاعس في خدمتها والارتقاء بها، والوقوع ضحية التغريب أو الاستغراب، وتفضيل لغة الآخر بديلا، ومن شأن ذلك كله أن يجعل الأمة في هذه الحالة ضحية للتشتت، وفريسة للضعف، وذات قابلية للتنكر لمقومات هويتها.
وقد أدرك خصوم الفصحى خطورة دعواهم فراحوا يهيئون النفوس لتبنيها، فألفوا وكتبوا وحاضروا ووظفوا مختلف وسائل الإعلام المتاحة، ووجهوا الفنون توجيها منحرفا لخدمة أهدافهم، إلى غير ذلك من جهودهم ومواقفهم، ويكفي أن نستحضر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، جهود الدعاة إلى تبني العامية في البلاد العربية، فقد بدأت في مصر على يد بعثات المبشرين، وفي مقدمتهم المبعوث البريطاني وليم ولككس منذ سنة 1883م، وقد عمل مهدنسا للري بالقاهرة في الظاهر، ولكنه كان مبشرا في الوقت ذاته، وفي لبنان كان هناك المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي كان مستشاراً لوزارة الخارجية الفرنسية لشؤون المستعمرات في المشرق العربي، وكان هناك وليام جيفور دبلغراف الذي تبنى هذه الدعوة ونشرها كذلك، والقائمة طويلة، ولايختلف المغرب عن المشرق في تفشي هذه الدعوة الهدامة، غير أن الأخطر من ذلك هو تبني أبناء العروبة لدعوات المستشرقين والمبشرين، وسعيهم الحثيث بكل جرأة إلى التصريح عبر وسائل الإعلام، وخلال كتاباتهم وتآليفهم ومحاضراتهم إلى نشر أفكارهم على أوسع نطاق، ويكفي أن نذكر من بين تلامذتهم عبد العزيز فهمي الذي دعا إلى التخلي عن الحروف العربية وتعويضها باللاتينية كما فعل كمال أتاتورك في تركيا، بل ذهب عبد العزيز فهمي إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن صعوبة العربية ومشقاتها على الناس، وجعل ذلك سبب من أسباب تأخر الشرق، فقال " هذه المشقة تحملني على الاعتقاد بأن العربية من أسباب تأخر الشرقيين، لأن قواعدها عسيرة ورسمها مضلل" ([8]).
وهناك غيره، مثل سلامة موسى، وأنيس فريحة، وسعيد عقل، وميخائيل الصباغ صاحب كتاب (الرسالة التامة في كلام العامة) وكتاب (المنهاج في أصول الكلام الدارج).
وأما أقوالهم التي تعكس حقيقة دعواهم فكثيرة ومتنوعة، فهذا سلامة موسى ينطق بلسان أستاذه المبشر المهندس وليام ولككس، ويجمل دعوته بقوله: " والهم الكبير الذي يشغل بال (السيرولككس) بل يقلقه هو هذه اللغة التي نكتبها ولانتكلمها، فهو يرغب في أن تهجر ونعود إلى لغتنا العامية فنؤلف بها وندون بها علومنا وآدابنا" ([9]).
الأهداف وخلفيتها :

وهكذا تلتقي المدافع والطعنات من الحصون الخارجية والداخلية، باحثة عن تحقيق الأهداف وإصابة المقتل، وأما الأهداف فقد أجملها أحد المبشرين بدهاء وجرأة لا مزيد عليهما، وهو وليام جيفور د بلغراف، حين صرح بمكنون فؤاده، منبها على ما للقرآن ومكة من دور كبير في وحدة المسلمين وقوتهم، وهو ما يود فصلهم عنه ليندمجوا في الحضارة الغربية كما يدعي قائلا:
"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا عندئد أن نرى العربي يتدرج في سلم الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه" ([10]).
وذلك يؤكد أن أصحاب هذا الموقف قد تنبهوا إلى مابين الإسلام والعربية الفصحى من وشائج وروابط لا تنفصم، ومابين هذين المكونين وقبلة المسلمين من عُرى لا تبلى، وقد اعترف موريس لوجلي بأنه " ليس هناك إسلام حقيق دون نشر اللغة العربية"([11])، وذلك ما أكده المقيم العام الفرنسي بالمغرب الماريشال ليوطي حين صرح قائلا:
" إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن"([12]).
وإذ تأكد لديهم مدى الارتباط بين هذين العنصرين: القرآن والفصحى في حياة المسلم، راحوا يبحثون عن الوسائل الكفيلة بفصل أحدهما عن الآخر، ومحاولة إبعاده عن اهتمامات المسلمين لإضعاف الوازع الديني لديهم من جهة، وفصل أعضاء الجسم الواحد بعضها عن بعض لتوهينه من جهة أخرى.
تسرب اللهجات إلى الفنون والدور السلبي للإعلام:

غير أن هذه الجهود والمحاولات ظلت محدودة إلى حد ما، ولم تفلح ولم تحقق أهدافهم كما كانوا يتوقعون، وذلك لأسباب كثيرة، في مقدمتها سبب رئيس هو حصانة الفصحى، ولكن دعواتهم لم تحل مع ذلك دون إحداث شروخ وآثار سلبية في حياة الأمة، وقد انعكس ذلك بصفة عملية على المدى القريب وعلى المدى البعيد في آن واحد، على لغة العرب الفصحى، وتمثل ذلك بوضوح في تزايد الإقبال على استعمال اللهجات المحلية والعامية وإقحامها في عدد من الفنون، كالمسرح والرواية والقصة والشعر وغير ذلك، كليا أو جزئيا، وزاد من ترسيخ هذه الظاهرة تلحين الأشعار العامية وأداؤها على يد كبار المغنين بإيقاعات خاصة مؤثرة، لتتلقفها الأجيال من الشباب، ذكورا وإناثا، عبر وسائل الإعلام المسموع والمرئي والمقروء، فيزداد الإقبال على العامية التي تخاطب أحيانا العواطف لا العقول، وتثير الغرائز والشهوات، فضلا عن طرافة بعض اللهجات أو غرابتها، مما يغري بترديد النصوص وحفظ مقاطع منها على سبيل التقلي، أو استغراب غير المألوف، ولجأ كبار الروائيين والمسرحيين إلى المزج بين الفصحى والعامية في إبداعاتهم، كما كثر شعراء الزجل، ونتج عن ذلك لجوء عدد من المستشرقين الذين تولوا مهمة التدريس في بعض الجامعات العربية إلى توجيه طلبتهم لإجراء بحوثهم الجامعية في هذا الاتجاه لإضفاء الشرعية الأكاديمية عليها، ثم تلقفها عنهم تلامذتهم فيما بعد وتوسعوا فيها إلى أبعد الحدود.
وبالإضافة إلى هذا الأثر السلبي على الفصحى التي تكالبت عليها الحملات والاتهامات بالعجز عن مسايرة المنجزات الحديثة، علميا وصناعيا، وزعمهم عدم قدرتها على اللحاق باللغات العالمية، دون مراعاة إنجازاتها الفكرية الباهرة عبر التاريخ، وسعيهم إلى تسريب اللهجات إلى الحديث اليومي ومعظم الإدارات الرسمية، في مخاطباتها حتى لمواطنيها، ضداً على دساتيرها وقوانينها، وذلك دعما للغزو الثقافي، وتمكينا لاستمرار هيمنته، وتهييء النفوس لتقبل فكرة التغريب، والتسليم به واقعا لا مفر منه، وبذلك التقى سلاحان قويان هما: تفشي اللهجات في الفنون الإبداعية والغزو الثقافي وما يرتبط به من تغريب.
وهكذا تتضافر هذه المعاول كلها من تغريب وغزو ثقافي، ولهجات، وإشهار، وفنون، وإعلام، من أجل النيل من الفصحى، ومحاولة هدم مقومات شخصيتها، وذلك بسبب تفطنهم إلى ما تتميز به من مميزات، وما لها من فضائل نجمل أبرزها فيما يلي، لمزيد من الكشف عن الخلفيات القريبة والبعيدة لهذه الحملات.
من فضائل العربية الفصحى.

حين نتحدث عن العربية الفصحى لا نقصد تبني الاتجاه القومي، ولا التركيز على الجنس العربي، بقدر ما نريد عربية اللسان، وهي اللغة التي سادت بين أبناء الأمة الإسلامية، أتقنها العرب الذين عُرفوا بفصاحتهم، كما أتقنها الأعاجم الذين تعلموها وألفوا بها وخدموها، ولذلك فلا مجال هنا لأي عصبية عرقية أو جنسية أو قومية أو إقليمية، ولا ميزة للجنس العربي على غيره أبدا في هذا المقام، لأن الأمر ينصرف إلى اللسان العربي الذي اختاره الله عز وجل لقرآنه الكريم الذي تلقاه عنه النبي r بواسطة جبريل عليه السلام.
والواقع أنه يصعب حصر فضائل لغة القرآن الكريم أو تحديد مزاياها، لأنها كثيرة ومتنوعة، ولذلك سنقف عند مجموعة من النماذج التي تبرز فضائلها الكبرى، ومنها أنها :
1. لغة تعبد :

إن العربية الفصحى لغة تعبد، لاتجوز الصلاة بدونها، إذ لا تقبل صلاة بغير العربية، وهذا يجعل العبادة في حد ذاتها وثيقة الصلة بحياة الإنسان وواقعه اليومي المعيش، وليست طقوسا تؤدي في يوم معلوم، بطريقة محددة، في مكان خاص، بأي لغة ولو كانت لا علاقة لها بقضايا الناس وهمومهم وثقافتهم، كما هو الشأن بالنسبة للمسيحيين الدين يتعبدون باللاتينية التي تظل معرفتها محصورة في فئات محدودة من الناس، ويظل النص المتعبَّد به بواسطة تلك اللغة جامدا لاعلاقة تربطه بالمتعبَّد، لامن الناحية الروحية ولا من الناحية المادية أو الفكرية.
ودعاة التغريب يدركون هذه الحقيقة، ويعرفون مكانة العربية الفصحى من الإسلام، ويفهمون أبعاد هذا الارتباط العضوي، ولكنهم يستكثرون انعكاساته الإيجابية الكثيرة على نفوس المسلمين وهم يستعملون هذه الفصحى ويتعبدون بها في الوقت ذاته، ولذلك يسعون إلى إبعاد العربية الفصحى من صدارة اهتمامات أبناء الأمة.
2. وسيلة لربط حاضر الأمة بماضيها دون عقدة أو انغلاق:
إن العربية الفصحى وسيلة رئيسية لربط ماضي الأمة بحاضرها، عن طريقها تتمكن الأجيال المتعاقبة من فهم تراث أسلافها، وبها تستطيع أن تتواصل مع إنتاجهم وإنجازاتهم الحضارية، ماديا وفكريا، وبواسطتها تستوعب نظرياتهم، وتغوص على أسرار تاريخهم، وتصل إلى خلاصات مصنافتهم، وتستوحي القيم الفكرية الإنسانية النبيلة التي بنوا عليها صرح الحضارة الإسلامية الشامخة المتميزة.
وإذا كان أسلاف هذه الأمة قد صانوا لغتهم وحموها وقعدوا قواعدها، ووضعوا لها الشواهد والأمثلة، وواجهوا كل محاولة للنيل منها، وضبطوا استعمالاتها بها يكفل لها الاستمرار والسلامة من كل نقص أو ضعف، وتفانوا في خدمتها باعتبارها لغة القرآن الكريم، مصداقا لقوله تعالى: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون( (سورة يوسف، 2).
فإنهم لم يغلقوا الأبواب، ولم يحولوا دون معرفة اللغات الأخرى، بل ظلوا منفتحين على غيرهم، يتبادلون الأخذ والعطاء، ويتفاعلون مع فكرالآخرين ولغاتهم دون عقدة أو تشنج أو عصبية، ولعل ازدهار الترجمة عبر العصور في المشرق والمغرب خير دليل على ذلك.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للسلف، فمن الواجب على الخلف، وهو ينفتح على مختلف اللغات والأفكار والتيارات، أن يظل محافظا على هذه الأمانة، متشبثا بالحرص على حماية لغته، والتصدي لكل حملة مغرضة تتوخى النيل منها، ولاسيما وهي، بالإضافة إلى كونها لغة القرآن الكريم الذي حفظه الله تبارك وتعالى مضمونا ولسانا، من أقدم لغات العالم، استعمالا متصلا منذ القديم إلى اليوم، بحيث نستطيع قراءة مختلف النصوص وفهمها منذ ماقبل الإسلام إلى حاضر الناس هذا، وستظل كذلك مستقبلا، خلافا لأي لغة أخرى، بما فيها اللغات الحية التي توصف بأنها عالمية، فقد تطورت هذه اللغات تطورا سريعا جداً، ولكن بطريقة تفصل بين ماضي هذه اللغات وحاضرها، ليس على المدى البعيد فقط، بل على بعد قرنين أو أقل، بحيث يصعب، إن لم يكن مستحيلا، على الطالب اليوم أن يفهم لغة القرن السابع عشر أو الثامن عشر في فرنسا أو إنجلترا أو غيرهما إلا بوسائل مساعدة كثيرة، فبالأحرى إن تجاوزنا تلك المراحل إلى ماهو أقدم منها.
ولسنا هنا بصدد البحث عن طبيعة هذا التطور وأسبابه وانعكاساته، بــــقدر ما نود أن نؤكد أن العربية الفصحى وإن تطورت وارتقت وأخدت وأعطت، فقد ظلت بفضل قواعدها وضوابطها وأسس التطور والاغتناء الخاصة بها حية مستمرة، مستعملة مفهومة متداولة ومواكبة للمستجدات، وإن كان أهلها قد فرطوا فيها وقصروا في خدمتها فبسبب مجموعة من الظروف القاسية والإكراهات المتعددة التي توالت عليهم، ولو بذلوا المزيد من الجهود في خدمتها لكانت اليوم أرقى مما عليه بكثير، ولعم استعمالها في جميع المحافل، والأمل كبير في الصحوة الحالية وتطلعاتها المستقبلية.
3. أداة لفهم الإعجاز البياني للقرآن الكريم وإدراك أسراره:
يجمع مفكرو الأمة قديما وحديثا على أن إدراك أسرارالإعجاز القرآني عامة، والإعجاز الفني البياني فيه خاصة، لايمكن أن يتحقق إلا بالبراعة في العربية، وامتلاك حاسة الفصاحة، أما بغير العربية فيظل الأمر مجرد ترجمة لمعاني القرآن الكريم، ولذلك فمعرفة العربية الفصحى والتشبث بها واجب على جميع المسلمين، وهذا الوجوب يلقي على عاتق الأمة العربية مسؤولية تعريب المسلمين من أصل غير عربي ليتذوقوا الإعجاز الفني الراقي في القرآن الكريم، ولتحقيق المزيد من التواصل.
وإذا كان الدكتور محمد عمارة يؤكد على سبيل المثال أن الإيمان بالإعجاز القرآني " مرهون بازدهار الحاسة إلى قيمة ملحوظة في الحضارة الإسلامية، ومن ثم فإن البداهة قاضية بأن يكون القرآن داعيا يزكي تنمية الحاسة الفنية لدى المسلمين"([13]). فإن هذه القضية على صحتها والإقرار بأهميتها لايمكنها أن تتحقق إلا بإتقان العربية الفصحى، لغة القرآن الكريم، والارتقاء بالذوق الفني لإدراك أسرارها والغوص على مكامن الجمال لدى الناظرين في البلاغ القرآني.
وقد نبه على ذلك عدد من دراسي الإعجاز القرآني من الناحية البيانية في القديم أيضاً، وفي مقدمتهم الباقلاني (ت 403هـ) الذي أكد " أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يَعْلموا أن العرب قد عَجزوا عن ذلك، فإذا عرفوا هذا، بأن علموا أنهم تحدوا إلى أن يأتوا بمثله، وقُرِّعُوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به، تبينوا أنهم عاجزون عنه، وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز"([14]).
وهذا لايعني أن المتعمقين في العربية من غير أهلها يعجزون عن إدراك سر الإعجاز والوقوف على مظاهره، فتحصيل القدر الكافي من العربية يجعل العربي وغير العربي في ذلك سواء، بل إن كثيرا من العجم تفوقوا على العرب، كما أن كثيراً منهم خدموا القرآن الكريم وبرعوا، في علوم الإسلام، وقدموا الشيء الكثير للغة العربية، بما حصلوه من ثقافة عربية إسلامية عميقة، أكثر مما فعل العرب الأقحاح أحيانا، وكذلك الأمر بالنسبة لأبناء العربية الذين لا يتقنونها ولا يغوصون على أسرارها، فإنهم سيظلون غير قادرين على إدراك أسرار الجمال البياني، ولايستطيعون وضع أيديهم على النماذج الزاخرة منه.
4. عامل توحيد والتئام :
إن العربية الفصحى عامل توحيد والتئام، بخلاف اللهجات الإقليمية، والعاميات المحلية التي تفرق وتؤدي إلى الاختلاف.
5. عنصر قوة:
إن اللغة الموحدة تسهم في توحيد مفاهيم العقيدة، وتؤدي إلى المزيد من التقارب والتواصل بين أبناء الأمة دون حواجز، وذلك كله يشد من عضدهم ويقوي وشائج الصلة فيما بينهم.
هذه وغيرها أسباب واضحة كانت ولاتزال وراء ما تواجهه العربية الفصحى من تحديات وهجمات متعددة، فكيف يمكن لكل من الإعلام والفنون خدمة الفصحى والارتقاء بها، ومواجهة هذه التحديات؟
تلقي الإعلام وتلقي الفنون :
يعتمد الإعلام في إبلاغ رسالته إلى المتلقي على عدة وسائل، وهي كلها فاعلة ومؤثرة، كالصورة والكلمة وما يحملانه من إيحاء وتخييل، وبغض النظر عن طبيعة الصورة ومضمونها، ومحتوى الكلمة، فإن ما يزيد الأمر تأثيرا هو التفنن في العرض، وتكرارالخطاب وتلوينه لترسيخ المراد في النفوس، وذلك على الرغم من تفاوت قابلية التلقي لدى الجمهور، بحسب المستوى الثقافي، والسن، والجنس، والمستوى الاجتماعي، والاقتصادي، والبيئة، وغير ذلك من الاعتبارات.
ازدواجية الإعلام والفن :
وإذا كان تلقي الفنون قد يتحقق مباشرة دون واسطة، كما هو الحال بالنسبة للعروض المسرحية المباشرة على خشبة المسرح، أو تلقي الشعر من منشده مباشرة، فإن الإعلام بمختلف أشكاله ووسائله يمثل في الغالب وسيلة من وسائل الإبلاغ أو الإرسال، ويساعد على توسيع دائرة التلقي، من السرعة وشدة التأثير، كالمذياع أو التلفاز أو السينما أو الصحيفة وغير ذلك من الأنواع، وهي كلها ذات تأثير سحري كبير باعتبارها أيضا وسائل للتلقي في الوقت نفسه؟
فما قيمة كل من الإعلام والفنون وما دورها في خدمة اللغة العربية؟ ونقصد العربية الفصحى بصفة خاصة؟ وكيف يتأتى لهما دعمها والنهوض بها؟ وماهي الصلة بينهما؟ وما مدى تضافرهما لأداء مهمتهما؟
لاينكر أحد ما للإعلام بمختلف وسائله وأنواعه من أدوار خطيرة في التأثير في المجتمعات وتوجيهها، ولايقتصر الأمر على الخطاب العام وأهدافه، والرسالة المتوخاة منه، باعتباره حمولة فكرية موجهة إلى فئة معينة محدودة، أو إلى عموم المجتمع، كالإشهار على سبيل المثال، من حيث طبيعته ووظيفته، بل يتجاوز ذلك فيشمل لغة الخطاب أيضا، ومن المعروف أن كثيرا من الألفاظ والعبارات تروج ويتسع تداولها بتأثير وسائل الإعلام، وما توظيفه من طرق متعددة في الإغراء والإقناع، واستهداف مختلف قوى المجتمع وإحساساته وعواطفه، عن طريق التكرار وتلوين الخطاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، واختيار القوالب اللغوية المناسبة مثل العبارات المسكوكة التي يرددها الناس استظرافا لها.
وعلى الرغم من اختلاف وسائل الإعلام من حيث طبيعتها وأداة خطابها، مابين إعلام مرئي، ومسموع، ومكتوب مقروء، أو مصوَّر مشاهد، فإن هناك مجموعة من القواسم المشتركة التي تتضافر فتزيد الإعلام فاعلية وتأثيرا، ليس فقط من أجل التوجيه الفكري الإيديولوجي، أو الإقناع بأمر ما، أو زيادة الاستهلاك المادي، بل بتحقيق أهداف أخرى قد تكون خفية غير واضحة للجميع.
ومن المعلوم أن مختلف وسائل الإعلام قد ارتقت اليوم وتطورت بسرعة فائقة، مستفيدة من الإنجازات الحديثة التي تحققت في المجال السمعي البصري، ومما حققته الثورة التقنية المعاصرة من إنجازات باهرة تزيد من فاعليته وتأثيره، ومن سلطته أيضا.
وهكذا فما يزيد الأمر خطورة أن الإعلام وهو يزدهر ويتطور كما وكيفا وقد غدا حاملا للفنون وخطاباتها، حاضنا لألوان الخطابات، وهذا الدور المزدوج يزيد من قوة سلطته، ويمنحه إمكانات زائدة للتأثير، فإذا تم توظيفه إيجابيا أمكن له أن يحقق ما يفيد المجتمع ويوحده، ولاشك أن استعمال الفصحى سيتيح لامحالة التقارب بين المجتمعات العربية وتقويتها، ومواجهة التحديات بمواقف أكثر وحدة وقوة.
الإعلام والفنون أسلحة ذات حدين:
لاخلاف في أن الإعلام والفنون تعد من أهم وسائل التواصل في عالم اليوم، ولا سيما أمام الانفجار الإعلامي والقفزات التقنية المتوالية في مجال المعلوميات، وتعدد القنوات الفضائية، وتنوع منابر الإعلام الحديثة، فضلا عن الوسائل القديمة المحافظة، مع مايلاحظ من سرعة في الانتشار، وتنافس إبلاغ الخطاب، ومما لاشك فيه أن هذه الإنجازات الحديثة تعد مكسبا للإنسانية جمعاء، كما أنها عامل تقارب وتفاهم إذا ما أحسن توظيفها وترشيدها.
وإذا كانت أمتنا إلى اليوم لاتعدو أن تكون مستهلكة، ولم تستطع بعد أن تشارك في إنتاج هذه التقنية([15])، فإن الأخطر من ذلك يتمثل في الحمولة التي تتولى مختلف وسائل الإعلام ومختلف الفنون إيصالها إلى مجتمعات أمتنا، فكثير منها، بل معظمها مخالف، بل مناقض لمقومات هويتنا، ومن المؤسف أنه لايتم التنبه إلى الجرعات ولا إلى اللوحات التي تمر عبرالإشهار أو البرامج المتنوعة، إلى مختلف الأجيال من الجنسين، ولعل الأكثر خطورة هو أن ذلك لا يتم في الغالب إلا بلغة أجنبية، وهذا ضرب من الغزو الفكري وتشجيع على الاستغراب من ناحية، أو بلهجة محلية لجهة ما، وهذا إهمال للفصحى وترسيخ للنزعة الإقليمية من جهة أخرى، ونادراً ما تكون اللغة العربية الفصحى هي الأداة المستعملة، وهذا يؤكد استمرار هيمنة الغزو الثقافي، وتنوع تحدياته لمشاعر أبناء الأمة وقيمهم في عقر دارهم، من جهة، وأما لجوء معظم وسائل الإعلام العربية نفسها إلى تبني اللهجات وسيلة للإبلاغ بدل العربية الفصحى، لا في حالة الإنتاج، ولا في حالة الترجمة في الغالب، فمما يؤكد عدم الوعي لدى عدد من المنتجين والساهرين على تسويق المنتوج الفني بخطورة النتائج والانعكاسات المترتبة على ذلك من جهة أخرى، وهذا مما قد لا تستحضر عواقبه الوخيمة إلا بعد أجيال.
العلاقات الجدلية بين الأجيال والفنون :
ومما يزيد من فداحة الأمر، تلكم العلاقة الجدلية بين الإعلام والفنون، فأحدهما يخدم الآخر إلى حد كبير، فالفن يصل اليوم إلى أي جهة من أنحاء العالم الذي تضاءلت فيه المسافات في وقت وجيز، وعلى مدار اليوم دون توقف في الغالب.
والنتيجة تتمثل في الخسائر الفادحة التي تتكبدها الأمة دون ذنب من أبنائها، فهي من ناحية لاتزال ضحية للغزو الفكري الذي يخرب عقول أبنائها، ويسهم في تحقيق الانفصام في شخصيتهم، بما يتبع ذلك من تمرد تدريجي، وتنكر للقيم الأصيلة ولو عن غير وعي، وإهمال لكل مايوحد أو يشدُّ من أزرالأمة، وفي مقدمة تلك العناصر والمكونات العربية الفصحى باعتبارها لغة القرآن، هذا فضلا عن تفشي ضعف نزعة الحياء، والتعود على ما يخالف مقومات هوية الأمة، لأن الخطاب الذي يضطلع الإعلام بإيصاله، من خلال مختلف برامجه ووصلاته المتنوعة، يُساعد على ترسيخ ذلك في النفوس، إما بدافع التقليد، وإما بتأثير من التكراروالتفنن في تلوين الحمولة وتشكيلها، والإغراء الكبير بتقبلها، لتغدو بالتدرج وكأنها من الأمور العادية، أو مسلمة من المسلمات.
ومن هنا كان الإعلام بمختلف أنواعه، والفنون على تعدد أشكالها وقوالبها، أسلحة ذات حدين، يمكنها أن تضطلع بعدد من الأدوار الإيجابية لصالح الأمة وأبنائها، ويمكنها أن تكون في الوقت ذاته أدوات للهدم والتخريب، أوالتفريق وتوسيع الهوة بين مجتمعات الأمة الواحدة، وما أخطر هدم العقول وتخريب الأفكار، لأن التئامها صعب وعسير، وقد يكون مستحيلا، خلافا لهدم العمران الذي يمكن ترميمه بسهولة.
انعكاسات سلبية :
ويكفي تتبعُ عادات أبنائنا وبناتنا اليوم، وفي مقدمتها العادات اللغوية، ورصد ما يقومون به من أعمال وممارسات، وتحليل خطابهم فيما بينهم، ومع أولياء أمورهم، وهو خطاب غالبا ما يتم بلغة أجنبية عند معظمهم فضلا عن اللباس المائع، والعادات السيئة، مع بذاءة المعجم اللغوي، وانحلال المجتمع، لأن المنظومة واحدة، بالإضافة إلى انتشار الجريمة، وتفشي المخدرات، وما إلى ذلك من السلبيات التي لا تحد، وكلها تؤكد تنكر مجموعة كبيرة من أبناء الأمة لقيمها وأصولها، بما في ذلك العربية الفصحى ذات التاريخ الفكري المجيد، والإنجازالحضاري المشرق.
الدور الإيجابي للإعلام والفنون :
فكيف يتحقق الدورالإيجابي للإعلام والفنون في المجتمع العربي والإسلامي؟ وكيف يمكنها الإسهام في النهوض بالفصحى ومواجهة الغزو الثقافي والفكري الذي يهدم العقول، ويخرب الأفكار، ويضعف النفوس، ويثبط الهمم، ويحدث الشروخ العميقة بين أبناء الأمة ومقومات هويتها؟ وكيف يمكنها الحد من استعمال اللهجات والعاميات المحلية التي تفرق ولا توحد؟ وتضعف ولا تقوي؟ وتباعد ولا تقارب؟.
لا ينبغي الاستسلام لما يردده بعضهم من أن تكرار استعمال اللهجات يمكن أن يساعد على إتقانها وتوحيد ألسنة الناطقين بها، فهذه مقولة لا أساس لها من الصحة، لأنها ترسيخ للنزعة الإقليمية، ودعم للذاتية الضيقة، وعون على العصبية الجهوية، وهي قبل ذلك وبعد حائلة دون وحدة اللسان، ووحدة الخطاب، ووحدة الفهم والإفهام، كما أنها حاجز دون الوحدة الشمولية التي ينشد المصلحون من أبناء الأمة تحقيقها عربيا أولا، ثم إسلاميا.
إن استعمال العامية جهويا في التعبير عن اليومي المعيش، أمر مشروع، ولكن حين يتم التشبث بالعامية بدافع من العصبية، والنزعة المتحاملة، والنية المبيتة التي ترفض كل ما يوحد، وتقف في وجه كل ما يقوي الأمة، حينئذ تغدو القضية ملغومة منذرة بالخطر، مهددة لكيان الأمة.
وأن اللغة هي المظهر الحضاري لأي أمة، فإن السعي إلى تقريب الهوة بين العربية، ولهجاتها اليوم، بتبني عربية فصحى بسيطة ميسرة لجميع الفئات لا تحول دون فهم عامة الناس للمراد في مختلف البيئات و المستويات لهو أمر مطلوب ومحمود، ولاسيما مع تفشي الأمية التي تكاد تتجاوز النصف من ساكنة العالم العربي والإسلامي في بعض الجهات، وتلك آفة أخرى، وسلبياتها عديدة، وانعكاساتها كثيرة وخطيرة على حياة الأمة في عصرنا هذا.
إن الأمية لعقبة كأداء تقف في وجه تحقيق الوحدة اللغوية بين شعوب العالم العربي والإسلامي، وتحول دون التطور الثقافي، أو الارتقاء بالمستوى العلمي ولغته الفصحى الموجهة، ولذلك فإن المؤسسات الرسمية لتجاوز هذه المعضلة والقضاء عليها، ينبغي أن تقوم بالدور المنوط بها لمواجهة هذه العقبة ومن المؤكد أن الإعلام والفنون يعدان معا وسيلتين ناجحتين في تحقيق هذا الهدف النبيل، بما يعتمدانه من وسائل الإقناع والتأثير والجذب، وفق مخطط منهجي عام، ولكونهما يتآزران ويتضافران، ويخدم أحدهما الاخر، ويزيد من سحره وفاعليته.
فكيف يمكن للإعلام والفنون خدمة الفصحى ونشر لغة مشتركة ميسرة للجميع؟
لغة الأداء في الفنون بين موقفين:
إن تحقيق هذا الهدف مرتبط بطبيعة الفنون والإعلام في آن واحد، ومدى تغلغلهما في النفوس، ولاسيما مع شدة تأثيرهما وقوة سلطتهما، إذا ما تم الاقتناع بذلك لدى الفاعلين وأصحاب القرار في هذا المجال، وتوحدت الإرادة السياسية مع توجه الرأي العام، وهذه نماذج من الآراء التي تتبنى هذا الموقف.
يقول الأستاذ عبد الله الطنطاوي في تقديمه لديوان الشاعر عبد الله عيسى السلامة، متحدثا بإيجاز عن أهمية الفنون وحاجة المجتمعات الإنسانية إليها، لما لها من أدوار ووظائف متعددة.
لست أدري ما إذا كان في دنيانا مَنْ يُماري في أهمية الفن بعامة، والأدب بخاصة، في نشر الأفكار والمبادئ والتبشير بها، خاصة ونحن نرى الكثير من المذاهب الفكرية والفلسفية والسياسية تنتشر في أوساطنا ومجتمعات مثقفينا عن طريق الفن، قصة ومسرحية وشعرا وتصويرا وموسيقى...([16]).
فإذا توحدت لغة الفنون، تهيأت الظروف لخدمة هذه اللغة والارتقاء بها، وكان في ذلك حفظا له، لأنه يكسبها قدرة على مواجهة التغريب والغزو الفكري، وحينذاك تستطيع أن تفرض نفسها على المجتمع، وتواجه التحديات. وما يهمنا في هذا المجال هو لغة الأداء في الفنون، وما يرتبط بهذا الموضوع من إشكالات، ولا نقصد هنا ما يتخلل لغة الإعلام والفنون من أخطاء فادحة شائعة تتجاهل قواعد اللغة وضوابطها، فهذا موضوع آخر، بقدر ما نهتم بلغة الأداء التي يتحقق بها التواصل من حيث طبيعتها، ونعني بها الفصحى بالذات.
لقد أثارت لغة الأداء في الفنون جدلا واسعا أدى إلى انقسام وجهات النظر لدى الأدباء والنقاد والدارسين بصفة عامة، وإلى اختلاف المواقف من هذه اللغة وطبيعتها لدى معظم الدارسين والمهتمين، ويهمنا منها في المجال الذي نحن بصدده موقفان لم ينتهيا إلى الآن، ولم يتم الحسم فيهما بعد إلى اليوم.
أولهما: يدعو إلى المزاوجة بين الفصحى والعامية، ولا سيما في الحوار الذي نتوسل به الفنون، كما هو الشأن بالنسبة للقصة والرواية والمسرحية، حتى يتحقق الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور القارئ على أوسع نطاق.
ثانيهما: معتدل، يتشبث بالعربية الفصحى وحدها، باعتبارها لغة الأداء المناسبة في هذه الفنون الثلاثة وفي غيرها، مع إمكان تبسيطها في عملية السرد، وكذلك في الحوار الذي يدور بين الشخصيات، ليكون مطابقا لواقعها ومستواها. ولا نريد أن نعرج على مواقف أخرى لا تخلو من تشدد في هذا الاتجاه أو ذاك([17])، وإنما نقف عند هذين الاتجاهين لما فيهما من اعتدال، ولكن لا لنقف من خلالهما على طبيعة الصراع الذي كانت تثيره هذه القضية ولازالت بين مجموعة من المدافعين عن هذا الموقف أو ذاك، بما يرتبط بذلك من حساسية وأبعاد ودلالات وانعكاسات متعددة، بل من أجل إبراز أهمية الفنون في توحيد الأمة إن هي خاطبت أبناءها بلغة واحدة راقية، تحقق التفاهم والتواصل بدون أي حواجز، وليس أفضل من الفصحى أداة للخطاب والبيان، وللتلقي والتبيُّن.
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن الإعلام وطبيعة اللغة التي يتوسل بها في إبلاغ خطابه إلى الجماهير التي غدت متسعة مع تعدد الأقمار الاصطناعية وكثرة القنوات الفضائية، وتسابق القنوات العربية والإسلامية إلى الاندماج في هذه المنظومة، ولا سيما بالنسبة لبرامجها الموجهة إلى الأمة بأسرها، إذا كانت لها بالفعل برامج خاصة، وأخرى عامة، وأهداف محددة.
وهذا على سبيل المثال رأي واحد من الدارسين الممثلين للاتجاه المعتدل، هو الأستاذ أنور المعداوي الذي عرض لطبيعة الخلاف بين أصحاب الموقفين، وأبرز دور اللغة وطبيعتها في تقوية التواصل، فقد قال مشيرا إلى أهمية اللغة، وإلى طبيعة الإشكال في هذا الخلاف ولا سيما بالنسبة للفنون:
"محور الخلاف الذي تدور حوله المعركة هو اللغة، اللغة التي يعبر بها كاتب القصة وكاتب المسرحية، إنها خيط الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور القارئ، وإذا ما تعرضت هذه الخيوط الاتصالية لبعض ألوان التعقيد في النسيج الفني تعقدت معها بالتبعية عملية التجاوب الفكري والشعوري بين جهاز الإرسال والاستقبال، أعني بين منتج الفن ومتذوق الفن"([18]).
وبعد تشخيص طبيعة هذا الخلاف يعبر الأستاذ أنور المعداوي عن رأيه، ويحدد موقفه بكل وضوح وشجاعة، معلنا تشبثه بالفصحى في هذه الفنون جميعها، معللا الاتجاه الذي يتبناه وينادي به ويدعو إليه في السرد والحوار قائلا:
"نحن في اتجاهنا النقدي الذي ننادي به، نرى أن تكون عملية السرد في القصة باللغة الفصحى، على أن تكون مبسطة، بحيث لا يصعب فهم تعبير معين على رجال الشارع أو أنصاف المتعلمين.
أما الحوار الذي يدور بين الشخصيات، سواء أكان ذلك في القصة أو المسرحية، فيجب أن يكتب بنفس اللغة التي تنطق بها الشخصيات في الواقع المعيش، أو بتعبير آخر، بلغة حياتها اليومية، ولنا من وراء ذلك هدف مزدوج، هو أن نضمن سلامة المفهوم الفني لعملية التصويرالقصصي من جهة، وسلامة التحقيق الفعلي لظاهرة التجاوب الجمهوري مع مضمون الأدب مـن جهــــة أخرى"([19]). أما لماذا كانت القصة والمسرحية بالذات أكثر من غيرهما ميدانا للخلاف أو ميدانا للمعركة؟ فتساؤل وجيه يطرحه الكاتب نفسه ثم يجيب عنه بقوله: "لأنها أكثر فنون الأدب على الإطلاق رواجا في عصرنا، وأصدقها تعبيرا عن الواقع الاجتماعي للشعوب، وأبعدها دلالة على المستويات النفسية والعقلية للجماهير، وأحقها تبعا لذلك بتحمل الدور القيادي الذي يمكن أن يؤديه الأدب للفرد والمجموع"([20]).
وأما لماذا تبنى اللغة الفصحى في هذه الفنون، مع مراعاة التبسيط؟ فيرجعه هذا الناقد نفسه إلى ضرورة تفنيد فنون الاتهام التي تنطلق من أفواه المعارضين الذين يشجعون اللهجات الجهوية والدارجة المحلية من جهة، ومن جهة أخرى لسدِّ الطريق أمام كل عاجز عما يسميه الأداء البليغ لاستعمال اللهجة فيغدو واحدا من حملة الأقلام، وهو يرى في هاتين الحالتين معا خطرا "على وحدة الفهم المشترك بين القراء العرب، وهي الوحدة التي تحققها لهم تلك اللغة الفصحى التي يعبر بها الأدب في كل أقطار العروبة... وذلك لأن اختلاف اللهجات المحلية بين قطر وآخر، كفيل...بأن يخلق مجموعة من حواجز التمثل المعنوي للتعبير بين كاتب من هنا وقارئ من هناك"([21]).
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من أبعاد وأهداف وحدودية، يؤكد الأستاذ المعداوي بكل قوة صلاحية اللغة الفصحى في هذا المجال، باعتبارها اللغة الملائمة للمسرحية الأسطورية والتاريخية بدون جدال([22])، والوسيلة الأدائية المناسبة للحوار أيضا.
وبالنظر إلى هذه الاعتبارات جميعها فهو يلح على ضرورة استعمال اللغة الفصحى في الفنون مع التشبث بها بالمواصفات التي سبق ذكرها، وأما ما يقترحه من تبسيط في إطار الفصحى، فلا يتنافى والجمال، بل هو يرى أن الجمال يتنافى مع التعقيد والغموض والمساحيق الزخرفية اللفظية التي تسيء إلى الأسلوب([23]).
ولأن اللغة الفصحى عامل توحيد، وأداة تواصل وتفاهم بين جميع أبناء العالم العربي، فإن الأستاذ أنور المعداوي متفائل بالمستقبل الذي ستذوب فيه الحواجز من لهجات وغيرها، لتعم الفصحى أرجاء الوطن العربي، وستضطلع الفنون حينذاك بالدور البارز في تحقيق هذا الهدف الذي يصوغه بقوله:
"ونحن نومن بأن المستقبل القريب سيحطم من تلقاء نفسه كل الحواجز الفاصلة بين القراء العرب، يوم أن تصبح الوحدة المرتقبة بين الأقطار العربية عاملا جوهريا من عوامل الاتصال في مختلف ألوانه، ومنها الاتصال اللغوي الذي يحقق وحدة الفهم المتبادل... وعندئذ يستطيع الكاتب القصصي أو المسرحي مهما كانت جنسيته العربية أن يخاطب القراء العرب في كل بقعة من الوطن الكبير باللغة الفصحى... " ([24]).
وهذه الحقيقة الساطعة التي يتجاهلها دعاة التفرقة، والمتشبثون باللهجات، والمستغربون، نجد عددا من كبار دعاة الإصلاح المتفانين في تحقيق وحدة الأمة، ومجموعة من كبارالمجمعيين أيضا يتبنونها ويدافعون عنها، وفي مقدمتهم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور المعروف بتجربته الواسعة في مجال اللغة والأدب، ففي بعض دراساته لجوانب من الشعر والقصة، أشارإلى مشكلتين كثيرا ما أثيرتا وكانتا موضع أخذ ورد، وهما مشكلة متن اللغة، ومشكلة تيسير الكتابة العربية، وهو يدافع عن العربية ويرفض ما رُميت به من قصور، ويرده إلى أبنائها لا إليها([25])، ويتطلع إلى تقريب الهوة بين لغة التخاطب ولغة الكتابة في الفنون، ويعبر عن ذلك بقوله، رابطا بين الإعلام والفنون:
"ونرقب أن تقترب ما أمكن لغة التخاطب مع لغة الكتابة، وأن تتوثق الوشائج بين الناطقين بالضاد في مختلف الأقطار، وأن تتضاءل الفوارق بين اللهجات، ذلك لأنَّا نعيش في عصر التعليم والثقافة الشعبية، في عصر الصحافة والسينما، في عصر الإذاعة والتلفزيون، فتُكافح الأمية ويُنشر التعليم في مختلف البلاد العربية"([26]).
ويبدوهذا الباحث متفائلا جدا بإمكان تحقيق ذلك التقارب الذي سيكون لصالح الفصحى، ويرى أننا نستطيع ذلك "إن أردنا أن تستعيد العربية مكانتها التي حظيت بها في الماضي، وأن تؤدي رسالتها كاملة بين اللغات العالمية الكبرى"([27]). "ولاسيما وهي ليست لغة عادية، لأنها لغة الدين والدنيا، والعبادة والسيادة، وإذا كانت اللغة، كما يقول هذا الباحث نفسه، تستمد قداستها من وحي السماء، أو من إجماع أهل الأرض، فإن العربية قد جمعت بينهما معا، فبها أنزل القرآن وبها حفظ، ونشأت حوله دراسات لغوية متنوعة، وهناك طقوس دينية لابد للمسلم أن يستخدم فيها ألفاظا وجملا عربية، كيفما كانت لغته الوطنية"([28]).
وهذا ما يجعل العربية الفصحى لغة عالمية تبعا للإسلام الذي يعد دينا عالميا، وهذا ما يجعل استعمالها يتجاوزحدود البلاد العربية ليعم جميع أنحاء العالم، وإلى ذلك يشير الدكتور إبراهيم بيومي مدكور أيضا حين يؤكد " أن اللغة العربية كانت لغة عالمية منذ عهد بعيد، وفي وسعها الآن ألا تقف عند العالم العربي، وأن تمتد إلى بنيات ومجتمعات أخرى في آسيا وإفريقيا"([29]).
ونعتقد أن منظمة الإيسيسكو مؤهلة للقيام بهذا الدور النبيل، لتكون وسيطا في اضطلاع الأمة العربية بتعريب الأمة الإسلامية، بل وفي نشر العربية في جميع أنحاء العالم.
من الفنون إلى الإعلام : (اقتراح)
على الرغم مما سبقت الإشارة إليه وتم تأكيده من أن العلاقة بين الفنون والإعلام قائمة على التكامل، لأن أحدهما يخدم الآخر، فإنه لابد من التمييز بين نصيب كل منهما، فإن كان الإبداع في مختلف الفنون قد حقق مستوى رفيعا من حيث الكم والكيف، فإن الأمر ليس كذلك في مجال الإعلام، لأننا في وطننا العربي والإسلامي عامة لا نعدو أن نكون مستهلكين، بل يكاد إعلامنا يكون موجها من قبل الإعلام الوافد الذي لا يتورع عن خلخلة التوازن الاجتماعي والقيم الثقافية الداخلية للأمة.
وإذا كنا قد ألفنا الحديث عن الغزو الثقافي فإن هناك أيضا غزوا إعلاميا لا يتورع عن تشويه حضارتنا، ولكن على الرغم من وعينا بهذا الأمر فإننا متمادون في مسيرتنا العادية، دون أن نتجرأ على التغيير أو التعديل، إلا على نطاق ضيق جدا، وهذا التنبيه مزدوج من حيث مصدره ومن حيث الجهة التي يوجه إليها، فالغزو الإعلامي يغزونا في عقر دارنا، وهو في الوقت نفسه يسعى إلى تشويه صورتنا وحضارتنا في الغرب عند الآخر أيضا، ويكفي أن نقوم برصد صورة العالم العربي والإسلامي في الإعلام المعاصر"([30])، للوقوف علي جوانب كثيرة من هذا الواقع المؤلم.
وإذا حصرنا الموضوع فيما نحن بصدده، سنجد قضية اللغة والإعلام غائبة أو تكاد، فعلى الرغم من تدارس مجموعة من القضايا الوحدوية، والمشكلات العربية والإسلامية القائمة، وإثارة عوامل الوحدة وأسباب الفرقة، فإن المسألة اللغوية تظل بعيدة عن الاهتمام، على أهميتها، ويكفي أن نطلع على التوصيات التي تضمنها البيان الختامي لآخر ندوة علمية في هذا الموضوع تم تنظيمها في المملكة العربية السعودية في موضوع: "صورة الإسلام في الإعلام المعاصر"([31]) في أواخر سنة2001. فهي تثير كثيرا من القضايا والمشكلات باستثناء قضية اللغة.
نحو نظرية إسلامية في الإعلام :
وتبعا لذلك فالواقع أن الحديث عن دور الإعلام في النهوض بالفصحى، بتضافر مع الفنون، يفضي إلى اقتراح مشروع متكامل في هذا المجال، يقوم على مجموعة من الدعائم التي تقوي دوره، وتُرَشِّدُ مسيرته، وتوجهه ليسهم في اندماج العالم العربي والإسلامي، وتوحيد الرؤية، وتحديد الأولويات، ومراعاة المصالح العليا للأمة بواقعية ونزاهة، وهذا المشروع لا يمكن أن يكون إلا مشتركا وشاملا، ومرتبطا بمنظمة عليا مثل منظمة العالم الإسلامي، أو بمؤسسة تابعة لها مثل هيئة الإيسيسكو، لتفعيله وجعله أداة حية نابضة في حياة الأمة، وفق منهج متكامل، يستمد ضوابطه ويحدد أهدافه ووسائله من دستور الأمة ومصالحها الكبرى.
وهكذا فكما نسعى إلى نظرية إسلامية في الفنون والآداب ومختلف حقول المعرفة، يمكن أن نتحدث عن مشروع عربي أو نظرية إسلامية في الإعلام([32])، ولا شك أن إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود هو الذي سيضفي المشروعية على ما نتداوله من مسميات كالإعلام العربي، والإعلام الإسلامي بمختلف وسائله وأنواعه، كما سيساعد على تحقيق هذه الأهداف، وتنفيذ القرارات الخاصة بها، وقد أكد غير واحد من المختصين إمكان قيام نظرية إسلامية في الإعلام، مؤكدين أن الدعوة الإسلامية ضرب من الإعلام، فهي أيضا تنضبط بضوابط النظرية الإسلامية، وتتميز بها عن غيرها من النظريات، وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام الإسلامي، وبذلك تكون رسالته ولغة خطابه ومنظومته العامة وأهدافه الكبرى قريبة من المتلقين بدل هذا البلبلة، ويغدو الإعلام الإسلامي ذا سلطة مؤثرة وفاعلة وموجهة، قادرة على تجاوز مشكلات الإعلام الحالي السائد في العالم الإسلامي بأسره، لا من حيث صياغة الخبر فقط، وتكييف مضمون الرسالة، ومراعاة القيم الخلقية التي تراعي مشاعر الأمة وروح الإسلام، بل أيضا من حيث اختيار لغة الخطاب والتواصل وآلياتهما، بما يخدم واقع الأمة ويقرب المسافة بين شعوبها، ويكسبها قدرة زائدة على مواجهة التحديات الفكرية، ولا سيما واللغة كما يقال هي وعاء الفكر.
______
(*) محافظ خزانة القرويين ـ بفاس.

المهاجره
02-16-2011, 12:27 AM
الهوامش
(1) في اللغة والأدب: إبراهيم بيومي مدكور، ص 54، سلسلة أقرأ العدد:337 . دار المعارف بالقاهرة، يناير1971 .
(2) سورة الحجر: 9.

(3) أنظر: الأمة الاسلامية في مواجهة التحدي الحضاري للدكتورعبد العزيز بن عثمان التويجري، ص 19، ومابعدها سلسلة المعرفة للجميع، رقم 3، الرباط، 1419 هـ، 1999م.

(4) أنظر هويتنا والعولمة للدكتور عباس الجراري، ص 43، ومابعدها، منشورات النادي الجراري، رقم 18، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، 1421 هـ/2000م.

(5) اللغة العربية والمسيرة التعليمية في الوطن العربي: خاشع بن شيخ إبراهيم حقي، مجلة الفيصل، العدد 312، ص 59.
(6) المرجع نفسه.
(7) المرجع نفسه، ص 59 - 60 .
(8) عن مجلة الفيصل، ع : 312، ص 61.
(9) الفيصل ع، 312، ص 61.
(10) الفيصل ع، 312 ، ص 61.
(11) نفس المصدر.
(12) عن اللغة والدين والهوية للدكتورعبد العلي الودغيري، ص 95.

(13) الإسلام والفنون الجميلة، مجلة المنهل. العدد 581، المجلد 64، العام 68، جمادى الأولى/ الثانية، 1423 هـ/ غشت ـ شتنبر 2002، ص : 27.
(14) إعجاز القرأن : 113، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر، 1963.

(15) تجدرالإشارة إلى أن ما تحقق في العصر الحديث من ازدهار في مجال الصورة، وفي مجال السينما، والتلفزيون، والفيديو، وما عن ذلك من تعدد في القنوات يعد تطويرا كبيرا لما اقتبسه الغرب من كتاب (المناظر) لابن الهيثم الذي يعد مصدرا مهما في علم البصريات، وقد ترجم إلى اللغات الأوربية وتم الانتفاع به، ولمَّا يطبع كاملا محققا في العربية.
(16) ديوان عبد الله السلامة: المقدمة.

(17) هناك من يدعو إلى التشبت بمستوى الأداء البليغ بالعربية الفصحى، ويضرب لذلك مثلا بالقصة عند محمود تيمورفقد انتقلت من طابع الفصحى المبسطة إلى طابع الفصحى المعقدة إلى درجة الإسراف، ومن ذلك روايته (مشروخ) التي قيل عنها إنها كتبت ليقرأها أعضاء المجمع / كلمات في الأدب: أنوار المعداوي: 149.
وهناك من يدعو إلى استعمال العامية دون الفصحى لاستعصائها في نظرهم لدى عامة الناس ووسطائهم

(18]) كلمات في الأدب : 143.
([19]) المرجع نفسه.
([20]) المرجع نفسه : 142-143.
([21]) المرجع نفسه : 145.
([22]) المرجع نفسه : 147.
([23]) المرجع نفسه : 151.
([24]) المرجع نفسه : 146.
([25]) في اللغة الأدب : 56، سلسلة إقرأ 337، دار المعارف بمصر، 1971.
([26]) المرجع نفسه.
([27]) المرجع نفسه : 62.
([28]) المرجع نفسه : 59.
([29]) المرجع نفسه : 61.

([30]) أنظر على سبيل المثال العدد الخاص بالإعلام: الواقع والمستقبل من مجلة المنهل: العدد 577، شوال ذو القعدة 1422 هـ/ دجنبر2001، يناير 2002، وضمنه مقال للدكتور خلاف الشاذلي عن : الغزو الإعلامي والتشويه الحضاري، ص150 وما بعدها، ومقال الأستاذ العربي المساري عن: صورة العالم الإسلامي في الإعلام المعاصر، ص 86 وما بعدها، ومقالات أخرى في الموضوع.
([31]) تولت تنظيم هذه الندوة رابطة العالم الإسلامي في شعبان 1422 هـ/ نونبر 2001.

([32]) أنظر حوار أجرته مجلة التوحيد ـ إيران ـ العدد 99، السنة السابعة عشرة ربيع : 1420هـ/1999 مع الأستاذ تيسيرالخطيب مدير مركز الإسراء للدراسات والبحوث، ص 109 وما بعدها، في موضوع: الإعلام الإسلامي والمرحلة الراهنة، وتم التركيز في هذا الحوار على إمكان قيام نظرية إسلامية في الإعلام.

المهاجره
02-16-2011, 12:30 AM
التحديات التي تواجه اللغة العربية
(*)د. عبد الصبور شاهين

تواجه العربية جملة من التحديات التي تعاني من أجلها نوعاً من العزلة عن الحياة اللغوية.
وأول هذه التحديات عزلة اللغة عن الاستعمال العام، حيث حلت اللهجات العامية محلها، وأخذت مكانها في ألسنة الناطقين العرب. ونتج عن ذلك نشوء مجموعة اللهجات المحلية، التي تختلف من بلد لآخر داخل القطر الواحد، فإذا كان عدد البلاد العربية اثنتين وعشرين دولة، هي مجموع الأعضاء في جامعة الدول العربية، فإن لدينا اثنتين وعشرين لهجة عامة، تتفرع عنها لهجات بلدية تتميز كل منها عن الأخرى ببعض الخواص الصوتية، وعندنا في مصر ــ مثلاً ــ لهجة مشتركة بين جميع المواطنين، ولكن صعيد مصر (الوجه القبلي) له لهجته الخاصة المتميزة، كما أن للدلتا لهجتها المتميزة.
وقد يكون لمواطني الإسكندرية خواصهم اللهجية التي لا تجري على غير ألسنتهم.
غير أن مجموع المواطنين في مصر يتفاهمون بالعامية المشتركة التي تتبناها أجهزة الإعلام، وتنشر بها رسالتها، سواء في ذلك الإذاعة والتلفزيون وأفلام السينما.
وهكذا الحال في كل قطر عربي، غير أنهم يقتربون من اللغة الفصحى عند مستوى ثقافي معين، فيخلطون مستوى الفصحى بمستوى العامية، وتنشأ عن ذلك لغة (فصعمية)، أي : خليط من الفصحى والعامية، وهذا الخليط يختلف نسبياً من دولة إلى دولة. وإن كانت كمية الاختلافات قليلة، نظراً إلى انتشار وسائل الإعلام التي تستخدم في أحيان كثيرة المستوى (الفصعمي).
ولسنا نستطيع أن نتجاهل عاملاً خطيراً من بين عوامل عزل الفصحى، وهو استعمال المشتغلين بالتدريس في المدارس العامة (حتى نهاية المرحلة الثانوية) للهجات، أو لمستوى رديء من الفصعمية.
وأخطر من ذلك تأثيراً استخدام أساتدة الجامعات في الآداب للعامية (اللهجات المحلية)، وليس ذلك من باب المبالغة أو التجني، فنحن لا ننكر وجود أساتذة يحترمون اللغة الفصحى، ويلتزمون بأدائها في محاضراتهم. وفي مقابل هؤلاء نجد بعض من يدرسون مادة (النحو العربي) ويستخدمون اللهجات العامية في مخاطبة الطلاب بقواعد النحو وسائر علوم العربية.
فإذا كانت هذه هي الحال في كليات الآداب، وبخاصة في علوم العربية، فإن الحال أسوأ في سائر الكليات التي تتخصص في الفنون والعلوم المختلفة، بحيث لا يسمح للعربية أن تدلف إلى قاعات المحاضرات والبحوث. وربما جاز لنا أن نقول: إن جماهير الأساتذة في علوم الهندسة والطب والحقوق والعلوم والزراعة والفنون التشكيلية، والمواد التربوية... إلخ هؤلاء جميعاً لا يعرفون شيئاً من قواعد العربية الفصحى، وممارسة الحديث بها.
هذا تصوير غير مخل للوضع الذي تواجهه الفصحى في أوطانها العربية، فهي لا تجد لخطواتها مكاناً يسعها، اللهم إلا في بعض خطب الجمعة ــ على قلة ــ فأما مجالات الخطاب الجماهيري، كمجالس النواب والشورى والمجالس القومية المتخصصة فقد أخلصت ولاءها للعامية، وخاصمت الفصحى قولاً واحداً.
تعريف الفصحى المعاصرة

وقد نتساءل بعد ذلك عن حقيقة (الفصحى) ما هي ؟ وغاية ما يمكن أن نقوله هو : أنها مستوى من الأداء اللغوي ملتزم بالنمط القرآني، حفاظاً على شكل الكلمة العربية وزناً ومعنى، ووصلاً ووقفاً وضبطاً والتزاماً بالمعجم الذي يشير إلى الجائز والممتنع، مع عدم تجاهل ما أوصت به المجامع العربية اللغوية.
والقرآن الكريم هو دستور اللغة الفصحى المعاصرة، ولاسيما في أدائه المتميز، فيما عدا الالتزام بأحكام تجويده.
ونـحن بهذا التعريف لا نشق على الناطقين بالفصحى، لأن حفظ القرآن يطلق الآلـسنة الحافظة (العربية) بنمط الأداء القرآني دون أدنى مشقة. وللقرآن - كما نعلم - دور في الحفاظ على الفصحى، والإبقاء عليها رغم كل عوامل الإحباط التي تحوطها، حتى لقد كادت أن تتحول إلى لغة خاصة، أو بالأحرى : لغة أرستقراطية، لا يستعملها إلا من تتوفر فيهم مواصفات أدبية وعقدية معينة.
ولعل من عجائب القرآن أن تقوم بحفظ وإتقان أدائه ألسنة أعجمية لم تذق حرفاً عربياً، ومع ذلك نجد أطفالاً وشباباً، ذكوراً وإناثاً يحفظون عن ظهر قلب، بل ويجيدون أداءه بأحكام التجويد، وهم لا يفهمون جملة واحدة من جمله، أو آية من آياته.
وقد حضرت في ماليزيا مسابقة لحفظ القرآن الكريم وإتقان أدائه، واستمعت إلى شابة في ربيع العمر تقلد أحد قراء مصر المشهورين، وهي مع ذلك لا تعرف شيئاً من العربية. إنني أزعم أن هذا التجلي لم يتحقق لنص في أية لغة من لغات العالم ما عدا القرآن، رغم ضخامة حجمه، ودقة أحكامه !!
وعلينا أن نتصور الجهد الهائل الذي بذله المعلمون لتطويع ألسنة التلاميذ كي تنطق بالأصوات والتراكيب التي لا تألفها في لغاتها الأصلية.
وقد شهد التاريخ إبان زحوف الفتح الإسلامي لأقطار آسيا من أدناها إلى أقصاها، شهد جهوداً بذلها المجاهدون الذين حملوا الإسلام إلى تلكم الأقطار، ونشروا راية القرآن، وعلموا تلك الشعوب خصائص اللسان العربي، حتى استبدلته بلغاتها الأصلية، وبرزت جماعات العلماء من أبناء تلكم الأقطار البعيدة، وقد نبغوا في فنون العربية، وصاروا أئمتها، الذين يفتون في مشكلاتها، كسيبويه، وابن سينا، والفارابي، والبيروني، والرازي وغيرهم، آلاف من العلماء العباقرة، تنطق آثارهم بعظمة ما استكن في قلوبهم من حب للعربية، وولاء للقرآن.
ولقد مرت على الشعوب الإسلامية في آسيا قرون لا تعرف لها لساناً تتخاطب به غير العربية، على حين توارت اللغات القومية كالأردية، والأفغانية، والتركستانية والأندونيسية، وغيرها، وسادت رموز الكتابة العربية.
ولقد أدرك أعداء الإسلام أن حربهم ضده يجب أن تعتمد على محاربة اللغة العربية، وإحياء اللغات القومية، سعياً إلى تقليص وجود القرآن، وتهميش عقيدته.
ولقد تحقق لهؤلاء الأعداء ما خططوا له، إبان العهد الاستعماري، والمرحلة الشيوعية، فارتدت أغلبية الشعوب الإسلامية إلى أحلامها القومية، وانتشرت فيها لغات المستعمرين، كالإنجليزية والروسية وتوارت العربية وضعف شأنها تبعاً لضعف شأن العرب في أقطارهم.
بل إن العرب أنفسهم قد تخلوا عن لغتهم، وعزلوها عن موضوعات الحضارة، واستخدموا بدلاً منها لغة المستعمر كالإنجليزية والفرنسية، ولاسيما في المجالات العلمية كالطب والهندسة والعلوم والرياضيات.
بل لقد اغتربت العربية في أوطانها، حتى صار التعليم العام، من أول مراحله يستخدم الإنجليزية، وصار التعليم بالعربية مقتصراً على بعض البيئات المتواضعة مادياً.
ومعنى ذلك أن البلاد العربية تزداد تخلفاً من الناحية المادية، فليس لها دور في إنتاج شيء جديد، ولا دور للعربية في تسمية منتج جديد. وهكذا آل أمرها إلى الفقر الشديد.
دور المجامع اللغوية

ولقد نتساءل عن الدور الذي تقوم به مجامع اللغة العربية في مواجهة هذا العجز الذي أصاب اللغة العربية ؟
وموجز القول في هذا الصدد إن المجامع تقوم بدور حيوي في ملاحقة الجديد من المصطلحات، في مختلف العلوم والفنون، وتضع لكل جديد في الإنجليزية مقابلاً عربياً مناسباً.
ولكن المشكلة أن معاهد العلم لا تلتفت إلى ذلك الجهد المجمعي، لأنها لا تستخدم العربية أساساً.
وليس للمجمع سلطة تربوية تفرض على المعاهد والكليات استخدام المصطلحات الجديدة، وبذلك يؤول ذلك الجهد المجمعي إلى التخزين في سجلات الحفظ النهائي ! .
ولا ريب أن الموقف يحتاج إلى قرار سياسي يفرض مهابة اللغة العربية، باعتبارها المقوم الأساسي في دستور كل دولة عربية... لكن... كيف ؟ ومن ؟ ومتى ؟
أمية المجتمع العربي

فإذا ما جئنا إلى علاقة المجتمع العربي باللغة من الناحية الثقافية، هالنا ما تسجله الإحصاءات من نسب الأمية المنتشرة في كل الأوطان العربية بلا استثناء، وهي نسب مخيفة تقضي على كل أمل في الإصلاح.
إن متوسط انتشار الأمية لا يقل عن 50 % من مجموع الشعوب العربية. رغم وجود مؤسسات تعليمية كثيرة، أساسية وجامعية، وهي كلها لا فاعلية لها، بل ربما كانت عبئاً على المستوى المعيشي العام، فمجموع الدخل العام ينفق على هذه المؤسسات التي تحمل رسالة التعليم، وهي عاجزة عن حملها.
فماذا تفعل العربية وهي محاصرة من كل اتجاه ؟
1 . محاصرة بطردها من المؤسسات العلمية !
2 . محاصرة بتأخير دورها في استقبال الصغار !
3 . محاصرة بعجزها عن المنافسة الحضارية !
4 . محاصرة بما يحوطها من اللهجات واللغات !
5 . محاصرة بدور المؤسسات الوطنية في عزلها وهزيمتها !
أثر العالم الإسلامي

ولقد كان من المفروض أن تشع الثقافة العربية على العالم الإسلامي، بتأثير وجود القرآن ؟ ! .
ولكن المشكلة هي في اختلاف السياسات، وتوزع الولاءات.
لقد كان من المفروض أن تكون العربية هي اللغة الأولى في أنحاء العالم الإسلامي، ولكن هذه الفكرة لم تطرح قط، مع أنها هي طوق النجاة في أي سعي إلى خلق وحدة إسلامية، تحمل الهموم الاستراتيجية.
وها نحن ؟ نزداد تباعداً فيما بيننا رغم وجود تلك المؤسسات الكبرى، كمنظمة المؤتمر الإسلامي، والجامعة العربية، والمنظمة الإسلامية التي نجتمع في رحابها.
والعربية تواجه الآن تحديات ضخمة تتمثل فيما يلي :
أولاً : الموجة السائدة التي يؤثر أصحابها اللحاق بالركب الحضاري الغربي.
ثانياً : الموجة الاستعمارية التي تعمل على نشر اللغات الغربية.
ثالثاً : الموجة الانحلالية التي تحرص على التخلي عن كل قيمة جادة مستمدة من العقيدة الإسلامية، وأخلاقها الأصيلة.
رابعاً : تأثير العولمة في نشر اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة القطب الحاكم والمتحكم.
وهذه التحديات تنذر بأخطار متعاظمة، وشرور مستطيرة.
ونحن لا نملك في مواجهة تلك التحديات سوى أن نعمق تمسكنا بعقيدة الجهاد في سبيل أنبل غاية، وأسمى هدفاً، وهو : إحياء العربية على ألسنة أهلها أولاً، ثم نشر هذه اللغة العظيمة عن طريق إنشاء معاهد في أنحاء العالم على نمط معاهد (الرابطة الفرنسيةL’Alliance française / ) فيها معلمون مجاهدون في سبيل نشر العربية.
ولعل ذلك يمضي بنا إلى تحقيق غايتنا التي اجتمعنا من أجلها، والله ولي التوفيق.
(*) كلية دار العلوم، جامعة القاهرة.

المهاجره
02-16-2011, 12:33 AM
الضعف العام في اللغة العربية (مظاهره ـ آثاره ـ علاجه)

(*)ذ. عبد اللّطيف أحمد الشّويرف

ترتفع بين الحين والآخر أصوات من كلّ الأقطار العربيّة شاكية مُرَّ الشّكوى من الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة، ومتألّمة من الوضع المؤسف الّذي وصلت إليه هذه اللّغة على أيدي أبنائها، ومتوجِّسة الخوف الشّديد من خطر هذا الضّعف الّذي يزداد مع الأيّام سوءًا، ويتفاقم بإهمال شأنه صعوبة وتعقيداً.
ولا شكّ أنّ هذه الصّيحاتِ صادقة في التّعبير عن هذه المحنة الواقعيّة الّتي لا يُنكرها إلاّ مكابر، وصادقة في وصف الأخطار الماحقة المدمّرة الّتي تترتّب عليها إن استمرّتْ ولم يسارع أهل اللّغة الغيارَى على لغتهم إلى علاج ضعفها لدى القوم، والعمل على إعادة العافية إليها بينهم.
مظاهر الضّعف العامّ في اللّغة

أوّلاً في المجال المكتوب:
· الجهل بقواعد الإملاء ومصطلحاته؛ فكُتِبَتْ همزةُ الوصل في أوّل الكلمة همزَةَ قطع، وهمزةُ القطع همزةَ وصل، وكتُبت الهمزة المتوسّطة والمتطرّفة بأوضاع مخالفة للقواعد المتعارف عليها، وأُهملت الشَّدَّة الّتي يعني إهمالُها إسقاطَ حرفٍ من الكلمة، ووقوعَ اللَّبْس في بعض الكلمات، وأهمل نقط الذال المعجمَة وصارت دالاً مُهَّملَة، وعوملت الثّاءُ بنقطتين فقط فصارت مُثَنّاة، وأُهمل نقط التاءُ المقفَلَة فساوت الهاءَ في آخر الكلمة رسماً ونطقاً، وكُتِبت الألف اللّيّنة في آخر الكلمة على حسب مزاج الكاتب ممدودةً أو مقصورةً بلا اعتبار للقواعد المعروفة، وكُتِبت التّاءُ المقفلَة مفتوحة والمفتوحة مقفلَة، وكُتِبت ألفٌ بعد واو (أرجو، ويدعو ويشكو .. وأمثالها). وهكذا سادت الفوضى والعبث في قواعد الإملاء العربيّ في الكتب والصّحافة والرّسائل والتّقارير وفي كلّ مكتوب.
· الجهل بالقواعد الصّرفيّة الواضحة الّتي يتلقّاها المتعلّم عادةً في مرحلة التّعليم الإعداديّة أو الثّانويّة، من ذلك قولهم على سبيل المثال : دعيْت بدلاً من دعوت، واستمرّيْنا بدلاً من استمررنا، ومُصان بدلاً من مَصون، والكبرتان بدلا من الكبريان، والهاديون بدلاً من الهادون… .
· الجهل بقواعد النّحو العربيّ جهلاً عمّت به البلوى حتّى أصبح ملازماً للكتابة إلاّ فيما ندر، فنصبوا المرفوع وجرّوا المنصوب، ولم يفرّقوا بين حالات الإعراب للمثنَّى وجمع المذكّر السّالم، وكتبوا الأعداد بالحروف كتابةً غريبة مخالفة للقواعد المرعيّة، ولم يعرفوا للصّفة أحكاماً، ولم يميّزوا بين النّكرة والمعرفة، وغير ذلك ممّا يطول الكلام فيه ولا نستطيع له حصراً.
· كثرة الأخطاء اللّغويّة الشّائعة المخالفة للمسموع من اللّغة وأصولها الثّابتة، كقولهم : جماد بدلاً من جُمادَى، ووريث بدلاً من وارث، والمبروك بدلا من المبارَك، و"لا يجب.." بدلاً من "يجب ألاّ.."، "وسوف لا"بدلا من "لن"، إلى آخر القائمة الطّويلة من الأخطاء اللّغويّة الشّائعة.
· الجهل بمعاني الأدوات اللغويّة ووظائفها، بحيث تُستْعمل استعمالاً اعتباطيّاً لا تُراعَى فيه دقة توظيف الأداة ؛ كعدم تفريقهم بين : "إذا" و"إن" الشّرطيّتين، و"لم" و"لما" الجازمتين، وحرفي الجواب "نعم" و"بلى"، و"لا"النافية للجنس و"لا"النّافية للوحدة، وكاستعمال أداة التوكيد في موضع لا يقتضي التوكيد، وسوء استعمالهم لـ"أحد" و"إحدى" في مثل قولهم: إحدى المستشفيات وأحد المدارس…
· عدم السّلامة في الأسلوب، وتركيب الجمل تركيباً يَنِمّ على التّكلُّف، وغلبة الرّكاكة والسّماجة والبعد عن جماليّات اللّغة، حتى إنّ الكلام المكتوب يهبط في أحيان كثيرة إلى مستوىً يقربُ من العامّيّة، أو يتسم بالجفاف الّذي لا يهزّ مشاعر ولا يُحدث في النّفوس الأثر المطلوب.
· إهمال علامات التّرقيّم من فاصلة وقاطعة وشارحة وغيرها إهمالاً تامّاً يُرْهق قارئ الكلام المكتوب في فهم معانيه، ويُصعِّب عليه إدراكَ علاقات الكلمات والجمل بعضها ببعض، ومعرفة النّهاية للكلام والبدء بكلام آخر. وبعضهم يستعمل علامات التّرقيم استعمالاً خفيفاً، ولكنّه يسئ وضعها في أماكنها الصّحيحة؛ فيضع الفاصلة موضع القاطعة وبالعكس، ويضع علامة التّعجّب مكان علامة الاستفهام.
قد يقال: إنّ علامات التّرقيم ليست من أصول اللّغة العربيّة، وهي دخيلة اقتبسناها من غيرنا، فكيف نعتبر إهمالها مظهراً من مظاهر الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة؟.
وأقول: إنّ اقتباس لغتنا العربية علامات التّرقيم من اللّغات الأوربيّة، كان اقتباساً طيّباً أفادت منه لغتنا كثيراً، إذ تساعد هذه العلامات على معرفة المواقع المناسبة للوقف والابتداء في الكلام، وربط الجمل بعضها ببعض، وبيان علاقاتها الإعرابيّة والمعنويّة،وتنويع النّبرات الصّوتيّة الّتي تُبرزالأغراض المقصودة من الكلام، كالاستفهام، والتّعجّب، والاستنكار، والتّحسّر، والإغراء، والتّحذير، وغير ذلك، فهي لذلك ضروريّة في الكتابة العربيّة الحديثة، وخُلُوّ الكتابة منها يُعَدّ في العصر الحديث عَيْباً لا يقلّ قبحاً عن عيب الخطأ الإملائيّ أو النّحويّ، حيث يؤدّي ذلك إلى عناء القارئ في فهم المكتوب، أو تداخُل في الألفاظ والجمل، أو إلى غموض أو اضطراب في المعنى، أو عدم التّمييز بين كلام الكاتب والكلام المنقول عن غيره.
وإذا كانت علامات التّرقيم الحديثة دخيلةً على لغتنا، فإنّ لها أصلاً في تراثنا يدلّ على مبدئها وأغراضها، من ذلك علامات الوقف والابتداء الّتي وضعها علماؤنا لحسن أداء تلاوة القرآن، وبيان معاني آياته، والإشارة إلى العلاقة الإعرابيّة والمعنويّة الّتي تربط بعضَها ببعض. ومن ذلك أيضاً مباحث أهل اللّغة في الفصل والوصل، والوقف والسّكت، والعطف والاستئناف، ونصُّهم على تنويع النّبرات الصوتيّة تبعاً للمعنى المراد من ترغيب وترهيب، وتحذير وإنذار، واستفهام وتأثّر، وغير ذلك.
· المبالغة في استعمال الكلمات العامّيّة في الصّحافة العربيّة عموماً، أي إنّ الفصحى تتراجع في صحافتنا وخاصّة الفّنيّة والرّياضيّة أمام زحف العامّيّة.
· الإكثار من استعمال الكلمات الأجنبيّة بلا داعٍ مع سهولة المقابل العربيّ لها، كقولهم في مباراة كرة القدم: "ماتش" و"تيم" و"هاف تايم"،وقولهم في أمور العمل الصحفيّ: "ريبورتاج" و"مانشيت" و"ماكيت"، وقولهم في شؤون السّفر:"باسبور" و"فيزا" و"ترانزيت"، وقولهم في شؤون التّسويق :"شوبينج"، و"أوكازيون" و"سوبرماركت"…
ثانيا في مجال المسموع:
ونعني به الكلام الّذي يُسمع عموماً في محاضرة أو ندوة أو حوار وغيرها، أو ما يُسْمع من الإذاعتين المسموعة والمرئيّة من نشرات الأخبار والتّعليقات السّياسية والأحاديث والبرامج المتنوّعة والمسلسلات التّمثيليّة والإعلانات وغير ذلك.
· تشترك المجالات المسموعة مع الكتابة المقروءة في كلّ ما ذكرناه من الأخطاء الصّرفيّة والنّحويّة، والأخطاء الشّائعة، وركّة الأسلوب، وعدم التّرابط والانسجام بين الجمل، إلى آخر ذلك. إلاّ بعض الأخطاء لا تظهر في الكتابة بسبب عدم شكل الحروف عادة، ولكنّها تظهر عند النّطق. فمثل:دَعَوْا، نَسُوا، يَسْعَون، أنتِ تَحْظَيْن، المتوفّوْن، المصطفَيْن، لا يتبيّن الخطأ فيها إلاّ عند نطقها، فيقرأون: دَعُوا بدلا من دَعَوْا، ونَسَوْا بدلاً من نسُوا، ويَسْعُون بدلاً من يَسْعَوْن، وأنتِ تحظِينَ بدلاً من أنت تحظَيْنَ، والمتوفُّون بدلاً من المتوفَّوْن، والمصطفِين بدلاً من المصطَفَيْن، ومثلُ ذلك كثير على ألسنة المذيعين والمذيعات والمتحدّثين والمتحدّثات.
· القضاء تقريباً على النّطق الصّحيح للذّال والثّاء والظّاء، حيث تُنطق الذّال دالاً والثّاءُ سيناً والظّاء ضاداً. ويزيد البعض في بليّة طمْسِ الذّال والثّاء والظّاء بطمس الطّاء الّتي انقلبتْ في ألسنتهم إلى تاء، وطمس الضّاد الّتي ينطِقْنَها دالاً. ولا شكّ أنّ الملايين يُلازمون الاستماع إلى الإذاعات المسموعة والمرئيّة، ويتأثّرون بكيفيّة النّطق المشوَّه للأحرف المذكورة، وخاصّة الأطفال والبراعم الّذين هم في سنّ التّكوين والتّلَقِّي.
ويُخْشَى إن استمرّ هذا الحال أن تنشأ أجيال عربيّة يَسْقُط من كلامها الذّال والثّاء والظّاء والضّاد، أو تجد في نطقها صعوبةً وعسراً يجدهما الأجنبيّ الّذي لم يتعوَّدْ نطقَها العربيّ من مخارجها الصّحيحة.
· نطق همزة الوصل في درج الكلام همزة قطع؛ فينطقون: الإستعمار، الإقتصاد، الإستثمارات، ما إسمك، هذا إبنك، بدلاً من النّطق الصّحيح: الاِستعمار، الاِقتصاد، الاِستثمارات، ما اسمُك، هذا ابْنُك، بحذف همزة الوصل لفظاً في أثناء الكلام، ولم نعد نسمع النّطق السّليم لهمزة الوصل في درج الكلام إلاّ نادراً ومن قبيل الصّدفة. وأسوأُُ استعمال لهمزة الوصل في درج الكلام هو نطق همزة "ال" همزة قطع، حتىّ أصبحت على ألسنة المذيعين والمذيعات محسوبةٍ من مواقع همزة القطع وفَقَدَتْ صلتها بهمزة الوصل فيقولون مثلاً: (عقد أَلمؤتمر أَلتّّعليمي أَلعربيّ دورته أَلخامسة يوم أَلأحد أَلماضي).
· الوقف على التّاء المقفَلة تاءً لا هاءً في نحو: فتاة، قناة، قُضاة، الزّكاة، مرضاة…
· إلغاء نطق التّاء المقفَلة في درج الكلام، والاكتفاء بنطق الحرف الّذي قبل التّاء المقفَلة على ألسنة المذيعين والمذيعات والمتحدّثين والمتحدّثات حتّى أهل الاختصاص في اللّغة، فالجملة: (اجتمعت اللّجنة المختصّة بالقضيّة الفلسطينيّة التّابعةُ للجامعة العربيّة اليوم بالقاهرة)، تُنطَقُ: (اجتمعت اللّجن المختص بالقضي الفلسطيني التّابع للجامع العربي اليوم بالقاهرة).
· نطق الأعداد والمعدودات باللّهجة العامّيّة الدّارجة في كلّ أنواع العدد، ولا تكاد تسمع من إذاعاتنا المسموعة والمرئيّة النّطق السّليم للأعداد، فيقولون مثلاً: اتناشر دينار بدلاً من اثني عشر ديناراً. وخمستاشر درجات بدلاً من: خمس عشرة درجة، ومَاءَة بفتح الميم بدلاً من مِئَة أو مِائة، و"ثمن البرميل من النّفط ستّ وعشرين دولار وأربعتاشر سنت" بدلاً من:" ثمن البرميل من النّفط ستّة وعشرون دولاراً وأربعة عشر سنتاً"، و"أنفقت الشّركة على الدّعاية اثنين مليون دولار" بدلا من:"أنفقت الشّركة مليونَيْ دولار" و"كان في الطائرة المنكوبة ميتَيْن وسبعَ وستّين راكب" بدلاً من:" كان في الطّائرة المنكوبة مئتان وسبعةٌ وستّون راكباً".
· إلغاء الإعراب من أواخر الكلمات ونطقها بالسّكون في درج الكلام، ولم يَسْلَمْ من هذه الآفة حتّى بعض كبار الأدباء والعلماء والصّحافيّين ومن هم على رأس مؤسّسات لغويّة متَخصّصة. أمّا في الإذاعتين المسموعة والمرئية فإنّ الوقف على أواخر الكلمات المتّصلة هو السّائد، ولا يكاد يظهر الإعراب على أواخر الكلمات إلاّ قليلاً.
· أداء الكلام المكتوب بالفصحى بطريقة اللّهجة العامّيّة وبنبرات الحديث الدّارج، وخاصّة في برامج قراءة ما يرد في الصّحف اليوميّة، وبذلك تنـزل الفصحى إلى مستوى العامّيّة، ولا يحدث العكس وهو أن ترقى العامّيّة إلى مستوى الفصحى.
· غلبة اللّهجات العامّية المحلّيّة على الفصحى في معظم إذاعاتنا المسموعة والمرئيّة، حتّى أصبح نصيب الفصحى في هذه الإذاعات قليلاً جدّاً.
· طغيان الكلمات الأجنبيّة الّتي لا تدعو إليها ضرورة، والّتي لها مقابلٌ عربيّ أخفّ لفظاً، وأيسر نطقاً، وأعمق معنىً، وأدنى إلى وجدان المستمع. وقد امتدّت هذه الآفة إلى عناوين البرامج المرئيّة، ويحضرني من ذلك العناوين : كليك، كلينِكْ، فلاش، ستوب، إيتيلية، ميوزيكا، أرابيسك، مانشيت، بل إنّ فضائيّة عربيّة تنطلق من بلد عربيّ، ولغتُها عربيّة، وموجّهةٌ إلى العرب، تحمل اسماً أجنبيًّا، وفضائيّات عربيّة عديدة تنطق بالعربيّة، وموجَّهة إلى العرب، تتّخذ أسماءها من أحرف لاتينيّة، كأنّ العربيّة قد عقمت عن ولادة الأسماء والعناوين، ولكنّها عقدة (الخواجة) مازالت تتحكّم في نفوسنا، وتستعمرعقولنا وقلوبنا، وتجرّنا إلى التّبعيّة الذّليلة لكلّ ما هو غربيّ. ومن المضحك المبكي أنّ بعض الفضائيّات العربيّة تكتُب كلمات عربيّة بطريقة كتابة الحروف اللاّتينيّة، وهذا منتهى الاستهتار باللّغة العربيّة وخطوطها الجميلة.
· الخطأ في ضبط كثير من الكلمات، كقولهم : لُجْنة بدلاً من "لَجْنة"، وثَكَنَة بدلاً من ثُكْنَة والْغِيرَة بدلاً من الْغَيْرَة، والْحِيرَة بدلاً من الْحَيْرَة، والْغِدَاء بدلاً من الْغَداء، وخُطبة المرأة للزّواج بدلاً من: خِطْبة، والفُراق بدلاً من : الفِراق، وبُناءً عليه بدلاً من: بِناءً عليه، وتِكْرار وتِجْوال وتِحنان، بدلاً من: تَكرار وتَجوْال وتَحْنان … إلخ.
· الخطأ في نطق الأعلام، وكقولهم : عبد المجِيد، وعِبيد، وسِليِمان، وحِسين، والشِّريف، وعصمان، وسِليم، وسْكينَة، وزْبيدَة…
· الخطأ في ضبط عَيْن الفعل الثّلاثي ماضيه ومضارعه وأمره، والجهل بالأبواب الصّرفيّة السّتّة للثّلاثيّ، فيقولون في الماضي مثلا: ثَبُتَ بدلا من ثَبَت، وحَصُل بدلاً من حَصَل، وفَشَلَ بدلاً من فَشِل، وحَرِصَ بدلاً من حَرَص، وغَرَق بدلاً من غَرِق، وبَطُل مفعوله، بدلاً من بَطَل، وصَعَد بدلاً من صَعِد، ورَئسَ بدلاً من رَأَس، وبَرَأَ من المرض بدلاً من بَرِئ. ويقولون في المضارع مثلا: يأمَل بدلاً من يأمُل، ويَحْرَص بدلاً من يَحْرِص، ويَلِفّ بدلاً من يَلُفّ، ويَمْلُك بدلاً من يَمْلِك، ويهرَب بدلاً من يَهْرُب، وَيهْوِي بمعنى يحبّ بدلاً من يَهْوَى، ويَنْعِي بدلاً من يَنْعىَ، ويَرْشِيه بدلاً من يَرْشُوه، ولا يَحُلّ أن تغتاب بدلاً من لا يَحِلّ. ومن أمثلة الأمر: اكْسَبْ بدلاً من اكْسِبْ، لا تَلْمِسْ بدلاً من لا تَلْمَسْ، انْبُذِ العنف بدلاً انْبِذِ العنف، واعْمِلْ بدلا من اعْمَلْ… .
· الخطأ في ضبط حرف المضارعة، وعدم التّمييز فيه بين الثّلاثيّ والرّباعيّ، كقولهم: يُحيك مؤامرة بدلاً من يَحيك، ويَخِلّ بالتّوازن بدلاَ من يُخلّ، ويُنْشِد السّلام بدلاً من يَنْشُد، ومجلس الأمن يَدين العدوان بدلاً من يُدين، وإسرائيل تُشِنُّها حرباً بدلا تَشُنُّها، ويُلْفِت النّظر بدلاً من يَلْفِت، ولن يَفْلُتَ من العقاب بدلاً من ولن يُفْلِتَ، ولا يُثنيه عن عزمه شئٌٌ بدلاً من يَثْنِيه، وأَهيبُ بك بدلاً من أُهيب، ويَفيق بدلا من يُفيقُ، وهذا المرض يَعْدِي بدلاً من يُعْدي … إلخ.. .
· سوء الإلقاء، وعدم انسجام طريقة الأداء الصّوتيّ مع مفهوم الكلام، فقد تسمع من المذيع أو المذيعة نَبْرَةً للصّوت تدلّ على انتهاء الكلام وأنّ ما يأتي بعده كلام ٌ مستأنَف، ثمّ تفاجأ من خلال السّياق بأنّ الكلام متّصل بما بعده وممتدّ إلى غيره، أو تسمع نبرةً تدلّ على تواصل الكلام وامتداده، ثمّ تفاجأ بأنّ الكلام قد انتهى، وما جاء بعده استئناف. وقد تسمع صيغة استفهام تؤدَّي بنبرة إخبار، أو صيغة إخبار تؤدَّي بنبرة استفهام، أو تسمع كلاماً يفيد الأسى والتّحسّر والألم يؤدَّي بصوت مرتفع فيه حماسة تُشبه حماسة الخطيب، أو تسمع كلاماً فيه معنى العزّة والكرامة والاعتداد بالشّـخصيّة يقوله المذيع أو المذيعة بصوت بارد لا يحمل شيئاً من تأثير الكلام أو إيحاءاته، إلى غير ذلك من أمثلة سوء الإلقاء والأداء الصّوتيّ في إذاعاتنا المسموعة والمرئيّة.
- وقد يُقال: ما دَخْل سوء الإلقاء والأداء الصّوتيّ في الضّعف اللّغويّ العامّ؟ وما علاقة هذا العيب باللّغة حتّى يُحْشَرَ في موضوعها ويُعَدَّ مظهراً من مظاهر الضّعف فيها؟.
- ونجيب بأنّ اللّغة العربيّة ليست قواعدَ وأصولاً وضوابطَ في الإملاء والنّحو والصّرف والبلاغة وغيرها فقط، ولكنّها بجانب ذلك ذوقٌ رفيع، وجمالٌ آخّاذ، ونَبْرٌ معبِّر وتنغيم مُصَوِّر، وجرسٌ عذب، وموسيقى مُطْرِبَة، فللتّعجُّب نَبْرَة، وللاستفهام نبرة، وللاستنكار نبرة، وللتّحسُّر نبرة، ولاستمرار الكلام واتّصال الجمل نبرة، ولانتهاء الكلام واستئناف ما بعده نبرة، ولانتهاء الكلام في الآخر نبرة، وبعض المواضع يَحْسُنُ فيها خفض الصّوت، وبعضُها يَحْسُن فيها رَفْعُه، وبعضُها تَحْسُن فيه الحماسة، وبعضُها يناسبه الهدوء، وقد تُوَدِّي زيادةُ مدِّ حرفٍ انفعالاً نفسيّاً معيَّناً لا يؤَدّيه مدُّ الحرف مدّاً طبيعيّاً، وقد يُؤدِّي البطْءُ في إلقاء كلمة ما لم يؤدِّه الإسراعُ بها، وهكذا يكون الأداءُ الصّوتيّ الجيّد المنسجم في نبراته وتنغِيماته مع طبيعة الكلام، جزءاً مكمِّلاً لإجادة اللّغة العربيّة وحسن استعمالها، وعنصراً مهمّاً للتّعبير عن معاني الكلمات وتصوير خلجات النّفوس.
· الخطأ في الاشتقاق، كقولهم: مُشين بدلاً من شائن، ومقفول بدلاً من مُقْفَل، ومُعاب بدلاً من مَعيب، ومُلام بدلاً من ملوم، ومبروك بدلاً من مبارَك، والعاطي بدلاً من المُعْطي، ومَعْفِيّ من الضّرائب بدلاً من مُعْفىً، ومَلْغِيّ بدلاً من مُلْغىً، والقاسم بالله بدلاً من المقْسم، والمُلْفِت للنّظر بدلا من اللاّفِت… إلخ
· هذه نماذج وأمثلة محدودة لمظاهر الضّعف اللّغويّ في وسائلنا المكتوبة والمسموعة، ولم نأت إلاّ بأقلّ القليل منها، ولو أحصينا كلّ الجنايات الّتي تُرتَكب في حقّ لغتنا العربيّة من خلال تلك الوسائل، لملأنا بذلك مجلّداً ضخماً.
آثار الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة

بعد استعراض مظاهر الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة على امتداد الوطن العربيّ، في وسائله المقروءة والمسموعة، يجدُر بنا أن نبيّن الآثار السّلبيّة النّاجمة عن هذا الضّعف، ونتائجه السّيّئة على مستقبل أجيالنا ومصير أمّتنا. ونوجز هذه الآثار فيما يلي:
1. استمرار الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة من غير أن تمتدَّ يدُ العلاج الفعّال لوقفه، يؤدِّي إلى استفحاله وزيادة شدّته، حتّى ينتهيَ به الحالُ إلى موت اللّغة والقضاءِ عليها قضاءً مبرماً. وهذه هي طبيعة الحياة: تَرْكُ المريض يعاني من مرضه بلا علاج واهتمام، يُضاعفُ مرضَه على مرّ الأيّام، ويُعقِّد مشكلته بالإهمال والاستهتار، وينتهي به ذلك إلى الموت المحقّق أو الشّلل التّام الّذي يُشْبه الموت. ولذلك تسعى الأمم الحيّة إلى الحفاظ على سلامة لغتها، والحذر من تسرُّب عوامل الضّعف إليها، وحمايتها من أيّ غزو خارجيّ يهدّدها. ففي فرنسا مثلاً كُوِّنَت المؤسّسات، وأُلِّفَت اللّجان، وعُقِدت المؤتمرات والنّدوات، وكُتِبت مئات المقالات والبحوث والتّحقيقات في الصّحف، من أجل صدّ بعض كلمات أجنبيّة دخلت إلى لغتهم في غفلة من عين الرّقيب، حيث عَدُّوها احتلالاً أجنبيّاً تجب مقاومتُه، وغَزْواً ثقافياً عليهم دفعُه، وخطراً يهدِّد لغتهم إن لم يَحْسِموا أمره في الوقت المناسب. والإنجليز أيضاً من أحرص النّاس على سلامة لغتهم وعدم التّساهل في أمر قواعدها وخصائصها، ولا يَسْمَحون بأيّ حالٍ بخرق هذه القواعد أو التّغيير في حرف واحد أو نقصه، بل يتشدّدون في وضع الفواصل والقواطع وغيرها من علامات التّرقيم، ويُعيدون طباعة صفحة كاملة لوجود فاصلة موضوعة في غيرها موضعها الصّحيح.
2. هذا الضّعف اللّغويّ المتفشِّي في الوسائل المقروءة والمسموعة، يُؤَثِّر تأثيراً بالغاً في القارئين والسّامعين، وَينْقُل إلى هؤلاء الْمُتلَقِّين ضّعْفَه وعُيوبَه ونقصَه، وخاصةً الصّغارَ الّذين هم في مراحل تكوينهم اللّغويّ والفكريّ، ويستوعبون بسرعةٍ ما يُلْقَى إليهم من غثّ وسمين.
إنّ وسائل الإعلام المسموعة والمرئيّة تكاد تقتحم كلّ بيت عربيّ، وتصل إلى أهل البادية في خيامهم والرُّعاة في مراعيهم، وهي تُلَقِّنُهم اللّغة الفاسدة، والأخطاء الفاحشة، والنّطقَ الرّدئ، والذّوقَ السّيّئ، وتطبع نفوس الملايين بطابَعها، وتغرس فيهم جَهْلَها وسُقمَها، وبذلك يخسَر العربُ لغتَهم وأجيالَهم، ويخسَرون ألسنتهم وأذواقَهم.
3. الضّعف العامّ في اللّغة يُضْعِفُ قدرةَ اللّغة على تحقيق التّفاهم بين المتعاملين بها، ويُعطِّل وظيفتها في توحيد مفهومات الكلام ورموزه ومدلولاته بين المتخاطبين، ويُوقِعُ اللَّبْس والخلْطَ في المعاني، ويُعقِّد الجُمَل أو يُشَوِّهُ نَسَقَها أو يُسَبِّبُ الخلَلَ بين أجزائها، ذلك أنّ اللّغة الضّعيفة تتحلَّلُ من قيود القواعد فلا ضابطَ يحكُمها، وتبتعد عن أصولها الثّابتة فلا مَرجِعَ يَرْبِطها، وتخضع للعبث والفوضى والتّخبُّط في متاهات الجهل والهوى المتَّبَع.
ونحن نعلم أنّ سبب وضع النّحو على يد أبي الأسود الدُّؤلي، كان سوءَ فَهْمٍ لكلام لَحَنَتْ فيه ابنتُه، وخرجتْ به عن المألوف من كلام العرب، حيث قالت له ابنتُه: ما أحسنُ السّماء (برفع لفظ أحسن)، فقال: نجومُها، فقالت: ما أردتُ الاستفهام، ولكنّي أردتُ التّعجب، فقال: إذن، افتحي فاك، أي قولي: ما أحسنَ السّماء (بنصب لفظ أحسن). فأبو الأسود فَهِم معنى الجملة على مقتضى كلام العرب وما يدُلّ عليه ظاهرُ إعرابها، وهو غرض لم تقصِدْه ابنتُه، فكان سوءُ الفهم بين الطّرفين بسبب وقوع الخطأ، وأفْقَدَ اللّحنُ اللّغة قدرتـها على توحيد الفهم ومُهَّمتَها في تيسير التّعامل.
4. الضّعف اللّغويّ مرتبط بالضّعف الفكريّ والثّقافيّ، فليست اللّغة مجرّدَ وسيلة للتّخاطب فقط، ولكنّها أيضاً فكرٌ وعقيدةٌ وثقافةٌ وعواطفُ ومشاعرُ وتراث وتاريخ، ولا يمكن فصل جانب من جوانبها عن الآخر، أو وَقفُ تَسَرُّبِ المرض من عضو إلى بقيّة الأعضاء . وما نراه من هزالة الثّقافة العامّة لدى الشّبّان العرب في الوقت الحاضر، وضآلة زادهم من المعارف والعلوم، وجَهْلِهم بتُراثهم وتاريخهم، إنّما هو نتيجة طبيعيّة لضعفهم في لغتهم، وفقدهم للمفتاح الجيّد للثّقافة والمعرفة والعلم، وهو اللّغة المتمثّلة في كتاب أو مجلّة أو صحيفة أو إذاعة مسموعة أو مرئيّة وغير ذلك.
5. الضّعف اللّغويّ العامّ يؤدّي بالتّدريج إلى ذَوَبان الشّخصيّة، وفَقْد الْهُوِيّة، وانقطاع الصّلة بالرّابطة الّتي تُوَحِّد الأمّة، وتَشُدّ كيانَها، وتُحقّق لها استقلالها، وتبوِّئ لها المكانة المحترمة بين الأمم الحيّة. إنّ الحفاظ على اللّغة حِفاظ على الأصالة والانتماء القوميّ، وتضييعُها تضيعٌ لهذه الأصالة وهذا الانتماء.
هكِذا تنظرالأمم الحيّة إلى لغاتها: تعبيراً عن الكيان، وشعاراً للذّاتيّة، ورابطةً للقوميّة، ورمزاً للكرامة الوطنيّة، وحامياً للوَحدة والاستقلال.
وتَحْضُرني في هذا المقام قصّة واقعيّة طريفةٌ قرأتُها منذ سنوات في إحدى المجلاّت الجزائريّة على ما أذكر، وقد نقلتْها المجلّةُ عن صحيفة ألمانيّة نسِيتُ اسمها. ومُفاد القصّة أنّ طالبةً ألمانيّة في شهادةِ ما يسمّونه (البكالوريا) قد نجحت بتفوّق وامتياز في كلّ موادّ الامتحان، ولكنّها رَسَبَتَ ولم تُمْنَح الشّهادةَ لأنّها كانت ضعيِفةً في اللّغة الألمانيّة، ولم يشفع لها تفوّقُها في كلّ الموادّ الأخرى لدى الجهة التّعليميّة المسؤولة. ورفعت الطّالبة أمرها إلى محكمة (فرانكفورت) مطالبةً بإلغاء قرار رسوبها، والحكم لها بالنّجاح وحقِّها في الشّهادة، مستندةً إلى تفوّقها في كلّ الموادّ، ومدّعيةً أنّ ضعفها في اللّغة الألمانيّة ليس مسوِّغاً لرسوبها.
ولكنّ المحكمة رفضت طلبها، وأيّدتْ قرار الجهة التّعليميّة المختصّة في قرارها برسوب الطّالبة. ولم تيأس الطّالبة، فرفعت أمرها إلى درجات التّقاضي الأخرى الّتي رفضت دعواها وصادقت على قرار رسوبها، إلى أن وصلتْ بقضيّتها إلى المحكمة الفدراليّة الّتي هي عندهم أعلى درجات التّقاضي، فرفضتْ هي أيضاً دعوى الطّالبة، وأقرّت الحكم برسوبها، مُورِدَةً في حيثيّات حكمها أنّ اللّغة الألمانيّة هي التّعبير عن الفكر الألمانيّ المستقلّ، والمتَرجم عن شخصيّة الألمانيّين وهُوِيَّتهم، وهي أهمّ مادّة في الامتحان، والضّعف فيها لا يُغطّيه التّفوُّق والامتيازُ في الموادّ الأخرى.
ونضرب مثلاً آخر من الكيان الصهيونيّ - وقد يستفيد المرء من عدوّه-، فقد استطاع هذا الكيان العدوانيّّ بمجهودات جبّارة وعزيمة ماضية أن يحيي اللّغة العبريّة الّتي ماتت منذ أكثر من ألفي سنة، وأن يبعثها من جديد في خلال سنوات معدودة، فقد تكوّن المجمع العلميّ للّغة العبريّة عندهم عام 1953، وبجانب هذا المجمع كوّنوا مجلساً أعلى يضمّ نحو أربعين لجنة متخصّصة في كلّ الفروع العلميّة والفكريّة والأدبّية والفنّيّة، وتهتمّ بمسايرة اللّغة للتّطوّر المستّمرّ، واستحداث المصطلحات والمفردات العبريّة الّتي تغطّي الحاجة في كلّ المجالات، وما يُتَّفق عليه منها يُنْشَرُ في الجريدة الرّسميّة، ويُصبح العمل به إجباريّاً في الدّوائر الحكوميّة والمؤسّسات المدنيّة والجامعات ودُور التّعليم ووسائل الإعلام بأنواعها، ويُعاقب القانون كلّ من يخالف ذلك ولا يلتزمه، وبذلك استطاعوا أن يبعثوا الحياة في اللّغة العبريّة بعد أن شَبِعَتْ موتاً، وخَلَقوا لها كياناً بعد أن كانت أثراً من آثار التّاريخ، وهم يقولون إنّ اللّغة العبريّة هي المعبِّرة عن شخصّيتهم وثقافتهم وتاريخهم، والجامعة لكيانهم المشتَّت، والصّاهرة لكلّ اختلافاتهم الفكريّة، والرّابطة لوحدتهم وتضامنهم.
6. يترك الضّعفُ اللّغويّ العامّ فراغاً فكريّاً وثقافيّاً لدى الأمّة، وضعف الصّلة بتراثها وتاريخها وأمجادها السّالفة، فتكون بذلك ساحةً مُهَيَّأةً للغزو الثّقافّي الأجنبيّ، ومجالاً مفتوحاً لملء الفراغ بالكلمات الدّخيلة والأفكار الغريبة، وبهذا الغزو تُسْتعمر الأمّة فكريّاً وثقافيّاً، وهو استعمار أشدّ فتكاً وأسوأ آثارا من الاستعمال العسكريّ للأرض، لأنّه غزو يقتل الشّخصيّة، ويمحو الهُوِيَّة، ويجعل الأمّة ذيلاً تابعاً للغازي، ومَسْخاً فاقد الإرادة والكرامة.
إنّ الكلمات الأجنبيّة الوافدة الّتي تجد فرصتها للتّوغّل في ضعف اللّغة الأمّ، لا تغزو الألسنة بألفاظها ورطانتها فحسب، بل تدخل برصيدها الثّقافيّ، وتصطحب معها مدلولاتها وإيحاءاتها ومبادئها وتاريخها، وتحتلّ بها مواقع للسيّطرة والتّأثير وبسط النّفوذ واستعمار النّفوس والعقول.
7. ارتباط الإسلام باللّغة العربيّة ارتباط عضويّ متلاحم لا يمكن معه فصل العربيّة عن الدّين، لأنّ القرآن الكريم: كتاب الإسلام نزل بلسان عربّي مبين، فالعربيّة مفتاحه، والعربيّة أداة فهمه، والعربيّة الباب إلى كنوزه. ونبيّ الإسلام محّمد صلّى الله عليه وسلّم عربيّ قُحّ، وسنّتُه- وهي التّشريع الثّاني للإسلام- لا تُفْهَمُ ولا يُعْلَم ما فيها من تشريع ومبادئ وآداب وأخلاق إلاّ باللّغة العربيّة المسطّرة بها، فلا إسلام - إذن - بلا عربيّة، ولا عربيّة بلا إسلام، وإذا أُصيب القوم بضعف في لغتهم العربيّة، اسْتَتْبَعَ ذلك ضعفَ صلتهم بالإسلام، وفقدهم لأداة الدّخول إلى رحابه والاغتراف من معينه، ولذلك فإنّ التّقصير في حقّ اللّغة، والتّهاونَ في إنقاذها من ورطتها، تفريطٌ نُحاسَب عليه، وتقصيرٌ ندان به، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به، فهو واجب. وقد رُوِيَ عن عمر(رضي الله عنه) قوله: "تعلَّموا العربيّة فإنّها من دينكم "([1]).
وقد فَطن علماؤنا القدامى لعلاقة الإسلام المتينة باللّغة العربيّة، فأتقن المفسّرون والمحدِّثون والفقهاء والمؤرّخون والأدباء وغيرُهم علوم اللّغة غاية الإتقان، وتمكّنوا من معرفة خصائص اللّغة وأسرارها غاية التّمكّن، وكانت إجادتُهم للّغة خيرَ وسيلةٍ للفهم الصّحيح لكتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وخيرَ عونٍ لهم على استنباط الأحكام واستخلاص المبادئ والخوض في أعماق النّصوص، ورَوْعَة الكتابة شعراً ونثراً، والأمثلةُ على ذلك أكثرُ من أن تُحْصَى. ولابدّ لعلمائنا المحدَثين من أن يَحْذوا حَدْوَ أسلافهم في إتقان اللّغة العربيّة، وحسن التّعامل معها، وإجادة استخدامها في فهم نصوص الإسلام، وإبراز محاسنه وفضائله، والنّهْل من مناهله الّتي لا يَنْضُبُ لها معين، والرّدِّ على أعدائه ومُثيري غُبار الفتنة والشُّبَه من حوله، إذ لا يَصْلُح آخرُ هذه الأمّة إلاّ بما صَلَحَ به أوّلُها.
8. الضّعف في اللّغة العربيّة يدفع بعض النّاس إلى الزّيغ في العقيدة، والانحراف عن منهج الدّين والتّعسّف والضّلال في الحكم على النّصوص الإسلاميّة، وليِّ عُنُق الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة بسوء الفهم للّغة، والجهل بخصائصها وطرق تعبيرها، والقول فيها بالهوى والعناد.
ذكر ابن جنّي في كتابه الخصائص : " أنّ أكثر من ضلّ من أهل الشّريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطّريقة المثلى إليها، فإنّما اسْتَهْواه واسْتَخَفَّ حِلْمَه ضعفُه في هذه اللّغة الكريمة الشّريفة… وقال: ولوكان لهم أُنْسٌ بهذه اللّغة الشّريفة أو تَصَرُّفٌ فيها، أو مُزاوَلَةٌ لها، لَحَمَتْهم السّعادةُ بها ما أصارتهم الشِّقوةُ إليه، بالبعد عنها .. ولذلك قال:رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرجل لَحَن: " أرشدوا أخاكم فإنّه قد ضلّ" فسمَّى اللّحنَ ضلالاً، وقال عليه الصّلاة والسّلام: رحم الله امراً أصلح من لسانه، وذلك لما علمه صلّى الله عليه وسلّم مّما يُعْقِب الجهلُ لذلك من ضدّ السّداد وزَيْغ الاعتقاد"([2]).
وقد علّق محقّق (الخصائص) الأستاذ/ محمّد علي النّجّار، على الحديث الأخير بقوله: "حدّث بهذا الحديث عمر (رضي الله عنه)، وكان مرّ على قوم يُسيئون الرّمي فقرّعهم، فقالوا: إنّا قوم متعلّمين، فأعرض عنهم وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشدّ عليّ من خطئكم في رميكم، حيث سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول، فذكر الحديث: وانظر الجامع الصّغير في حرف الرّاء).
وقد رُوِيَ عن الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله: "إنّ أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربيّة".
9. واجبُ العرب في النّهوض باللّغة العربيّة وخدمتها وضرورة الإسراع إلى علاج ضعف أهلها فيها، لا يقتصرعلى أقطارهم فحسب، بل هم مُطالَبون بنشرهذه اللّغة الشّريفة بين المسلمين كافّة، ومكلّفون أمانةَ تبليغها وتعليمها إلى كلّ مسلم في العالم، لأنّّ الله حباهم أوّلاً باختيار لغتهم لساناً لكتابه العزيز، وحباهم ثانياً بأنْ جعل رسولَ الإسلام صلّى الله عليه وسلّم منهم، وحباهم ثالثاً بأنْ جعل أرضهم منطلقاً للإسلام ونوره. وهذه الميزة الّتي اختصّ الله بها أمّة العرب، تُثقل كاهلها بمسؤوليّة الدّعوة إلى دين الله الحقّ، ومسؤوليّة نشر لغة القرآن الكريم بين المسلمين، فهو تشريف لها يصحبه تكليف، وفخرٌ تعتـزّ به تترتّب عليه تَبِعة، ولكن كيف ينشر العربُ لغةَ القرآن الكريم بين المسلمين في أقطار الدّنيا وهم محتاجون إلى نشر هذه اللّغة بينهم؟ وكيف يخدمون إخوانهم المسلمين غير العرب وهم عاجزون عن خدمة أنفسهم؟ ففاقد الشئ لا يُعطيه، والمشلول الذي لا يحرّك نفسه لا يستطيع أن يحرّك غيره.
هذه في نظري الآثار النّاجمة عن الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة لدى أمّة العرب، وهي آثار لا نبالغ في وصفها بالماحقة أو المدمّرة، ولا نَشْتَطّ في الخيال إن قلنا إنّها تهدّد شخصيّة الأمّة بالذّوبان والتّلاشي إن استمرّت غفلة القوم عن المحنة، وتركوا الآفة تستشري وتتفاقم إلى حدّ اليأس من علاجها، لا قدّر الله.
علاج الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة

السّؤال الّذي يفرض نفسه الآن: ما هو العلاج؟ إذ لا يكفي أن نعدّد أعراض المرض ونحذّر من عواقبه الوخيمة، ثمّ لا نصف علاجاً ولا نتلمّس طريقاً للخلاص.
والإصلاح أساساً يكمن في إصلاح تعليم اللّغة العربيّة في مدارسنا ومعاهدنا على مختلف مستوياتها من الرّوضة والمرحلة الابتدائيّة إلى نهاية المرحلة الجامعيّة، فلو أُصْلِحَ تعليم اللّغة العربيّة، وصُفِّيَ مـمّا يعتريه من عوامل النّقص والتّخلّْف والجمود، ووُضِعتْ له المناهجُ الجيّدةُ والكتبُ القيمةُ والأساليبُ المتطوّرة المفيدة، لاجتزنا أصعبَ العلاج، وقطعنا من طريق الإصلاح معظمه، ذلك أنّ التّعليم هو المصدر الأساس الّذي يُزَوِّد كلّ مرافق الدّولة والمجتمع بالعناصر اللاّزمة، ويُعِدّ كلّ الكوادر لإدارة الأعمال ومزاولة الاختصاصات، فإذا كان واقع اللّغة العربيّة في التّعليم ضعيفاً ومهزوزاً وسيّئاً، لم يخرِّجْ إلاّ ضعفاءّ في لغتهم بطبيعة الحال، فينقل المتخرَّجُ الموظّفُ أو الطّبيبُ أو المهندسُ أو الصّحافيّ أو المذيع أو السّياسيّ أو المحاسب والاقتصاديّ وغيرهم، ضعفَهم الّذي ورثوه من التّعليم إلى مواقعهم ومناصبهم، لأنّهم جميعاً خرجوا من وعاء التعليم . وإذا كان تعليم اللّغة العربيّة صالحاً وجيّداً، خرّج تبعا لذلك عناصر تتمتّع بالكفاية اللّغويّة، وتُحسن التّعامل مع اللّغة، وتنقل ذلك إلى وظائفها ومراكزها.
والتّعليم الابتدائيّ هو نقطة البداية في الإصلاح والعلاج، لأنّ الطّالب الّذي يفشَلُ التعليمُ الابتدائيّ في تَزويده بأساسيّات اللّغة، ويُخْفق في تحبيبها إلى نفسه، ينتقل بضعفه اللّغويّ إلى المرحلة الإعداديّة ثمّ الثانويّة ثمّ الجامعة، ولا يفيد فيه بعد ذلك ترقيع وتقويم.
ومن المؤسف أنّنا لا نُعير المرحلة الابتدائيّة من التّعليم الاهتمام اللاّئق بها، ونضعها في آخر ترتيب المراحل التّعليميّة من حيث العناية والرّعاية، ونعامل معلّمها بأدنى الرّواتب، ونختاره من أصغر المتعلّمين سنّاً وأقلّهم تجربةً وأضعفهم تحصيلاً.
راجعتُ مرّة ما كتبه أحد أحفادي في دفتر (الواجب المدرسيّ)، فلاحظت أنّ الطّفل قد كتب بعض الكلمات كتابةً صحيحة، ولكنّ معلّمته خطّت بالقلم الأحمر على هذه الكلمات الصّحيحة وكتبتْ فوقها البديل الخاطئ، وتكرَّر معي ذلك مع حفيد آخر في مناسبة أخرى، فكيف نتوقّع من مثل هذه المعلّمة أن تلقِّن الطّفلَ اللّغة العربيّة الصّحيحة وهي تخطِّىُ الصّواب وتُصِّوبُ الخطأ؟ والعجيب أنّني طلبتُ من حفيدي أن ينبِّه معلّمتَه بأدب ولطف إلى ما وقعت فيه من تخطئة الصّحيح، فرفض ذلك بحجّة زعمه أنّ معلّمته لا تخطئ. وهو محقّ في هذه الشّعور لأنّه يرى في معلّمته المثل الأعلى والقدوةَ الحسنة، وهو لا يدري أنّه يتعلّم منها الخطأ.
إنّ من أوجب الواجبات تغييرَ نظرتنا إلى التّعليم الابتدائيّ إن أردنا الجدّيّة في إصلاح وضع اللّغة العربيّة، فنوليه كلّ اهتمامنا، ونختار له أكفأ المعلمين علماً وأتقنَهم لغةً وأكثرَهم خبرةً بأصول التّربية والتّعليم، ونَخُصُّهم بأفضل الرّواتب، ونشجِّعهم بمختلف الحوافزالماديّة والمعنويّة. وهكذا تفعل الأمم الحيّة والدّول المتحضّرة : تعرف للمرحلة الابتدائيّة أهميّتها، وتَقْدُرُها قدرها، وتُدْرِك أنّها المرحلة الّتي تَبْنِي الطّفل بناء ًعلميّاً ولغويّاً سليماً، وتُعدُّه إعداداً تربوياً جيّدا.
يقول الدّكتور/ رمضان عبد التوّاب: ولقد رأيتُ في ألمانيا معظم َمدرّسي هذه المرحلة (أي الابتدائية) مّمن حصلوا على درجة الدّكتوراه في التّربية وعلم النّفس، والدّولة تكرّمهم، وتمنحهم أعلى الرّواتب ليعيشوا في حالة استقرار ورضىً، وهي حالة لابدّ منها لكلّ من يراعي الأمانة، ويؤدّي واجبه في تشكيل هذه العجينة اللّينّة: طفل اليوم ورجل المستقبل، بما يرضي الله ورسوله، ولكي يتسنّى لهم فهمُ تلك البراعم الصّغيرة، فيلقّنوهم العلم وهم قريبون إليهم، يلتصقون بهم، ويلعبون معهم.
نعم، فهذه المرحلة هي أهمّ المراحل، وهي الّتي يحبو فيها الطّفل على مدارج القراءة، ويعشَق فيها الكتاب أو يكرهه، ويُقْبِل على اللّغة أو يَمْـفُـتُها إلى الأبد"([3]).
ولا يعني الاهتمام بمدرّس اللّغة العربيّة في المرحلة الابتدائيّة صرف النّظر عن الاهتمام بمدرّس اللّغة العربيّة في المراحل التّعليميّة الأخرى ؛فالمدرّس هو قطب الرّحى، وأساسُ العمليّة التّعليميّة في كلّ أطوارها ومراحلها، ويجب أن يُعَدَّ إعداداً جيّداً حيثما كان، حتّى يُعطيَ ويُنجزَ ونَجْنِيَ ثمار عطائه وإنجازه، ولكن ركّزنا على المرحلة الابتدائيّة لحساسيّتها واعتماد المراحل التّعليميّة الأخرى عليها.
وبعد ضرورة إعداد مدرّس اللّغة العربيّة - وخاصّة في المرحلة الابتدائيّة - إعداداً جيّداً، واختيار ذوي الكفاية والخبرة والتّجربة لتعليم هذه المادّة الحيويّة، تأتي مسائل تعليميّة أخرى لابدّ من أن يشملها الإصلاح والتّطوير حتّى تُسْهِمَ بنصيبها في علاج الضّعف اللّغويّ العامّ. ومن بين هذه المسائل:
1. تخليص الدّرس النّحوي من العلل الكثيرة الّتي أثقل بها كاهله بلا داع، وتحريره من القوالب الجافّة الّتي يُجْبَرُ الطّالبُ على حفظها وهي لا تُغني عنه شيئاً، ولا يحتاج إليها في التّطبيق العملي للّغة.
فعلى سبيل المثال: يكفي أن نعلِّم الطّالب أنّ الحركاتِ الثّلاثَ مقدَّرةٌ على الاسم الّذي آخره ألف لازمة ولو لم نسمِّه باسم الاصطلاحي وهو (المقصور)، ولا داعيَ لذكر علّة عدم ظهور الحركات بأنّه التّعذّر، ويكفي أن نعلِّم الطّالب بأنّ الضّمّة والكسرة مقدَّرتان على الاسم الّذي آخره ياء لازمة، ولو لم نسمّه باسمه الاصطلاحيّ وهو (المنقوص)، ولا داعيَ إلى ذكر علّة عدم ظهور الحركتين بأنّه الثّقل، ويكفي أن نقول في خبر(ليس) المجرور بالباء الزّائدة إنّه منصوبٌ محلاًّ، ولا لزوم إلى الشّريط الطّويل الْمُـمِلّ وهو أنّه خبر(ليس) منصوب بفتحة مقدَّرة على آخره منع ظهورها اشتغال المحلّ بحركة حرف الجرّ الزائد، ويمكن أنّ نقول في مثل: " نشِط وتحرّك سعيد" إن لفظ (سعيد) فاعل للفعلين، ولا لزوم لحشو ذهن الطّالب بالخلاف الّذي لا طائل من ورائه حول هذه المسألة.
وما يُقال في درس النّحو يقال في درس الصّرف، وإن كان الصّرف أكثر تَعقيداً وأثقل بالأعباء . ويمكن الاستئناس في هذا المجال بما قدّمته المجامع اللّغويّة العربيّة والمؤسّسات اللّغويّة المتخصّصة من دراسات وبحوث واقتراحات ومقرَّرات في شأن تيسير تعليم النّحو والصّرف وتصفيتها من الشّوائب الّتي خالطتْها وعقّدت درسهما.
أما التّفصيلات، وذكر الخلافات الاجتهاديّة، وما جاء شاذّاً وخارجاً عن القواعد العامّة، وما ورد من اختلاف اللّهجات العربيّة، فمحَلُّه الدّراساتُ العليا المتخصّصة، ولا ندعو إلى إهماله وتركه، لأنّه من التّراث الّذي نعتـزُّ به، ومن الذّخائر الّتي يمكن الاستفادة منها.
2. الأخذ بمذهب الكوفيّين النّحويّ في المسائل اللّغويّة الّتي يُجيزها الكوفيّون ويمنعها البصريّون، ففي ذلك تيسير للّغة، وتخفيفٌ من قائمة الممنوعات فيها، وتقليلٌ من مظاهر الضّعف اللّغويّ لدى الكتّاب والمثقّفين، من ذلك: جواز النّسبة إلى الجمع الباقي على جمعيّته، وجواز تعريف العدد المفرد في نحو: الخمسة كتب، وجواز نحو : "هل سعيد سافر" مطلقاً شعراً ونثراً، وجواز نحو:"ما أبيضَ هذا الثّوب"، وجواز تثنية "حمراءين" بدون قلب الهمزة واواً كما يوجب البصريّون، وجواز تصغير "ناب" على "نُوَيْب" وتصغير " شيخ" على "شُوَيْخ" وغير ذلك كثير.
3. نَبْذ طريقة الحفظ والتّلقين في التّعليم، تلك الطّريقة التّقليديّة الّتي جمّدت عقول الطّلبة، وجعلتْ أدمغتهم مجرّد أوعية تُحشَى فيها حرفيّة المعلومات والقواعد، ولابدّ من اتّباع الطّرق العلميّة والتّربويّة الّتي تهتمّ بفهم الطّالب، وتُوسّع مداركه وآفاق تفكيره، وتُشجعه على الإبداع والابتكار، وتُمَكّنه من تكوين القدرة على تطبيق القواعد اللّغويّة تطبيقاً عمليّاً، وتصله بالكلام الفصيح وتُرَبِّي ذوقَه عليه.
إنّ أسلوب الحفظ والتّلقين هو الّذي عطّل وظيفة علوم اللّغة في مدارسنا ومعاهدنا، حيث يحفظ الطّالب التّعريفات كما هي في الكتاب المقرّر، ويحفظ الأمثلة القلية الجافة لا يتجاوزها، وتأتي أسئلة الامتحان داعمة لهذا الحفظ، مخاطبة ذاكرةَ الطّالب لا فَهْمَه، ويتجاوزها الطّالب الامتحان بهذه الطّريقة حتّى يصل إلى الجامعة، فلا يتغيّر عليه فيها جوّ الحفظ والتّلقين، ولا يخرج من نطاق المذكّرات والكتب المقرّرة ونقل ما فيها إلى الذّهن كآلة التّسجيل، ويتخرّج وهو خاوي الوفاض من المهارات اللّغويّة اللاّزمة، وينقُل ضعفهَ اللّغويّ معه إلى وظيفيه وعمله بعد التّخرّج.
4. والكتاب التّعليميّ من أهمّ الجوانب الّتي يجب أن يتوجَّه إليها الإصلاحُ والعلاج، لأنّ نجاح التّعليم في غرس عادة القراءة لدى المتعلّمين، من شأنه أن يِّقويَ لغتهم، ويعالجَ ضعفهم اللّغويّ، ويُتيحَ لهم فرصَ الاطّلاع على النّصوص الفصيحة، وكثرةَ الاحتكاك بأساليب التّعبير المختلفة، فيتأثّرون بذلك أطيب التّأثّر، وينعكس عليهم تحسيناً للغتهم وتطويراً لقدراتهم التّعبيريّة وتقليلاً لأخطائهم.
ومع الأسف فإنّ تعليمنا العربيّ فشِل في تحبيب القراءة إلى المتعلّم، ولم يستطيع أن يعقد صداقةً تربط المتعلّم بالكتاب، وتجعلُ القراءة عادةً تلازمه طول حياته. ويدلّ على ذلك نسبة القارئين المتدنِّية جدّاً في الوطن العربيّ بمقارنتها بنسبة القارئين في الدّول المتقدّمة. ولابدّ من إعادة النّظر في الكتاب المدرسيّ العربيّ، وجَعْلِه كتاباً مُشَوِِّقاً، يَشُدُّ إليه الطّالب شدّاً، ويُثير خيالَه ويُحَرِّك مكامِنَ الإبداع في نفسه، ويُحَبِّبُ إليه القراءة حتّى تكونَ له عادةً يُحَسِّنُ من خلالها لغته، ويُوَسِّعُ مداركه، وينمِّي باستمرارٍ رصيدَه الثقافيّ والمعرفيّ.
5. ضرورة إلزام المدّرسين وخاصّة مدرّسي اللّغة العربيّة شرحَ الدّروس والتّحدُّثَ إلى الطّلبة باللّغة العربيّة الفصحى السّليمة من اللّحن وأخطاء النّطق، والابتعاد عن الشّرح والتّحدُّث باللّهجة العامّيّة، لأنّ الطّالب يتعلّم اللّغة ويتشرَّبُها من إلقاء مُدرّسه، وطريقة أدائه للكلام وسلامة لغته، وحسن نطقه للحروف من مخارجها، أكثر مّما يتعلّمه ويتشرَّبُه من القواعد والمعلومات المسطَّرة.
إنّ من أسباب ضعف طّلابنا في اللّغة العربيّة تحدُّث مدرّسيهم لهم باللّهجة العامّيّة، وقد علمتُ من عدّة أشخاص أثق بصدقهم أنّ بعض الأساتذة في الجامعة يدرّسون لطلبتهم علوم اللّغة العربيّة ومن بينها الأدب باللّهجة العامّيّة، فضلاً عن شيوع التّدريس باللّهجة العامّيّة فيما دون الجامعة.
واللّغة الفصحى الّتي نعنيها وندعو أن تكونَ لغةَ التّدريس في كلّ مراحل تعليمنا، هي اللّغة المبسَّطة الميسَّرة الّتي تُسْتَعمل فيها المفردات الواضحة، والجملُ القصيرة، والتّركيباتُ السّهلة غير المعقّدة. وقد يكون من المفيد أن يستعمل المدرّسَ الكلمات العربيّة الصّحيحةَ المبثوثة في اللّهجات العامّيّة - وهي كثيرة - بعد أن يصحّح تحريفَها إن كان فيها تحريف، ويُعيدَ إليها صياغتها الفصيحة، ففي هذا الاستعمال ما يساعد الطّلبة على فهم الكلام واستيعابه، حيث يَسْتَأْنِسون بكلمات كثيرة مألوفة لديهم، وفيه ردُّ الاعتبار لكلمات عربيّة صحيحة جَنَت عليها العامّيّة بشيء من التّحريف.
6. الاستعانة في تعليم اللّغة العربّية بالوسائل السّمعيّة والبصريّة الحديثة، كمختبرات اللّغة وأجهزة الاستماع، والأشرطة المرئيّة، والشّرائح المصوّرة وأقراص الحاسوب، وغيرها، إذ لابدّ أن نستفيد من مخترعات العصر في هذا المجال، ونساير التّطوّرالعالميّ في وسائل التّعليم، ونقتبس من غيرنا ما يعود على لغتنا بالنّفع.
هذه أهمّ جوانب الإصلاح اللّغويّ في مجال التّعليم الّذي يتحمّل الجزءَ الأكبر من المهمّة، وهناك جوانب أخرى لها التّأثير المكمِّل الفعّال في علاج الضّعف اللّغويّ العامّ، ونذكر منها ما يأتي:
· العمل بجدّيّة ونشاط على نشر قرارات المجامع اللّغويّة العربيّة والمؤسّسات المختصّة الأخرى على أوسع نطاق ممكن في مختلف وسائل النّشر والإعلام، والتّشجيع على تبنّيها وتطبيقها واستعمالها في الكتاب المدرسيّ والكتاب العامّ والصّحف والمجلاّت والإذاعات المسموعة والإذاعات المرئيّة والإعلانات والنّشرات والرّسائل والتّقارير والمذكّرات والبحوث والدّراسات والمحاضرات والنّدوات وحلقات النّقاش ولغة التَّخاطب وغيرها، إذ في تلك القرارات تيسير للغة، وتطوير لها، وجَعْلُها مُلَبِّيَةً لحاجات العصر، وتخفيفٌ من الأخطاء فيها، ومنحُ الكاتبين والقارئين أوسعَ مساحةٍ ممكنةٍ من حرّية التّعبير بلا حرج. ويشمل ذلك المجالات الآتية:
أ) مجالات المفردات الجائزة الصّحيحة، مثل تقييم لتقدير قيمة الشّئ، وجمع (فَعْل) على (أفعال) مطلقاً بلا قيد، وجمع (مفعول) على (مفاعيل) للعاقل وغير العاقل، وبَرْمَجة وجَدْوَلة ومَنْهَجَه، وتربويّ وتنمويّ وتعبَوِيّ، ولا أخلاقيّ واللاّشعور، ومبيوع ومديون (على لغة بني تميم)، والتّحوير بمعنى التّغيير، وبديهيّ وطبيعيّ وعقيديّ، وإلحاق التّاء الفارقة في صَبورة وشكورة، وجمع (فَعول) جمع مذكّر سالماً، وجمع (باسل) على (بواسل)، وقيمِّ بمعنى حسن، والعَمالة للدّلالة على العمل والعُمّال… إلخ.
ب) في مجال الجمل والتّعبيرات الحديثة، مثل: قال ذلك كسفير، وصَادَّق الرئيسُ على القرار، وسافر فلان في مُهِمَّة، وسارت المفاوضات خطوةً خُطْوَة، وحبّذا لو صَبَرْت، هَبْ أنّي فعلتُ كذا، وحضر ما يقرُب من ثلاثين رجلاً، مشى بصورة جيّدة، قال ذلك بصفته مسؤولاً، عاش الشّاعُر الأحداث، مهما قلتَ فلن أُؤاخِذَك، فعلتُ نفسَ الشّئ وناقشتُ نفسَ الموضوع، استهدفت الخُطّةُ زيادةَ الإنتاج، مادمتَ مديراً فأنت المسؤول، أنجبَ فلان بنتاً، رصَدَ فلان مالاً …إلخ.
ج) في مجال المقابل العربيّ لألفاظ أجنبيّة متداوَلة، مثل المفكّرة مقابل "الأجندة"، والبرنامج مقابل "بروجرام"، والمِلفّ مقابل "الدُّوسِيه"، والمحفوظات مقابل"أرشيف"، والقسيمة مقابل" الكوبون"، والبطاقة مقابل "الكارنيه"، والسِّرداب مقابل"البدروم"، والفصل الدّراسيّ مقابل "التِّرم"، والرّتابة مقابل "الرّوتين"، والصّكّ مقابل " الشّيك"، الشُّرفَة مقابل "البلكون"، والمصباح مقابل "اللّمبة"، والأجر الإضافّي مقابل "الأوفر تايم"…إلخ.
· ضرورة تعيين مراجع لغويّ متخصّص أو مراجعين - على حسب حجم العمل- في دُور النّشر والصّحف والمجلاّت ومؤسّسات الإعلان، بحيث لا تُطْبَعُ أيُّ مادّة مكتوبة إلاّ بعد مراجعتها وتصحيح أخطائها الإملائيّة والنّحويّة والصّرفيّة والتّعبيريّة، ووضع علامات التّرقيم في وضعها الصّحيح.
· ضرورة تعيين مراجع لغويّ متخصّص أو مراجعين - على حسب حجم العمل - في كلّ إذاعة مسموعة وإذاعة مرئيّة، بحيث لا تذاع أيّ مادّة كلاميّة في نشرة الأخبار أو التّعليقات أو البرامج المتنّوعة أو الإعلانات أو غيرها، إلاّ بعد مراجعتها وتصّحيحها وتشكيل أواخرالكلمات أو تشكيل بعض المفردات تشكيلاً كليّاً أو جزئيّاً على حسب ما يراه المراجع ضروريّاً.
· ضرورة تعيين مراجع لغويّ متخصّص أو مراجعين في الشّركات والمؤسّسات والمصارف والإدارات لتصحيح ما يُكتب من برقيّات، وطلبات، ودعوات وجداول أعمال جلسات، ومحاضر، ورسائل، وتقارير، ومذكّرات، وغيرها، قبل طباعته وبعدها للتّحقّق من السّلامة اللّغويّة.
· التّشدّد في اختيار العاملين والموظّفين والمحرّرين المختصّين بالكتابة في دُور الصّحافة، أو المختصّين بالقراءة والإذاعة في الإذاعات المسموعة والمرئيّة، بحيث لا يُختار لهذه المهن إلاّ الـمُجيدون للّغة المتقنون لاستعمالها، وذَوُو النّطق السّليم لحروفها، والأداء الحسن لجملها بالنّسبة للإذاعتين.
· ضرورة إعطاء المذيعين والمذيعات فرصةً لمراجعة ما يُطْلَب منهم قراءتُه قبل إذاعته بوقت كاف، ليتعرّفوا إلى المقروء، ويضبطوا كلماته بالحركات، ويُحدِّدوا النّبرات الصّوتيّة المناسبة لفقراته، ويستشيروا المراجع اللّغويّ فيما يلتبس عليهم.
· قيام المراجع اللّغويّ أو المراجعين بمناقشة المذيعين والمذيعات في أخطائهم اللّغويّة والصّوتيّة، وتبيين وجه الخطأ ووجه الصّواب لهم، إذ بذلك يتعلّم المذيعون والمذيعات من أخطائهم، ويحرصون على عدم العودة إلى الخطأ بعد أن عرفوه.
· منع استعمال الكلمات الأجنبّية الدّخيلة المتداولة، وضرورة استعمال المقابل العربيّ لها، سواء أكان ذلك في الوسائل المكتوبة أم الوسائل المقروءة، ويُسْتَثْنَى من ذلك الأعلام والأسماء الأجنبيّة للشّركات أو البضائع وغيرها.
· ضرورة مراعاة كتّاب المسلسلات التّمثيليّة استعمال المقابل العربيّ لكلمات أجنبيّة متفشّية لا ضرورة لها، مثل: مِرْسِي، وبونجور،وبنسوار، ومدام، ومود مازيل، وبِزْنس … إلخ.
· التّقليل بقدر الإمكان من البرامج المذاعة باللّهجات العامّيّة المحلّيّة، وتشجيع البرامج المذاعة بالفصحى الميسّرة الّتي لا يستعصي فهمها على أحد.
· إقامة دورات في اللّغة العربيّة بين الحين والآخر لمحرّري الصّحف والمذيعين والمذيعات وغيرهم، لتقوية لغتهم، وعلاج أخطائهم، وتدريبهم على السّلامة اللّغويّة بكلّ جوانبها.
· تَشجيع الّذين يُظِهرون تحُّسناً في لغتهم، وتَطَوُّراً في إجادة كتابتهم أو قراءتهم، ونقصاً ملحوظاً في نسبة أخطائهم اللّغويّة، بكل وسائل التّشجيع المادّيّة والمعنويّة، كتوجيه رسالة شكر لهم، أو تكريمهم بمنحهم شهادات تقديريّة، أو منحهم العلاوات والمكافآت الماليّة، أو ترقيتهم إلى درجة أعلى، أو غير ذلك من الحوافز المشجّعة.
· الإكثار من المسابقات عبر وسائل الإعلام المختلفة في علوم اللّغة العربيّة وأنواع الكتابة من شعر وقصّة ورواية ومقالة وبحث، وتقديم الجوائز القيّمة للفائزين، مع اعتبار السّلامة اللّغويّة فيما يُقَدَّم إلى المسابقة شرطاً أساسيّاً وعنصراً مهمّاً في تقويم الأعمال ضمن العناصر الأخرى اللاّزمة لتقويم الإبداع.
· فتح مجامع اللّغة العربيّة والمؤسّسات اللّغويّة الأخرى، والمؤسّسات الثّقافيّة والتّعليميّة الرّسميّة والأهليّة، مواقع لها على (الإنترنيت) ُتبَثُّ فيها مقرّراتها وأعمالها، وتقدّم المعلومات والدّروس المبسَّطة لتعليم مواعد اللّغة، وأخرى لتعليم العربيّة لغير النّاطقين بها، وتردّ على الشُّبه المثارة حول اللّغة العربيّة، وتنبّه على الأخطاء الشّائعة وتدلّ على الصّواب، وتقاوم الكلمات الأجنبيّة وتبيّن المقابل العربّي لها، وتجيب عن أسئلة المتّصلين بها حول اللّغة وقضاياها. وبصورة عامّة تقدّم كلّ ما هو مفيد لخدمة اللّغة العربيّة ونشرالوعي بها، وتحبيبها إلى أهليها، ومساعدتهم على استيعابها والتّخلّص من ضعفهم فيها.
إنّ (الإنترنيت) هو وسيلة العصر في الحاضر والمستقبل، وهو آخذٌ في الانتشار والتّوسّع بسرعة مذهلة، ولا يُسْتَغْرب أن يَقْتَحِمَ خلال سنواتٍ كلّ بيت ومدرسة وإدارة كما اقتحم المذياعُ والتّلفاز، وعلينا أن نستغلَّ هذا الاختراع الإنسانيّ العظيم في خدمة لغتنا وتطويرها وتوصيلها إلى أكبر عدد ممكن من البشر.
· العمل بالطّرق المناسبة، ولو بإصدار التّشريعات اللاّزمة، للقضاء على الظّاهرة المنتشرة في معظم البلاد العربيّة، وهي تَفَشِّي الأسماء الأجنبيّة للمحالّ التّجاريّة ومحالّ المهن والحِرف، ومحالّ التّصوير والفنون، والفنادق، والمقاهي، والمطاعم، والمنتَجات الوطنيّة على اختلافها، الشّركات العربيّة على تنوّعها، وغير ذلك، حتّى أصبح من النّادر أن تعثر على لافتة مكتوبة باسم أو عنوان عربيّ في أسواق بعض البلاد العربيّة ومكاتبها، وهو مظهر من مظاهر الغزو الثّقافّي الأجنبيّ يعلن عن نفسه في لافتات مكتوبة بأسماء أجنبيّة بالخطّ العربيّ العريض.
أمّا الأسماء الأجنبيّة الوافدة إلى البلاد العربيّة من الخارج، فلا سبيل إلى إلغائها، لأنّها أجنبيّة أصلاً، ومسمّاة باسمها الأجنبّي من بلادها، وذلك كأسماء الفنادق العالمية، وأسماء شّركات الطّيران العالميّة، وأسماء شّركات السّيارات والأدوية وغيرها، وأسماء البضائع المستوردة الدّاخلة بأسمائها التّجاريّة المسجّلة رسميّاً.
· العناية الكافية بلغة البرامج الإذاعيّة المسموعة والمرئيّة المقدمة إلى الأطفال، بحيث يُختار لها أصحابُ الإلقاء الجيّد والأداء الصوتيّ الحسن، وتُراعَى فيها السّلامة اللّغويّة من كلّ الوجوه، مع العرض الفنّيّ المشوِّق، واستخدام الوسائل السّمعيّة والبصريّة المفيدة لِتَّشُدَّ بذلك الأطفال إليها، وتُحبِّبَ إليهم لغتهم، وتُلَقِّنَهم إيّاها تلقيناً سليماً.
· الإكثار من البرامج اللّغويّة المتنوّعة في الإذاعتين المسموعة والمرئيّة، بطريقة الشّرح المباشر، أو عرض الشّرائح واللّوحات، أو الحوار، أو المشاهد التّمثيليّة، أو الأسئلة المباشرة من المستمعين والمشاهدين للّردّ عليها من مختصّين في اللّغة، أو غير ذلك ممّا هو مفيد لخدمة اللّغة وأهلها، مع استخدام وسائل التّشويق، وإمكانات التّصوير والإخراج الجذّابة.
· تشجيع تكوين الجمعيّات الأهليّة لحماية اللّغة العربيّة والدّفاع عنها، على غرار الجمعيّة المكوَّنة في إمارة الشّارقة بدولة الإمارات العربيّة المتّحدة الّتي سمعتُ أن لها جهداً مشكوراً في نشر الوعي اللّغويّ وخدمة العربيّة.
· تشجيع الكتاب العربّي والعمل على نشره ودعمه من الدّول العربيّة كما تدعم السّلع التّموينيّة، إذ لا يقلّ زادُ العقول أهميّةً عن زاد البطون، وكلّما كان الكتاب رخيصاً وفي متناول صاحب الدّخل المحدود، كان أوسع انتشاراً، وأدعى إلى زيادة نسبة القارئين. ولاشكّ أنّ القراءة عامل مهمّ في تحسين اللّغة، وتقوية الضّعف فيها، وتنمية المهارة في استعمالها، فضلاً عن أهميّة القراءة في تنمية الأفكار، وتوسيع آفاق المعرفة، ورفع المستوى الثقافيّ العامّ بين أفراد الشّعب.
أما بعد :
فهذا ما يسّر الله لي تسطيره من أسباب علاج الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة ووسائله، وهي أسباب ووسائل متداخلة ومتكاملة ومتعاونة ويخدم بعضها بعضاً، وتتضافر جميعُها في إنقاذ لغتنا ممّا يهدّدها من خطر،والوقوف بصرامةٍ في وجه التّحدّيات الشّرسة التي تتربّص بها دوائر السّوء.
وستظل هذه الأسباب والوسائل وغيرُها مّما يقترحه الآخرون ويُضيفُه المشاركون في النّدوة حبراً على ورق لا تخرج عن نطاق الكلام النظريّ، ما لم تُؤْخَذْ بالمسؤوليّة الكبيرة المناسبة لضخامة المشكلة اللّغويّة، وما لم تَرْقَ قضيةُ اللّغة إلى مستوى قضايا الحياة أو الموت الّتي تتطلّب الجهادَ بكلّ تضحياته وجراحه، وما لم تعلن الأمّة التّعبئة العامّة للدّفاع عن هذه اللّغة الشّريفة الّتي تناوَشَتْها السّهام الحاقدة من كلّ مكان.
إنّنا مطمئنّون كلّ الاطمئنان، وواثقون كلّ الثّقة، بوعد الله الّذي تكفّل بحفظ كتابه العزيز: (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون)، وحفظُ كتاب الله ضمانٌ لحفظ لسانه العربّي المبين، ولكنّ ذلك لا يمنعنا من واجب الأخذ بالأسباب، وطَرْقِ الأبواب، والعملِ ليرى الله عملنَا ورسولُه، وتغيير ما بأنفسنا حتّى يغير الله ما بنا.
(*) عضو مجمع اللّغة العربيّة اللّيبيّ.

(1) مقالات / لمازن المبارك، ص 180، / دار البشائر.

(2) الخصائص/لابن جنّي، ج 3 ، ص (145 و 146) ، دار الهدى للطّباعة والنّشر.

(3) دراسات وتعليقات في اللّغة - للدّكتور/ رمضان عبد التّوّاب، ص 229، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة.

المهاجره
02-16-2011, 12:40 AM
تطلعات مستقبلية في تعليم العربية

(*)د. إسماعيل أحمد العمايرة

أود في هذا المقام أن ألقي الضوء على أظهر التطلعات التي يتوخى تحقيقها في مجال تعليم العربية مستقبلا :

أوّلاً: في مرحلة التعليم العام

1. العربيّة لغة واسعة في بُعديها الزماني والمكاني، وقد تراكم في حاضرها: القديمُ والحديث، ولذا فقد بات لزاماً أن نحدد ما نريد من تعلّمها، في الصرف والنحو والأساليب. وهذا ما تسعى إليه لغات حيّة لا يمتد عمق الثقافة اللغويّة فيها، إلى ما يمتد إليه عُمق الثقافة اللغويّة العربيّة. ومع ذلك فقد سعوا إلى تحديد ما يريدون في ضوء هدف واضح يرمي إلى إيجاز الطريق على المتعلّم في الوصول إلى الهدف من اللغة، وهو تحقيق التواصل بأقلِ ما يمكن تَعلمه من قواعد النحو والصرف والصوت والأساليب والمفردات، دون حاجة إلى استعمالات مهجورة، لا يبعث فيها الحياة أن يُتَكلّف لها موضوع حيّ. ويحضرني هنا ما تكلفه مؤلفو كتاب (النحو والصرف للصف الثاني الثانوي الأدبي والشرعي، المقرر الحالي([1]) ص 50-55) لِيَبثّ الحياة في كلمتي كَرَب واخلولق، حرصاً منهم على مبدأ الوفاء بحشد ما ورد في الكتب التراثية من أفعال دالة على الشروع، فكان مثال كَرَب عندهم هو: كَرَبَ فريقُ كرة القدم الوطنيُّ يُتمُّ استعداده للمشاركة في البطولة الدوليّة. ومثال اخلولق هو : اخلولق الأمن الغذائي أن يشمل المجتمعات الفقيرة.
2. نحتاج إلى وعيٍ تتَمثّل فيه أهداف واضحة عمليّة، من وراء تعليم اللغة، فالواقع الحالي يَنُمّ عن أننا نركز على هدف الكتابة أكثرَ من تركيزنا على القراءة والتكلّم، ومن أمثلة ذلك أن نضبط أواخر الكلمات عند انتهاء الجُمل، ونقول بعدئذٍ للطفل: لا تحرك عند الوقف. وكثيراً ما تحوّلت حصة التعبير إلى ممارسة كتابية صامتة، دون أن تكون فرصة للتحدث. وكثيراً ما كانت حصة القراءة الجهريّة قاعة محكمة يتجبّر فيها المدّرس بألوان من السلوك الانفعالي القاسي. وعلى العموم، فإن الهدف المنطوق من اللغة يظل هدفاً تنقصه المهارات الجادة في مجال القراءة الجهريّة، والتعبير الجهري، والمواقف المنطوقة المتنوعة كالحوار، والخطابة، والمحاضرة. وهذا ما تعكسه مواقف الطلبة حتى في المراحل الجامعيّة، إذ هم يجرؤون على التعبير الكتابي أكثر من جرأتهم على التعبير المنطوق بالفصحى، التي يفرّون منها إلى التعبير باللهجات المحليّة.
3. من مقتضيات التفكير العملي لغوياً، ألاّ يتحكم التفسير الشكلي للغة في مضمونها، كما لو كانت قواعدُ المضمون تتطابق دائماً مع قواعد الشكل في اللغة، أي لغة، وبالتالي يُبني على ذلك، خطأ، توهمُ أن التفسير الشكلي ينبغي أن يكون خاضعاً للمنطق ذاته الذي يخضع له تفسير المضمون؛ فالمضمون أقرب إلى درس المنطق الذي لا يختلف فيه الناس، على اختلاف لغاتهم، وأماّ من حيث الشكل فلكل لغة منطقها الخاص الذي ينبع من خصوصية نسيجها اللغوي الذي يميزها عن غيرها. وأحسب أن هذا المبدأ لم يراع في بعض جوانب التأليف اللغوي الذي بُنيت عليه الكتب المدرسيّة. فلو كنّا نراعي ذلك لما أدت بنا الرغبة الملّحة في تفسير نصب الحال (الهدف الشكلي) إلى أن نجعل من السؤال بـ "كيف" ميزاناً نبني عليه كلّ مفهوم الحال " مضموناً" كما لو كان النصب مشروطاً بمضمون " كيف".
انظر مثلاً تحكمّ " كيف" في درس الحال، في كتاب قواعد اللغة العربيّة، المقرر الحالي (ص173 وما بعدها) مع أن قواعد الحال شكليّاً لا ينبغي أن تحول دون عدّ جمل من نحو: (جلس الرجال يستريحون، أو وقفت أنتظر زيداً، أو قابلت المسؤول أعرض عليه مشكلتي) جملاً لا تجيب عن " كيف" بالدرجة الأولى، وإنما تجيب عن " لماذا"، ولكنه الخلط بين مقتضيات التفسير الشكلي والمضمون.
4. لا تستطيع اللغة أن تتوسع في أشكالها وقوالبها بما يجاري تَوَسّع مضامينها، ولذا فقد ألِفنا في تاريخ كثير من اللغات أن تميل اللغة إلى تحميل الشكل الواحد مجموعة من المضامين، وأن تختصر كثيراً من الأشكال التي تسقط على درب التطوّر الذي تمرّ به اللغة في رحلة ارتقائها. وهذا ما حدث في أبنية الأفعال العربيّة، وفي ألوان من الجموع، والمصادر، وبعض أبنية المشتقات، وقد جرى ما يشبه ذلك في لغات أخرى أيضا.ً فالألمانية الدارجة اختصرت صيغ الأزمنة القديمة فيها، لتُحَمّل وظيفتها عدداً قليلاً تبقّى في واقع الاستعمال اليومي.
وأما العربيّة فمما زاد في قواعدها أن تقعيدها ابتداء كان يقوم على أساس من التوسع في اختيار المستويات اللغويّة من شعرية ونثرية. وللشعر خصوصياته التي كان ينبغي أن تُفْصَلَ عن المستويات العادية، التي تجمع بينه وبين النثر، فصلاً أوسع مما نصت عليه كتب الضرائر الشعرية. ولكن عدم الفصل هذا، جعل قواعد اللغة تُثْقَل بكثرة القواعد من جهة، وتتميّع من جهة أخرى بما لا يُعرف: أهو من خصوصيات الشعر أم مما تجيزه اللغة في أوضاع الاستعمال العادي. كما أن المعياريّة العربيّة قامت على تأليف القواعد مما تَنَوعت فيه اللهجات، فتداخلت العموميات التي تجمعها، بالخصوصيات التي يوقف إزاءها بحيرة: أهي من العموميات التي ينبغي أن يُحرص عليها، أم من الخصوصيات التي يمكن الاستغناء عنها؟ وقد ترتب على هذا ـ وفي ظل غياب منهج واضح في الفرز الإحصائي الذي يعطي الأشياء قيمة تتناسب وشيوعها- أن جاءت كتبنا المدرسيّة حافلة بما يلزم وبما لا يلزم، وفي هذا ما يفسر وجود هذا "الكم" الهائل من القواعد وأوجه التعدد التي تَثْقُل على الناشئة، وبخاصة حين يُفرض عليهم معرفة أبنية أو قواعد نحويةٍ لا يستطيعون توظيفها. وقد ترتب على هذا أن تُحشد لهم القواعد حشداً عشوائياً، يَسْتهدف الوفاء باستحضارها من الكتب التراثية إلى الكتب المدرسيّة استحضاراً جعل الكتب المدرسيّة، تُقدَّم للناشئة مادة مكتظة بالقواعد، وبخاصة في المراحل المتأخرة من الرحلة المدرسية، بحجة أن مدارك التلاميذ في الصفوف الأخيرة قد اتّسعت بما يؤهلهم لاستيعاب هذا الحشد من القواعد، وبحجة أن الرحلة المدرسيّة قد آذنت بالانتهاء، فلا بُد من إيـداع ما تبقى منها، من قواعد اللغة.
ولطالما أحس المدرسون بضيق الوقت المخصص للوفاء بحق تعليم العربيّة في مدارسنا. وهذا أمر خطير بحق، فكأننا بضيق الوقت نتعمد أن نحشـر الأشياء في عنق الزجاجة، أو كأننا بتضييق الطريق وتكثيف السير فيها لا نريد لحوادث المرور أن تكثر.
ولو أن مستعرضاً مَحّصَ هذه القواعد لوجد إلى جانب سمة الاكتظاظ فيها، سمةً أخرى، وهي سمة النقص، فالكتب المدرسيّة التي تعج بأبواب النحو والصرف وبتفصيلات هذه الأبواب التي خُدمت خدمة تراثية، ما تزال فقيرة في مجال الدرس الصوتي، حتى كاد نظام المقطع يكون مغيباً منها. وقل مثل ذلك، في تأثير بعض الأصوات على بعض، في نطق الكلمة والجملة، وفي وضع الكلمة حين تنطق منفردة، ووضعها في بيئتها من الجملة والنص.
وقد تزداد الحاجة إلى مثل هذا في مستويات الأطفال الصغار في المراحـل الدراسيّة الأولى، حين تكون أعضاء النطق لديهم في حاجة إلى الارتقاء والنضج. بل إن بعضهم يظل يعاني لغوياً ونفسياً واجتماعياً، إلى مراحل متقدمة من العمر، من بعض المشكلات النطقية التي يُنتظر من الكتاب المقرر أن يساعدهم فيها، كأن تُحَل مشكلة تداخل الأصوات عندهم، أو تأثير بعضها في بعض، فيأتي الكلام واضحاً بدلاً من أن يظل مغمغما مُلْتفّاً غامضاً.
ولأضرب مثلاً آخر من النحو، فعلى الرغم من وجود تفصيلات لكل من جملة الشرط وجملة الصلة، وجملة الحال وغيرها، إلاّ أننا لا نجد درساً واحداً تجمعت فيه التراكيب الدالة على أنواع الزمن في العربيّة. ويعود السبب في عدم إنصاف التعبير الزمنيّ في العربيّة إلى ذلك الوفاء الأعمى للمعياريّة التي لا يُراد لها أن تخرج عن مقولات من نحو:"وُلد النحو بأسنان.. ومن أراد أن يضع كتاباً في النحو بعد سيبويه فليستح".
وأحسب أن علم البلاغة قد أصابه الأذى أكثر مما أصاب أيّ علم من علوم اللغة، فإذا كان الصرف والنحو من ثوابت اللغة، وكأن الثبوت على المعايير القديمة لا يؤذيهما كثيراً، فإن الثبوت على قواعد البلاغة القديمة قد أوجعها وأوهنها وعَقّدَها، لأن البلاغة- رغم بعض ثوابتها النسبيّة- تظل من المتغيرات التي تتغير بتغير الذوق العام.
5. ثمة تحسس بالغ نْبديه إزاء العاميات، وهو تحسّس مفرط ينبع من نظرة استعلائية، تحكم أحياناً بأن الاستعمال خطأ، لأنه مستساغ متداول في العاميّة، فكأنما يراد بذلك أن تُعزل اللغة عن الوسط الاجتماعي الذي تُمارس فيه ممارسة لا تحتاج معها إلى أي قدر من التعليم. وعلى هذا قد يُخَطّأ من يقول: دُوَليّ وقُرَوِيّ، ومِهَنيّ.. وهكذا، أي بأن تكون النسبة للجمع، وذلك لأن القاعدة البصريّة العتيدة تقتضي بأن تكون النسبة للمفرد، مع أن القاعدة الكوفية تجيز النسبة إلى الجمع، والعامّة حين تقول مثلاً: مجلس الأمن الدُّوَليّ، لا تعني دولة بعينها، وإنما تعني النسبة إلى مجموعة الدول، وكذلك النسبة إلى المِهَن فيقولون: مركز التدريب المهِني، أي الذي يُتَدرَب فيه على مجموعة من المهن، والمجلس القُرَوي الذي تنتسب إليه مجموعة من القرى، فلماذا لا يُتخذ من ذلك توسعة على اللغة؟ فيكون الدُّوْليّ دالاً على النسبة إلى دولة بعينها، والدُّوَلي حين تكون النسبة إلى مجموعة من الدول.
إن التواصل بين الفصحى والعاميّة أمر مطلوب ومرغوب فيه، ولا ينبغي أن يُعادى، ولا نملك أن نفرّ منه، وهو ما حدث على مَرّ العصور، وغاية ما يُطمح فيه أن نراقب التدرّج في رأب الهُوّة كلما اتسعت بينهما، ليكون ذلك لصالح الفصحى، ورُجحان كفّتها. وعلى هذا كنتُ استحسن من بعض الكتب المدرسيّة أن تأتي بأمثلة على التصغير من واقع ما يجري على ألسنة العامة، ما دام يَتّفق ونواميس الفصحى نحو: صويلح وسويلم وعبيد وسهيل (مذكرة في قواعد اللغة العربيّة للصف الثاني الثانوي الأدبي والعلمي والتجاري، المقرر السابق ص109) أماّ أن يُؤتى بألفاظ من نحو لا يُعهد تصغيره، فيقال: كيف تطبق عليه قاعدة التصغير، فهذا يجعل اللغة صعبة، ومراسَها عنيداً، ويحيل قواعدها إلى رياضة ذهنيّة عسرة، ولا يخدم الفصحى. فقاعدة التصغير مثلاً ينبغي أن تنطلق من الواقع العملي، لا المتخيل، الذي كان يتسلى به الترف النحوي، حين كان يقال: كيف تصغر أو تنسب إلى رجل سُمّي: كيف، أو سمي: في، أو: على…أو كيف تصغر: سفرجل، أو إبراهيم. (لمزيد من التفصيل عـن التواصل بين العاميّة والفصحى، انظر كتابي: المستشرقون والمناهج اللغوية، ص114، الطبعة الثانية).
6. نحتاج في تقديم المادة اللغويّة إلى منهجية واضحة تستسيغها الناشئة، فلا يكفي أن يقال: نبدأ بالأسهل ثم نتدرج من ذلك إلى الأصعب، فهذا لا يُغني عن طرح بنائيّ للأبواب، كأن يَعْرف الناشئ شيئاً من الصرف، كالمجرد والمزيد، قبل أن يبدأ باستخدام المعجم، وإلاّ فسوف يُضطر إلى ما اضطر إليه مؤلفو كتاب اللغة العربيّة للصف السادس، المقرر القديم، إذ رَتَّبوا معجم المفردات الصعبة في آخر الكتاب، وفق الحرف الأول فالثاني.. للكلمة، دون النظر إلى حروفها الأصلية أو أساسها الاشتقاقيّ.
وعلى ذلك ينبغي أن يُبنى درس المبتدأ والخبر، على أساس من معرفة الجملة الاسميّة، وأن يُبنى درس النواسخ على أساس من معرفة المبتدأ والخبر، وأن يبنى درس الفاعل على أساس من معرفة الجملة الفعليّة، وأن يبنى درس نائب الفاعل على أساس معرفةٍ بالفاعل، وأن يبنى درس الحال والتمييز والشـرط والتعجب.. على أساس من المعرفة بالجملة الاسمية والجملة الفعلية، وعلى ذلك أيضاً ينبغي أن يُنظر إلى أن الكلمة تتألف من مقاطع، والمقاطع من أصوات، وهكذا.. فهذا أساس لا بدّ منه في معرفة الأصول وأصول الأصول، والفروع وما يتفرع عنها، في النحو والصرف والصوت. فهذه النواميس اللغويّة العامة ينبغي أن تراعى. ولا يدخل في هذا الأساس البنائي أن يؤتى بالمرفوعات جميعها، ثم المنصوبات ثم المجرورات، إذ الأولى من ذلك أن يأخذ المؤلف شيئاً من هذه وشيئاً من تلك، وربما شيئاً رابعاً لا من هذه ولا تلك، فالنحو أوسع من أن يُحصر في هذه المصطلحات الثلاثة: مرفوع، ومنصوب ومجرور أو مجزوم، أي هو أوسع من أن يحصر في عامل ومعمول، فثمة أشياء لا تعمل ولا يُعمل بها، وثمّة نظرات أخرى تخرج عن نظرّية العامل، التي تفسر الشكل، إذ قد ينظر إلى النحو نظرة قائمة على المضمون، أو المراوحة بين الشكل والمضمون، فقد تُبحث اللغة من باب الأساليب كالنفي، والشرط، والزمن، والاستثناء، والحال، والتعجب، والاستفهام، والمدح والذم، وما شاكل ذلك. وهو أمر ممكن.
7. وثمة أساس آخر، وهو الشيوع المبني على الإحصاء، فنحن لا نزال نرتجل في تخمين الألفاظ الشائعة، التي نبني عليها نصوصنا المدرسيّة، وحسبنا أن نَذْكر تجربة قام بها أحد الباحثين الألمان، إذ حاول أن يقف على المشترك من الأفعال الشائعة في العربية، في كتب تعليميّة ثلاثة كبيرة، جاء بعضها في مجلدات عدة، فكان المشترك بينها لا يتجاوز مئة وخمسين فعلاً، والبقية أفعال اختلفت فيها هذه الكتب (انظر: الأفعال الشائعة في العربيّة المعاصرة لهارتموت بوبتسين، ترجمة إسماعيل عمايرة، منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة 1986م).
ولو كنّا نملك دراسات إحصائية لكان في وسعنا أن نقدم المادة اللغويّة في صورة معجمات صغيرة تتناسب وأعمار الناشئة، وثقافاتهم، ولكان في وسعنا في أبواب الصرف والنحو أن نعرف بأي القواعد نبدأ وبأيّها نثني. وعلى هذا فما تزال مناهجنا ومقرراتنا بحاجة إلى بنية تحتيّة وصفيّة إحصائيّة نعرف على أساسها كيف نقدم اللغة للناشئة بصورة مدروسة لا مرتجلة. وعلى هذا فإن المرء يعجب من هذا العبارات الهيّنة في كتابتها، حين نزعم في مقدمات هذه الكتب أننا نتخيّر الألفاظ والقواعد وفق شيوعها، فأين نحن من الدراسات الإحصائية الدقيقة التي تقف بنا على أرضية صُلبة تسمح لنا بالاطمئنان إلى حقيقة ما يحتاج إليه الأمر، حتى تُترجم هذه العبارات إلى واقع ينقلها من المزاعم والأماني والتخمينات، إلى الواقع الحقيقي القائم على أساس علمي، كما هي الحال في مقررات تدريس اللغات الحيّة.
وقد كان من سخريات الأمور أن تستسهل وزارات التربية والتعليم، فتؤبّط الصبية الصغار، مختصراً لمعجم الصحاح للجوهري، فتظن بذلك المختصر- وقد صغروا حرفه الطباعي-أنها قد وضعت بين أيدي الناشئة معجماً مناسباً، يعينهم في فهم ألفاظ الحياة، وما علموا بذلك أن المسألة ليست في اختصار هذا المعجم الجليل، أو سواه، ولا في تصغير طبعته وخطّه، وإنما في مدى ملاءمته للغرض. إن مثل هذه الأعمال، تخديريّة، لا تُغني عن أن تُؤلّف المعجمات بما يتناسب مع الحاجة الحقيقيّة الواعية من وراء أن يقتني الصغير معجماً يلبيّ حاجة عملية لديه، لا أن يكشف عن مفردات انسحب كثير منها من واقع الاستعمال، منذ زمن بعيد.
لقد أدركت عمليّاً قيمة العمل الإحصائي في فرز القواعد اللغويّة إثر تجربة عمليّة على باب الشرط، ثبت لي من خلالها أن عشرات من القواعد التي نصّت عليها كتب النحو لا لزوم لها، وحسبنا أن نعلم مثلاً أن من أدوات الشرط - التي لا يكاد يخلو من ذكرها كتاب نحويّ- ما لم نجد عليه شيئاً من الشواهد، في عينة مستفيضة من النصوص المحتج بها لغوياً، وأذكر من ذلك "أيان" التي يذكر لها النحاة شاهداً يتيماً، لم يرد في عينتي،"وإذ ما" التي يستشهد عليها النحاة بشاهدين لا ثالث لهما. كما أثبت لي الفرز الإحصائي مثلاً، أنّ الفعل الماضي أكثر شيوعاً من المضارع المجزوم في جملة الشرط، حتى إن نسبة شيوعه في بعض النصوص- ككتاب الرسالة للإمام الشافعي، المجلد الأوّل- قد بلغت 100%.
8. لا يخفى أن الكتب المدرسيّة - ومنها كتب تعليم العربيّة - تحتاج إلى مزيد من التنويع في تمريناتها، فالتنويع المدروس فيه تحريك للذهن، وبُعْد عن النمطية المملة، كما أن فيه إثارة وتشويقاً. ولذا بات من لوازم الوفاء بهذا المطلب أن تقوم بعض الدراسات بالاّطلاع على ما أُلّف في مقررات الدول العربيّة والأجنبيّة، بقصد حصر أنماط التمرينات والتدريبات اللغويّة فيها، وبيان الإيجابيات أو السلبيات لكلّ نمط فيها. وسيكون هذا الجهد جزءاً من البنية التحتيّة التي نعتمد عليها عند الشروع في تأليف مقرراتنا، أو تطويرها، فنتخير منها ما نحاكيه، أو نصوغ على منواله، أو نُعَدّله. وبالتالي نكون قد أغنينا تجربتنا في مجال حيويّ من مجالات التعليم. وسيكون لهذا التنوع أثره الإيجابي في إنصـاف الأغراض النطقيّة، وبخاصة حين يكون من مقتضيات هذه التمرينات استخدام الأجهزة الصوتيّة والمعامل اللغويّة التي تمكن التلميذ من مراقبة أدائه من حيث الوقوف على الأخطاء، ومن حيث ملاحظة جمال الصوت، ومدى وضوحه، ومناسبته لمقتضى الحال.
9. مما يعجب له المرء أننا نشكو من تفاوت مستويات المدرسين، ولكننا نَكِل إليهم اختبار الطلبة، في كل صف من الصفوف المدرسيّة، فتأتي النتائج متفاوتة أيضاً، فثمة نوع من المدرسين يراعي جانب الذاكرة في التقويم، فتأتي أسئلته من نحو: اذكر، عدّد .. وثمة نوع يجمع بين أسئلة تقوّم الذاكرة والذكاء، ويوازن بينهما، ومنهم من يَعْرف أساسيات التقويم، ومنهم من لا يعرف منها إلاّ اليسير، ومن المدرسين من يُجزل في إعطاء الدرجات، فيخدع الطالب ويخدع أسرته بعلامات مرتفعة، ومنهم من تَشِحّ العلامات عندهم، فلا يكاد ينجح أحد، وقد تُعبر الدرجة المعطاة عند بعضهم عن مضمونها أو لا تعبّر..
وهكذا يصبح الاختبار خاضعاً لاعتبارات شخصيّة، قد يداخلها الهوى، أو قلة الخبرة أو ما شاكل ذلك من أمور تجعل المرء يشك في تنجيح الطلبة أو ترسيبهم على حدّ سواء.
وكان الأولى أن تصمم اختبارات تشخيصيّة تخضع لاعتبارات علميّة لكل مستوى، اختبارات جادة تشرف على إعدادها مؤسسات تعليميّة تربويّة نفسيّة، تقف بنا على مستوى أداء المدرس، والمدرسة، اختبارات مجرّبة مدروسة متطورة تختبر المنهاج والكتاب المقرر، والعمليّة التعليميّة بكل مقوماتها وأسسها وطموحاتها.
وينبغي أن تُعَدّ الاختبارات التشخيصيّة المؤسسة المجرّبة، لكل مُقَرّر، ولكلّ الصفوف المدرسيّة. فما أقل هذه الاختبارات، التي نستطيع بها أن نعرف مستويات المدارس والمدرسين والطلبة والكتب المدرسيّة وغير ذلك مـن مقومـات العمليّة التعليميّة اللغويّة وغير اللغويّة([2])!.
10. إن مسألة الضبط بالشكل مرهونة بطبيعة النظام الكتابي للعربيّة. والعربيّة في هذه المسألة واحدة من أسرة لغويّة تشابهت اللغات التي تتألف منها في أنها تهتم بالصوامت، وتهمل كثيراً من الصوائت، أي الحركات، وبخاصة الحركات القصيرة كالفتحة والضمة والكسرة، وقد تهمل الحركات الطويلة، والحركات الفرعيّة كالإمالة وما شاكلها. وهي سمة كتابية قديمة جداً، نلحظها في النصوص العربيّة والعربيّة الجنوبيّة، والآراميّة، والسريانية وغيرها. وقد ظل هذا التقليد دارجاً في هذه اللغات، ولم يعدُ إصلاح هذا النظام الكتابيّ، غير إكساب الحركات، في كل هذه اللغات نوعاً من الشرعيّة؛ بإيجاد رموز كتابية لها لا ترقى إلى مستوى الصوامت، كالباء والتاء والثاء والجيم والحاء. وإنما توضع هذه الرموز الحركيّة فوق الصوامت. وعلى هذا عوملت الصوامت بوصفها أصولاً ثابتة في الكتابة، وعوملت الصوائت (الحركات) بوصفها شيئاً تابعاً متغيراً، وكأنما هي أحوال متغيرة لما هو ثابت، فالباءـ وهي صامتة- وذات رمز كتابيّ- تحتمل أن تكون مكسورة أو مضمومة أو مفتوحة، كما تحتمل غير ذلك من الأحوال، كأن يكون كسرها بشدة، وكذلك ضمها، أو فتحها.
وعلى هذا فإن ضبط الصوامت بالحركة المناسبة أمر لازم إن أردنا الدقة وأردنا للكتابة أن تصور النطق الصحيح للكلمة أو الجملة. غير أن هذا ـ كما أسلفنا- يترتب عليه إثقال الحروف بالحركات، كما يعني أن تضرب عدد الصوامت بعدد ما يمكن أن يُضبط به من رموز فرعية، وعلى هذا فإن الباء مثلاً تحتمل أن تكون على نحوٍ ما، من الأشكال الكتابيّة الآتية:
بْ ، بَ ، بُ ، بِ ، بَّ ، بُّ ، بِّ ، باً ، بٌ ، بٍ
ناهيك عن تعدّد أشكالها في أول الكلمة ووسطها وآخرها، موصولة ومنفردة، وهذا يعني أن يستوعب المتعامل مع النظام الكتابي جميع هذه الأشكال، مضروبة في عدد الصوامت في العربيّة.
وقد ترتّب على النظام الكتابيّ الموروث أن اشتركت بعض الأصوات المتباينة في رموز كتابية واحدة. فالياء والواو في نحو: يَلدِ ، وولد، هما صامتان ليِّنان (شبه حركة) ولكن الياء والواو في نحو: بريء، ونوح، هما صائتان أي كل منهما حركة طويلة، ومع ذلك فالرمز الكتابي واحد.
وقد أسمى اللغويون كل ما حَظي من الأصوات برمز كتابي ثابت (أي يُكتب في صلب الكلام) حرفاً، وعلى هذا فالباء والتاء حرفان، وكذلك الألف في نحو: ما، ولا ، وكلاّ، وما دامت الباء حرفاً ثابتاً، وهو يحتمل الحركات بوصفها شيئاً متغيراً، كأنها من الخصائص المتغيرة لذلك الثابت، فقد تخيلوا أن الألف تحتمل ذلك، فقالوا في ما: إنها مبنيّة على السكون ونسوا بذلك أنها حركة طويلة، لا يجوز في حقها أن تدعى ساكنة. وقالوا في: رأى: إنها مبنيّة على الفتح المقدر على الألف، وفي عيسى ـ في النص- إنه منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. (قاسوه بنحو: عُمَرَ).
بل تخيل بعضهم أن فتحةً تسبق الألف التي تنتهي بها الأسماء الخمسة المنصوبة، نحو: أباً، وأخاً. ولعل في هذا ما يفسر سلوك الكاتب الذي يضع فتحة على الحرف الذي يسبق كل ألف، من نحو: وسائل وخالد، ونوايا.
والأمر نفسه قد حدث بالنسبة للواو أو الياء الصائتتين، فما دامت الواو صوتاً حظي برمز كتابي كالباء، فهي تحتمل السكون احتمال الباء لها، فقالوا في الواو المتصلة بالفعل الثلاثي (واو الجماعة) إنها ساكنة، وكذلك ياء المخاطبة في نحو: تلعبين وفي هذا ما يفسر لنا السلوك الكتابي لكسر الباء في تلعبين، وضم الواو في تلعبون، فما دامت الواو أو الياء حرفاً، أي له رمز كتابي، فهو عندهم لا يصلح أن يكون حركة، ولذا فقد تصوّروه ساكناً ووضعوا له السكون رمزاً، وما دام ساكناً، كان لابّد من حركة (سوى الواو أو الياء) للحرف الذي يسبق الواو أو يسبق الياء، فوضعوا الكسرة أو الضمة.
لقد ساعدنا التطوّر التقني الحديث في التخلّص آلياً من التغلّب على مشكلات كتابة الحروف في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها. فما عاد يلزم من الكاتب على جهاز الحاسوب مثلاً سوى أن يضغط على الحرف، فيتولى الجهاز تحديد شكل الحرف تلقائياً بما يتناسب مع البداية أو الوسط أو النهاية. وهذا إنجاز كبير ولا شك، بَيْدَ أن المشكلة ظلّت تواجه الكتابة باليد.
وأما مشكلة الضبط بالحركات، فما تزال ماثلة أمام الكتابة اليدوية والآلية، وأخص الضبط بالحركات القصيرة، وعلى هذا كان لابد من التفكير في حلّ مناسب لمسألة الضبط بالشكل. وهي مسألة قديمة استسهل بعضهم لحلها أن يُغيّر الخط العربي، وهي كارثة بحق، فلئن أقدم الأتراك والأندونيسيون على تغيير كتابتهم واتخاذ الكتابة اللاتينيّة، فإن العرب لا يستطيعون ذلك، وإلا عبثوا بما أؤتمنوا عليه، أي الحفاظ على النصوص المقدسة التي جاءت بلسانهم، وهذه مسألة قد يحلوا لمن أراد أن يتناولها تناولاً سطحياً أن يماري فيها، ولا مجال هنا لأن يفاض في الحديث عن ذلك.
ورأى بعضهم أن يُطور الخط العربي لتصبح الحركات جميعها ذات رموز كتابيّة تدخل في صلب الكلمة، غير أن هذا الحلّ كذلك لم تطمئن به نفوس الناس، لأنه يحدث تغييراً كبيراً على نمط الكتابة الموروثة، ويصبح من الصعب به أن تقرأ النصوص التي كتبت بالنظام الكتابي الموروث. وبالإجمال، نُظر إلى هذا الحل على أنه ـ يقل خطورة عن الحل السابق، بيد أنه ينطوي على كثير من المحاذير.
فماذا بقي بعدئذٍ، سوى أن نضبط كل شيء، وهذا حلّ مكِّلف، جهداً، ووقتاً، ومالاً، وهو لازم في النصوص المرجعي‍ةـ كما أسلفنا- بيد أنه لا يلزم في طباعة النصوص العادية، كلغة الصحافة والمراسلات والروايات وما شاكل ذلك. وعلى هذا كان لابّد من تخير مواطن اللبس حتى يُقتصر على ضبطها، وحتى نخفف عن الحروف المثقلة، وعلى هذا كان يحسن بنا ما يلي:
ا) عدم ضبط ما قبل الألف، وما قبل الواو والياء إذا كانا حرفي مدّ وضبط ما قبلهما إذا كانا من الصوامت، في نحو: بَوْح وسَيل.
ب) ضبط تلك المشتقات التي لا يميز بينها إلاّ بالحركات نحو: أَفْعَلَ، أُفْعِلَ، أَفْعِلَ، أُفَعِّلُ، أفْعَلُ وقيس على ذلك المشتقات من نحو اسمي الزمان والمكان، نحو اسم المكان في مَحْلَب (مكان الحلب) واسم الآلة في نحو مِحْلَب (أداة الحلب) واسمي الفاعل والمفعول مما فوق الثلاثي: مُرْتجِع ـ مُرْتَجَع؛ والأمر: تناوَلْ، والماضي: تناوَلَ، والمصدر: تناوُل والمضارع: تُنِاول؛ والمثنى: مهندسَي المشروع والجمع: مهندسي المشروع.
ج) التعود على كتابة الشدّة في جميع مواقعها.
د) الاستغناء بالهمزة تحت الألف تغني عن تحريكها بالكسر في نحو: إنّ، ويبقى أمر الحركة مجالاً للفرق بين الهمزة المضمومة والهمزة المفتوحة، إذ تأتي الهمزة فوق الألف. ويقاس على ذلك شكل الهمزة إذا جاءت على واو، فإنها تغني عن ضمها وجوباً في نحو سماؤه، أو جاءت على ياء في نحو: سمائه.
ه) ضبط الجمل التي قد تقرأ على وجهين مختلفين، لا يفرق بينهما إلاّ الضبط بالشكل.
و) ضبط أسماء الأعلام وبخاصة الأجنبية (بيرْجِشْتريسر) وغير المألوفة (طَرَفة) أو المتشابهة (الزَّبيدي والزُّبَيْديّ).
ز) وقد يبقى احتمال اللبس قائماً، ينهض بالكشف عنه السياق وحده، وتوقّع مستوى المخاطب عُمْراً، وتعليماً، وقدرةً ذهنيّة، إلى غير ذلك من اعتبارات مختلفة. ولذا فإن هذه الضوابط قد يُزاد إليها أو يُنقص منها، في ضوء تجريبها، وتشخيص أحوال القُرّاء.
11. في ضوء المنظور مما يجري حولنا بهذه السرعة المتسارعة، في مجالات الحياة جميعاً، فإن اللغات - كالهويات الثقافيّة- تعيش صراع البقاء، وتتزاحم تزاحماً عجيباً، فكم من لغة كانت محليّة كالإنجليزيّة والفرنسية، ثم أصبحت عالميّة بوسائل العصر الحديث، وبمتغيرات أخرى في معادلة القوة والضعف الحضاريّ. فإذا أردنا للغتنا أن تزاحِم، وأن تعزز مقومات وجودها، فإن علينا أن نبذل المال والوقت والخبرة في سبيل تطوير الواقع كلّه، والواقعِ اللغوي من ضمنه، وأن نواجه تحديات العصر في مجال الاتصالات بأنواعها، وفي كل المجالات، وألاّ نكتفي بدور اليد السفلى التي تنتظر من اللغات المزدهرة الآن، بحثاً متطوراً تترجمه، أو برنامجاً حاسوبياً تُعرّبه، وقد يأتي التعريب مسخاً، لا هو بالعربي ولا هو بالأجنبّي، كصورة التعليم المدرسي والجامعي في بلادنا. لا شك في أن مناهجنا الحديثة اختلفت درجة عن وضعها قبل مئات السنين، لكن هذا التطور- الذي قد يكون خطوة إلى الإمام أو قد يكون خطوة إلى الوراء - يبقى كله خطوات متخلّفة، إذا ما وازنا ذلك بالخطى المتسارعة التي يسير فيها التطور العالمي، هائجاً مائجاً، وقد يتضمن الغث والسمين، وما ينفع وما يضر، وقد واجهته مدارسهم وجامعاتهم، أما نحن فكثير منّا لا يزال في خصام مع لحظة اليقظة من نوم عميق، متسائلاً: أيهما أنفع دفء الفراش ولو بأحلام مزعجة، أم يقظة تعتريها عقبات وواقع صعب، وفي مجال اللغة والتطوير التربوي يدور سؤال ربما يكون موازياً: أيهما أجدى أنَنقطع إلى الماضي، ومافيه، أم ننقطع عنه، ومنه، أم نواجه الحاضر بما ينفع من أسلحة الماضي والحاضر.
ثانيا: في مرحلة التعليم الجامعي

لعلّ من أخطر ما نعانيه في كليات اللغة العربية وأقسامها، أننا نركّز على الكمّ على حساب الكيف. وهذا عرَض من أعراض المرض. فقد اعتدنا أن نقسم مواد الأدب على ما اعتدنا عليه من تقسيمنا الأدب إلى عصور، فنخوض في خِضَمّ من الزمان والمكان، وتحوّلت بذلك نعمة الماضي المتصل بالحاضر، في تاريخ حضارتنا، إلى نقمة. فالرقعة المكانية للأدب العربي واسعة، والعصورعديدة متماسكة، ولكن الأدب فُتِّتَ إلى عصور كالعصر الجاهلي، وصدر الإسلام، والعصر الأموي، والعصر العباسي، وقد شُطِرَ هذا - بدوره - إلى عباسي أول، وعباسي ثان، وامتد التقسيم بامتداد رحلة الزمان التي استغرقت نحو سبعة عشر قرناً. ومع كل تقسيم زماني يحتمل الأمر تقسيماً مكانياً، فالأدب يقسم إلى أدب في بلاد الشام، وأدب في العراق، ومصر، والمغرب، والأندلس. وأما في العصر الحديث، فبلاد الشام أجزاء، فهناك الأدب في لبنان، والأدب في سورية، وفي فلسطين والأردن.
وقُلْ مثل ذلك في أجزاء الجزيرة والمغرب، ووادي النيل. وقد عرف الأدب تقسيماً آخر، كأدب القبائل والمدن والطبقات. وقد انسابت الخطط الدراسية في أقسام اللغة العربية، وراء هذا التجزيء بحجة ما له من منافع، فاستغرق منها معظم الساعات التي يمكن للطالب أن يقضيها في الجامعة، وكان ذلك على حساب مواد أخرى قلَّ نصيبها كاللغة، وبعض المواد المساندة للتخصص. وقد ترتب على ذلك أن سعى كثير من الأقسام إلى حشد محاضرات اللغة في بضع ساعات، يفي بها عدد ضئيل من الأساتذة، في حين أنها بسطت محاضرات الأدب، ووفر لها الأساتذة الذين يزيدون بكثيرعن أساتذة اللغة. وفي هذا ما يُسَوِّغ كثرة الرسائل الجامعيّة في الأدب وقلّتها في اللغة، علاوةً على صعوبة البحث اللغويّ في العادة، وجفافه.
ومع أن هذا التقسيم لا يخلو من فائدة لا تخفى - إذ هو يعطي فرصة لتركيز الضوء على فترة زمنية لها أهميتها، أو رقعة مكانية لها خصيصتها - غير أن له محاذيره، إذ يصعب أن نلتمس ما يُسَوّغ الإغراق فيها كلها أو جٌلّها، بوصفها هدفاً يُسْعى إلى حصره وتأبيده كماً، والإحاطة به في خطة دراسية محدودة الزمن، ناهيك عما قد انطوى عليه هذا الهدف من احتمال الانحياز إلى أهداف إقليمية، أو عرقية، أو ما شاكلها. وقد رأينا من آثار ذلك كيف تتحول المحاضرة عند بعض الأساتذة إلى شكل من أشكال التعصب، الذي تُصَوّر فيه شخصية شاعر ما، في صورة ترتفع به عن آدميته، التي استمد منها مقومات فنّه، إلى شخصية تكاد تُؤلّه، أو ترقى لتصبح مَلَكاً يطل من سُدُم الفضاء, فيتناوله هؤلاء الآدميون من الباحثين - ما دام قد أصبح موضوع اهتمامهم وتركيزهم - بآي المديح والثناء. وقد يكون العكس - حين لا يكون الهوى مع ذلك الشاعر- فتهوي به الريح في مكان سحيق، ويُقذف بكل ما يَشين.
ليس الطالب الذي وُكِل أمر تخريجه إلى هذه الأقسام ملْكاً لها إلى الأبد، فالزمن الذي يقضيه فيها من عمره محدود، وهو لا يتسع إلى كل العصور، ولا إلى كل الأماكن والأصقاع، ولذا كان ينبغي أن تُحكم الخطط بما يراعي الزمن، فالجامعات بنظاميها، نطام الساعات المعتمدة، ونظام السنوات، تخصص للتخرج من المرحلة الجامعية الأولى، فترة زمنية محددة. وهي فترة مناسبة نسبياً، إذا ما قيس ذلك بالفترة التي يقضيها الطلبة في العادة، في النظام العالمي، للحصول على هذه الدرجة، وتقدر بأربع سنوات في النظام السنوي، أو بنحو مئة وثلاثين ساعة معتمدة في نظام الساعات. ومع تعدد مجالات الحياة، وتداخل أنواع التخصص، اتجهت الجامعات في المرحلة الجامعية الأولى إلى أن يُلَم من بعض العلوم الأخرى بطرف، وأصبح الأمريُتدرج معه في أبعاد ثلاثة، متطلبات عامة، وترى الجامعات أنها أساسية في بناء أي خريج، مهما كان تخصصه، وقد خصصت له بعض الجامعات من المواد ما سمي فيها، متطلبات جامعة، وتحتل المواد المخصصة لذلك نحو 25 - 30% من مجمل ما يدرسه الطالب في المرحلة الجامعية الأولى. ومتطلبات فيها قدر من التخصيص, تقترب بالطلبة - في العادة - من التخصصات التي تُقرّبهم من الانتماء إلى فروع كليتهم، وتُعَد من مستلزمات الخريج في تلك الكلية التي ينتمي إليها الطالب، وتتبوأ هذه من الخطة العامة 25 - 30%. وما تبقى فهو مواد من صلب تخصص الطالب، أي من 40 - 50%. وربما كانت فلسفة الجامعات في ذلك، أنّ الدرجة الجامعيّة الأولى، عامّة، وأن التخصص الدقيق يكون في الدرجتين التاليتين : الماجستير والدكتوراه. والذي أراه : ألاّ تقل نسبة المواد التخصصيّة في المرحلة الجامعيّة عن 60% من مجمل ما يأخذه الطالب.
فكيف - والرقعة الزمنية محدودة- نتصرف لنوازن بين الكم والكيف في بناء شخصية الطالب المتخصص في اللغة العربية وآدابها?
لقد ثبت أن الوقت لا يتسع لاستيعاب كل العصور المتعددة، والأصقاع المترامية ولا يتسع لمنهجية الإغراق في التفصيلات. وإن المنبت في هذا الاتجاه، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى، فلا هو حافظ على مبدأ الكم ولا على مبدأ الكيف، وقد أخذت الشكوى تزداد يوماً بعد يوم من ضعف الطلبة وضعف الباحثين.
ولست معنياً - هنا- بالحديث عن المواد غير التخصصيّة، إذ المقصود المواد التخصصيّة من الخطة العامة لدرجة البكالوريوس، على أن المواد غير التخصصيّة، تعاني من عدم الفهم السليم لفلسفة وجودها، وقد ينعكس هذا على كيفيّة تدريسها، وكيفيّة تلقيها، بفتور من المدرس، وزهد من الطالب فيها.
كان يمكن أن تقتصر كليات اللغة العربية وأقسامها، على شطر مناسب من المواد التخصصيّة، كأن يكون الربع منها، لتحقيق جانب الاستيعاب والشمول، ودراسة العصور والأماكن، على أن تُرسم التفصيلات والجزئيات بقدرها، كما تُرسم البلدان على الخرائط، فتبدو مُحْكَمة في مواقعها، وأشكالها ونسبة مساحاتها من المساحة العامة... وهكذا في مسيرة الأدب، ففي هذا النوع من المواد، يظفر الطالب بتصور شمولي لكل فترة زمنية أو بيئة مكانية، وفي خط أفقي عريض، لا يُركّز فيه على جغرافيا الأدب، في تفصيلاتها والتواءاتها وشعابها، فيكون الطالب بذلك عرضة إلى أن يضيع في بُنَيّات الطريق، وإنما تُقَدَّم له الصورة في مخطط محكم عريض، يشبه مخططات المدن الكبرى، التي تقف بالسائح عند أظهر المعالم وأهمها.
إن عقلية الغوص في متاهات التفتيت والتجزيء، ربما تكون مسؤولة عن افتقار حياتنا العلمية إلى أعمال منهجية، موسوعية. فكم من بحوث جزئية في مكتباتنا العربية، لكنها تظل كأوراق هائمة، لا تربطها بشجرة العمل الكلي رابطة، ولا تمتد منها خيوط تصلح لأن تربطها بعمل موسوعي جامع. ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أن كثيراً من باحثينا المحْدثين قد رُبّوا على أن يروا الأشياء في صورتها الفُسَيْفسائيّة المجزأة، أكثر مما رُبّوا على استشراف الصورة العامّة، وإيقاع الجزيئات موقعها منها.
وحتى الأعمال الموسوعية التي بين أيدينا - على تواضعها كمّاً وكيفاً - ما تزال تظهر عليها السمة الفردية المحدودة، فأين هي من الموسوعات المؤسسية الجامعة، التي تستوعب تاريخ الحضارة من ماضيها إلى حاضرها، وتسجّل خُطى مسيرتها في مجالات اللغة والأدب والسياسة والاقتصاد. إن حياة الناشئة تفتقر إلى ما يربى فيهم مَلَكَة الإطلالة الموسوعية، التي تضع الجزء في مقامه، وفي مكان استحقاقه.
فالغاية المتوخاة من ربع المواد المتخصصة أن يستشرف الطالب، أكبر "كَمّ" يمكن أن يأخذه مما اتسعت به رقعة المكان والزمان، في مواد مدخلية عامة، كتاريخ الأدب، وتاريخ النقد، وتاريخ النحو، وتاريخ البلاغة.. ويكون في الوقت نفسه، قد تربى، في ضوء دراسته لهذه المواد المدخليّة - تربية كيفية منهجية، عرف بها كيف يكوّن من التفصيلات والتفاريق بناء محكماً.
على أن الأهم من ذلك، الذي ينبغي أن تخصص له ثلاثة أرباع المواد، هو جانب الكيف، أو المنهجية. والمواد المنهجية غايتها التركيز على المنهج في تناول الظواهر وتحليلها، لا على الكم والمعلومات، فالطالب يُلمُّ بالمعلومات والتفصيلات والتواريخ والإحصاءات، لتصبح المعلومة إلى جانب المعلومة، كاللبنة إلى جانب اللبنة في تكوين بناء له مزاياه وشخصيته الفنية.
إن العناية بالمنهج تتطلب العناية بالمعلومة, ولكن المعلومات لا تأتي مفككة وإنما يستدعيها المنهج في مواقعها، حتى تصبح المعلومات في مجموعها، كأنما هي حبات من الخرز، والمنهج ينتظمها، ويشكل منها عقداً، بدونه يتعذر انتظام العقد حتى لو ملأنا الأرض خرزاً، ولؤلؤاً.
وتحضرني هنا بعض الأمثلة، أتناولها من الرسائل العلمية لدرجتي الماجستير والدكتوراه. فقد سُئل أحد الطلبة في مناقشة أطروحته لنيل الدكتوراه، عن إحصاءات تشكل ثلث رسالته، عن هدفه منها، ولماذا أعدّها، فعرفت من إجابته أن لا هدف له من ذلك، سوى أن يُحَلّي رسالته بعقود من القوائم الإحصائية التي تفتقر إلى الدقة في ذاتها، وتفتقر إلى التوظيف مع غيرها، وثمّة باحث آخر من درجة الماجستير، يقدم معطيات إحصائية، تأتي موشحة بعبارات من نحو: "يطرد هذا الأمر أو يتواتر هذا الأمر مرة واحدة"، دون أن يعي أن الاطراد والتواتر لا يتناسب مع المرة الواحدة. وسئل أحدهم عن عبارات من نحو، وهذا كثير، أو وهذا شائع، كيف تترجم هذه التعبيرات العائمة إلى أرقام وأنت تسير على المنهج الإحصائي، فلم يقدم أرقاماً دقيقة، وإنما عبر بقوله، بالمئات والآلاف، في حين أن الحالة التي كان يتحدث عنها لم تحظ إحصائياً بأكثر من ثلاث جمل فقط. وثمة طالب (دكتوراه) يُسأل في مناقشة أطروحته، ما علاقة هذا النص التراثيّ الذي حققته بموضوع رسالتك، وهي بعيدة عن مجال التحقيق، فتكون الإجابة : إنني حصلت عليه بصعوبة من إحدى المكتبات، فأردت أن أثبته في رسالتي، ثم سئل عن بعض ما ورد في النص، وهو لا يتجاوز صفحتين، من غموض، فأبدى اعتذاره عن عدم فهم النص كله، وحسبه أنه أتاح لنص قديم مكتوب باليد أن يظهر في حرف مطبعي حديث. نعم، إلى هذه "الدركات" تتردى الدراسات العليا أحياناً، وإن كان الطلبة يحصلون على "الدرجات"، ثم تأتي، من بَعْدُ، معاناةُ الأجيال من خريج تسلح بالدرجات العُليا والعلم القليل.
وكم من طالب أنهى المرحلة الجامعيّة دون أن يستعير كتاباً من المكتبة؟ مقتصراً على ما يمكن أن يجتزئه من فراغ نفسه أثناء المحاضرة، حتى يحصل على بعض ما تركه صدى صوت المعلم، وتكراره، من أصداء معلومات لا تستقر بوثوق في النفس، لكنها تكفي، مع شيء من استدرار الشفقة والعطف، لوضعه في مصافّ الناجحين.
وكم تجرّأ بعض الباحثين الساعين نحو أعلى الدرجات العلميّة، على استخدام مصطلحات علميّة منهجيّة، دون أن يتعمق في مرادها، كأن يزعم أنه سوف يسير على المنهج التاريخيّ، أو البنيويّ، أو الوظيفيّ.. دون أن يُلمّ بأصول هذه المناهج، وأهدافها، ومزاياها، والعقبات التي تعترض الباحث الذي يسير عليها، والوسائل اللازمة لسيره عليها، إلى غير ذلك من أمور.
وكم تجرأ على كتب التراث من محققين، أرادوا لكتب التراث أن تظهر في مظهر لائق بها، فما زادوها إلاّ غموضاً. فيا ليت أقسام اللغة العربيّة تكُفّ أيدي الباحثين في جميع المراحل الجامعيّة عن العبث بحُرمة التراث، إذ يُقْدم الطلبة على مجال التحقيق دون أن يتمرّسوا بالقدر الكافي في هذا الفن، الذي يحتاج إلى نضج ودراية وخبرة واسعة. فإن كثيراً من كتب التراث المحققة المنشورة تحتاج إلى إعادة تحقيق، بيد أنها قبل ذلك تحتاج إلى أن يُنظّف السوق منها، حتى يُقْبِل الناشر على المجازفة بإعادة نشرها دون أن يتعرض للخسارة الماديّة. ولكم كانت المأساة التراثية كبيرة حين أقبل نفر من الأساتذة الذين لا خبرة لهم، أو لا وقت لهم، فأشرفوا على موضوعات طلبتهم في مجال التحقيق، وقد عظم الخطب، بحقٍّ، حين استباح هؤلاء لأنفسهم حرمة النص في معناه تارة، وفي لغته أخرى، وفي إملائه ثالثة .. وهكذا. وكلّ هذا بحجة تصويبه وخدمته والسهر عليه.
وكم من خطط رسائل أعدت إعداداً سريعاً، أو استُجْديت موضوعاتها استجداء، أو سُرقت سرقة. وما عرف الطالب أن إعداد خطة الرسالة يشبه إعداد مخطط البناء، وأن اختيار البحث يحتاج إلى استقصاء يعدل الاستقصاء اللازم لاختيار شريكة حياته. وأن موضوعه يصبح جنيناً يتخلق داخله، وأن انتماءه إليه يشبه انتماء البنوة إلى الأبوة، مع ما يرافق ذلك من حب، وأنس، ورغبة في التضحية. إن موضوعك هو "أنت"، مُجسّداً في عالم يتهيأ للبقاء حين تندثر الأجساد وتزول.
وهنا تظهر أهمية الأستاذ الجامعي، إن شرط الأستاذ الجامعي، شرط عسير، حتى يستحق هذا اللقبو؛ فالأستاذ هو الذي يملك الرؤية التي يشكل بها مدرسة أو على الأقل التي ينتمي بها إلى مدرسة، ويكون قادراً على أن يُرَبّي فيها طلاب علم وبحث. والمدرسة الفكرية، أو الأدبية "منهج"، أي قدرة على سلوك الطريق الذي يؤدي إلى "الحقيقة". وقد تتعدد الأدوات اللازمة كاللغات والمختبرات فيحتاط لذلك. وقد تتعدد الطرق اللازمة للكشف عن الحقيقة، فثمة طريق مختصرة وأخرى طويلة، ولكل مزايا وعيوب، وقد يضيء الأستاذ سطحاً من أسطح الظاهرة - التي يمكن تعليمياً أن نشبهها بمكعب - فلا يلهيه فرحه بما استضاء له منه، عن التحَرُّّف لها لإضاءتها من جانب ثان وثالث... فإن أضاء الظاهرة من بواديها استدعاه جَذب العِشق ليراها من دواخلها، وهو في كل هذا يتعلم ويعلم، كيف يستخدم أدواته وإمكاناته، و كيف يتفادى الوهم، ويتقرب من الحقيقة، لا يثنيه عن ذلك مصلحة عُجْلى، ولا سِحر شُهرة، وضيق تعصّب.
وللأستاذ عينان، عين المؤصّل، وهي تتطلع إلى الحقيقة، وعين المربّي، وهي تبحث عن وسائل إيصال الحقيقة إلى الطالب. والأستاذ هو سادن الحقيقة، وعاشقها، وهو والد الباحث ومُنجبه علميّاً وقد أنصفت بعض الأنظمة الجامعيّة حين أطلقت عليه اسم "الأستاذ الأب" Doktorvater. ما أكثر الذين يتهاوون أمام هذه الشروط الحقيقة للأستاذيّة، ويدخل في هؤلاء من نأَتْ بهم الشيخوخة المبكّرة عن البحث عند الحصول على هذا اللقب. فالإنسان مخلوق في كَبَد، وكَبَدُ الأستاذ في البحث عن الحقيقية، فإن لم تُمكّنه عينه من مواصلة البحث عنها، واصل البحث عنها بعين تلميذه، وهكذا ينتصر للحياة حتى بعد رحيله عنها.
تحتاج أقسام اللغة العربية أن يتوافر لها نفر من الأساتذة الذين يمتلكون الهدف والمنهج والوسيلة، فيكون هدف المادة واضحاً، وبه تُفتتح المحاضرات، وتكون لديهم القدرة على استخدام المنهج المناسب أو المناهج المناسبة التي تسعفهم في الوصول إلى ما يريدون، وهذا ما ينبغي أن تُقَوّم به قدرة الأستاذ والطالب، فإن كانت الظاهرة تحتاج إلى الوقوف على مراحلها استخدم المنهج التاريخي، وإن كانت تستلزم التأصيل احتاج إلى المنهج التاريخي المقارن، وإن كانت تحتاج إلى الشيوع احتاج إلى المنهج الإحصائي... ولكل منهج أدواته ووسائله، فالإحصاء يحتاج إلى الحاسوب والبرمجة، والتأصيل التاريخي قد يحتاج إلى اللغات... وهكذا.
وأما القسم فيبني أُسُس برامجه على ما يمكن توافره من الأساتذة الذين يمتلكون المنهجيّة، وحسب الطلبة من كل شيخ طريقته مطبقة على عصر من عصور الأدب أو مطبقة على نصوص مختارة من اللغة، أو النحو، أو الشعر، أو النثر. فإن استوعب الطالب هذه الطريقة بجلاء ووضوح، كان له بعدئذ أن يطبق هذه الطريقة بحرفيتها أو بتعديل مقصود، على نصوص أخرى، وعصور أخرى وأماكن أخرى يختارها هو، وليس شرطاً أن يظل متبعاً لأستاذه، بل عليه أن يتعود درساً يأخذه من النحلة، تقف على كل زهرة، ثم تشكل من مجمل الرحيق عسلاً تطبخه هي، فيكون خاصاً بها. فالجامعة مختبر، وميدان بحث عن الحقيقة، وأساليب الجهاد في هذه الميادين، هي المناهج، تنفرد أو تتكامل في سبيل الكشف عن الحقيقة. وفي هذا فليقض الطلبة أوقاتهم، وعلى هذا ينبغي أن تتمحور الموادّ.
وهكذا يتعود الطالب فيأخذ من أستاذ آخر وثالث، طريقة ثانية وثالثة... على النصوص نفسها، أو على نصوص سواها، وبذا يكون قد اكتسب مجموعة من المناهج، حتى إذا جاء إلى مرحلة التخصص الدقيق وكتابة أطروحته، عرف شيوخَه وعرف كيف يختار موضوعه. ولست أدري أيأتي يوم على طالب الدراسات العليا، يتوجه فيه إلى الجامعة وقد عَلِق في ذهنه أن في هذه الجامعة، وفي هذا القسم، مدارس منهجية وأساتذة ومشروعات بحثية، وقد اقترنت المدرسة بأساتذتها ومشروعاتها اقتراناً وثيقاً، وأنجزت على تطاول الزمان، وعمق التجربة، شيئاً يُذكر للجامعة والأستاذ، وأن هذا الطالب الباحث سيسلك طريقه هنا أو هناك في مدرسة هذا الأستاذ أو ذاك، وسيكون الأستاذ خير معين له في تعريفه بمنجزات هذه المدرسة الفكرية، أو اللغويّة، وبأقرانه فيها، وما صنعوه من قبل، وبموقعه، وما يُنتظر منه، فإن كان الأمر أمر تحقيق التراث اللغوي، عرف الطالب منهج هذه المدرسة في ذلك وماذا أنجزت... وما عليه إنجازه، وإن كان الأمر منوطاً بالبلاغة، عرف ما كان عليه أن ينجزه بالوقوف على تراكم البحث العلمي في مجال البلاغة؟ وهكذا في سائر التخصصات. إن القصور في هذا لا تقع تبعته على الطالب بقدر وقوعها على المؤسسة، ممثلة في الجامعة والكلية والقسم، بل في المؤسسة، ممثلة في الجامعات والوزارات المسؤولة، على مستوى الدول الناطقة بالعربية. ويا ليت الأمّة تتداعى، في أعلى مستوياتها لإصلاح أوضاع التعليم اللغويّ فيها. ولكن هذا لن يكون حتى تدرك الأمّة أن إصلاح التعليم برُمّته، لا يكون إلاّ بعد أن يصبح الطالب قادراً على استيعاب العلوم بلغته الأصليّة، وأن تصحيح مسار التعليم اللغوي، خطوة أولى لتصحيح مسار التعليم كله، بل خطوة أولى في سبيل النهوض الحضاريّ. إن طلبتنا "يضيعون" وهم يتلقون تعليمهم الجامعي بلغات غير لغتهم، وعلى أيدي أساتذة يواجهون صعوبة في التعبير بالعربيّة وبغير العربيّة عن أفكارهم. فكيف نشكو من ضعف خرّيجينا في تخصصاتهم المتباينة، دون أن نكون جادّين في حسم الموقف من أجل إصلاح التعليم لغوياً ولو كره المتردّدون والمتشككون في قُدرات العربيّة?.
تكاد الصورة تكون مبكية في كثير من جامعاتنا, فطلابنا لا يعرفون أساتذتهم بقدراتهم، ومناهجهم، وإنما يقترب الطالب من الأستاذ لاعتقاده أنه سيحصل على الدرجة بأقل تكلفة، وبأخف إشراف وتوجيه، وإن لم يكن إشراف وتوجيه، عند بعضهم، فهو الأفضل، وهكذا يتوزع الطلاب على الأساتذة في كثير من الأحيان، ليس من خلال مشروعات ولا مناهج ولا مدارس، وإنما هي العلاقات الشخصية والتماس أخصر الطرق الموصلة إلى الدرجة. وقد بلغت المهزلة حدها حين فقدت الدرجات معناها، فأخذت مناقشات الرسائل العلميّة تسفر عن خريجين يحصلون على درجات الشرف والتفوق، فإن انحدرت الدرجة التي يحصل عليها الخريج من القمة إلى ما دون القمة بقليل، كان اكتئاب الخريج بالغاً. ولقد أدركت بعض جامعاتنا هذا التنافس المحموم على الدرجات، دون أن يرافقه الحرص الكافي على الإجادة، فألغت الدرجة التنافسيّة الدقيقة، واكتفت بإعطاء درجة "ناجح" فقط. ولا يخفى أن هذا يُخَدّر المرض، بيد أنه لا يعالجه، وقد يُفَوِّت من جانب آخر، روح التنافس البنّاء، وفرصة المجتمع في معرفة مواقع خِرّيجيه الإبداعيّة.
وللنفس أن تأسى ما بلغها الأسى، ونحن نطّلع على خطط الرسائل الجامعية في كثير من الجامعات، فنرى الخطة الفجة، وقد طُبخت في ليلة، واعتراها النقص من كل جانب. إن كثيراً من الخطط لا يدري صاحبها ما أبعاد موضوعه، ولا الأسئلة التي يُنتظر أن يجيب عنها. ويحلو لكثير من الطلبة أن يردد بفخر أجوف مقولة: "ولم يتطرق إلى هذا أحد قبلي"، وهو بهذا يحسب أن وجود دراسات سابقة لبحثه مَثْلبة، لا ينبغي أن يعترف بها. وما عرف أن العلم تراكمي، وأن الدراسة السابقة لا تلغي موضوعه بالضرورة، فأمامه أن يعمق ما وصل إليه من قبله، بإضافة دليل جديد إلى أدلّتهم، أو رد دليل ضعيف عندهم بدليل قوي عنده، أو باتخاذ ما بنوه لبنات أخذتْ موقعها في صرح المعرفة، وأن موضع لبنته سوف يَسُدّ فراغاً محدداً، وأن فقرة الدراسات السابقة تحدد موقع بحثه من البحوث القريبة من موضوعه، فهي "مَكْسَب" لبحثه، وليس لغماً ينسفه، وكم من الطلبة مَنْ أساء فهم الدراسات السابقة من حيث المبدأ، إذ يحشد بعضهم في خطة بحثه من الكتب العامة كالمعجمات والفهارس ما يدل على عدم وعي بمفهوم الدراسات السابقة. وحتى استعراضهم لما يمكن أن يُعَدَّ من الدراسات السابقة، فإن فيه ما ينمّ عن سطحية بالغة. وكثيراً ما ردد الطلاب عبارات جوفاء عن المنهج، من غير أن تحس أن أهدافهم تتطلب ذلك المنهج، ومن غير أن يطرح أحدهم في مقدمة بحثه الفرضيات والأسئلة التي تتطلب إجابتها السير على منهج دون سواه، وأذكر أننا ناقشنا رسالة ماجستير يتطلب إنجازها مقابلة بين اللغات، ولكن صاحبها لا يعرف شيئاً من هذه اللغات لكنه راح يصور حروف إحدى اللغات اللازمة للموازنة بخط طفولي ينبىء بجهله التام بتلك اللغة، لكنه أراد أن يُزيّن بحثه بحروف لغة أخرى.
إن الأطروحات العلمية الجادة تحتاج إلى قراءة أولية جادة، قبل أن يَقَرَّ رأي الطالب على موضوع بعينه، وأن يُعِدَّ خطة فيه، كما يحتاج الباحث إلى إشراف فعليّ، ومتابعة متواصلة لما يَجِدّ في موضوعه، غير أن الأمر يأخذ أشكالاً متعددة من الإهمال، اعتماداً على رأفة الأستاذ و"حُسْن" اختياره، أو اختيار القسم للجنة هيّنة لينة الجانب عند المناقشة، حتى غدا شعار كثير من الدارسين في جامعات متعددة: "كل من دخل باب القبول في الدراسات العليا فهو آمن ناجح". ولذا كان الأولى بالجامعات في مثل هذه الحالة أن تستغني عن المناقشات العلنية إلى مبدأ السرية في تقويم الرسائل العلمية، قياساً على ما يحدث في "الترقيات". إن مُضيّ المؤسسات العلمية في تأكيد هذا الوضع يُعَدّ إسهاماً منها فيه بقصد أو بغير قصد.
ما أكثر أسباب التسوّس التي تؤدي إلى نخر المسيرة العلمية المرتجاة. بعضها تفرضه علينا أسباب عميقة الجذور، غائرة المنبع، في التاريخ، وفي الواقع الحضاري، وبعضها داخلية، وأخرى خارجية، ولا مجال للتفصيل في هذا كله، غير أن هذا لا يمنع من أن يشار إلى بعض هموم الدراسات الجامعية والعليا، في أقسام اللغة العربية وكلياتها، بوصفها نماذج تمثل جزءاً من الواقع التعليمي في تخصصات متعددة، وإذا لم يكن بالإمكان أن يُصلح كل شيء فلا أقل من أن يُصلح أي شيء. وعلى المرء أن لا ييأس، ولو من فسيلة واحدة بين يديه يغرسها دون يأس، حتى لو بدا لبعضهم أن البحر قد فاض، وأن الطوفان قد أغرق كل شيء. فالمأساة كبيرة، غير أنه لا يأس مع الإيمان. ولا يقال : إن أمر اللغة جزء من واقع الأمة الراهن، وعرض من أعراض تخلّفها، فإن صلح حالها واستعادت دورها الحضاريّ، عاد للّغة مجدها، فهذه المقولة، على صحتها، لا تسوغ ألاّ نبدأ، فمن بدايات النهوض الحضاري أن يُنتبه إلى اللّغة، بوصفها الوعاء الذي يستوعب الحضارة. وهذا ما فعلناه من قبل، وتفعله الأمم الحيّة.
ولعله يحسن في هذا المقام أن نؤكد ضرورة أن تتداعى أقسام اللغة العربيّة وكليّاتها، في الأقطار الناطقة بها، وغير الناطقة بها، في اجتماعات وندوات تعقد عن طريق مُؤسسة تنبثق عنها، لتُحْكم التنسيق، مع ترك مجال للتمايز البنّاء فيما بين التجارب، فتقوم بدورها في اختيار المواد، ونِسَبها، وبيان أهميّة المناهج، والوسائل التعليميّة، والتنسيق في مجال البحث العلميّ، وتبادل الأساتذة والباحثين، وربط المكتبات ومصادر المعلومات بوسائل الربط المتطورة. فلو أنّ الجامعات والأقسام فعلت هذا لتكاملت مكتباتها، وأغنتْ باحثيها، ولأحكمَتْ مشروعاتها، وعرفت أولويّاتها، وما أُنجز منها وما لم يُنجز، ولما وقعت في التكرار المُمِلّ للبحوث.
فمتى يُفَعّل اتحاد الجامعات العربيّة؟ ومتى تُفعّل مجامع اللغة العربيّة، وينسق بينها من جهة، وبينها وبين الجامعات من جهة أخرى؟ ومتى يُحْكم التنسيق حتى بين جامعات البلد الواحد؟ ومتى تصدر الدوريّات المشتركة لتحمل أخبار الجامعات وإنجازاته؟ ومتى تُستثمر شبكات "الإنترنت" ووسائل الاتصال الحديثة لتقريب الزمان والمكان؟ ومتى نعي أهميّة الوسائل المتطوّرة في توصيف اللغة وتيسير تعليمها للناطقين بها، وللناطقين بغيرها؟ ومتى يؤدّي اللغويون دورهم المشترك مع تخصّصات أخرى في سبيل تقديم العون إلى ملايين المعاقين نطقياً متى تُطوّر مُعجماتنا العامّة والمتخصصة متى يُستكثر من حلقات البحث والحوار في المحاضرات، ومتى تهترىء أوراق دفاتر الإملاء القديمة التي يَعتمدُ عليها طراز من المعلمين "المحترفين"، يُزهِقون بها البحث العلمي ويُرهقون الأجيال ومتى تنشط الترجمة، وتعريب العلوم، وتوضع الأسس والخدمات اللازمة لذلك ومتى تُحل عقدة تقليد المغلوب للغالب فنستعيد ثقتنا بالعربيّة، ونقبل عليها ولا نُدبر عنها؟ ومتى يُرصد لتنمية العربيّة جزء من المال المهدور من ميزانيات الدول والأثرياء لتمويل مشروعاتها؟.
لا عزاء للإنسان إزاء المساء الداكن الحزين الذي تقطعه العربيّة في زماننا ـ ومنذ قرون ـ سوى أن يؤمّل في هبوب أنفاس الصبح، يحمل بشائرَ إشراقته بعضُ السائرين الساهرين بإمكاناتهم، وإن كانت محدودة.. على أنّ العزاء الأكبر يأتي من أن هذه اللغة محفوظة من الله سبحانه، بحفظها لكتابه الخالد، فقد تعهّده، سبحانه، فقال : (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون). ولكن نواميس إرادته وحكمته سبحانه، تقتضي أن يكون التغيير إلى الأفضل، امتحاناً للمخلوق الذي ينشد أن يتربّى على منهج العمل، لتمييزه من المخلوق الذي يتربّى على منهج الكسل. (وإنَّ اللّه لا يغيّرُ ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم) (وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم).
وختاماً، فالمرجو أن يظلّ تحسين الأداء في تقديم العربيّة للناشئة، هاجساً يُقلقنا، وأن تبقى العربيّة أمّاً لهذه الأمة، تغار عليها، وتسهر من أجل خدمتها، وتَعتزُّ بها، فهي لغة القرآن العظيم، ولغة العلم والحضارة، وهي مظهر وجوهر نتَوحّد عليه، ونباهي به.
(*) عضو مجمع اللغة العربية الأردني، وأستاذ اللسانيات في قسم اللغة العربية ـ الجامعة الأردنية.

(1) يقصد المقرر في المدارس الأردنية.

(2) اجتهدت مع بعض الزملاء، في وضع اختبار، نشرته الجامعة الأردنيّة، بعنوان :" دليل اختبار القراءة التشخيصي"، كما كانت لي مع ابنتي حنان محاولة أخرى نُشرت، بعنوان:"مهارات اللغة العربيّة- اختبار تشخيصيّ في النحو والصرف والمعجم والعروض والإملاء والمعنى".

المهاجره
02-16-2011, 12:45 AM
نماذج من البحث
العلمي الخاص باللغة العربية لمواجهة تحديات العصر
(*)للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح


يتصف البحث العلمي في اللغة العربية في زماننا هذا بصفات جدّ سلبية بالإضافة إلى ما يعرفه العصر من تكنولوجيا حديثة تُطبق على البحوث اللغوية بنجاح تام في البلدان الراقية. ويعرف كل واحد البطء الذي يسير به وضع المصطلحات وإقرارها وحرفية هذا العمل وفرديته ومشكل ذيوع هذه المصطلحات في الاستعمال. ثم إن للغة جوانب أخرى لابد أن تستغل في البحث، فيها هندسة اللغة الحديثة وذلك مثل التركيب الاصطناعي للكلام والاستكشاف الآلي له، وبذلك يتم تنطيق الأجهزة وخاصة الحاسوب. وهناك مشكل آخر لا يقل أهمية وهو جعل الفصحى لغة منطوقة عفوية، ولا يكمن الحل في تفصيح العامية لأن هذا التحويل يخص كيفية تعليم النطق العفوي غير المصطنع للفصحى.
إن المجامع اللغوية العربية قامت بعمل عظيم منذ نشأتها تشكر عليه. فكل ما سنقوله فيما يلي لا يمكن أن يحط من قيمة هذا العمل، فقد بذل كل مجمع وكل عالم فيه مجهودات جبارة تستحق كل الثناء. إنما الذي لا يمكن أن يطمئن له هو الطابع التقليدي الذي تتصف به بعض البحوث العلمية اللغوية. والتشتّت، وبالتالي عدم قدرتها على الاستجابة لمتطلبات العصر.
وتنحصر النقائص في نظرنا في وضع المصطلحات وغيرها من الأعمال الخاصة بتكييف اللغة وإغنائها في أمور ثلاثة:
أ) اعتباطية العمل عند الكثير من اللغويين أي عدم خضوعه لضوابط علمية وذلك بعدم مراعاته لمعطيات العلوم اللسانية الحديثة بصفة خاصة ومنهجية العلوم الاجتماعية بصفة عامة.
ب) حرفيته أي اقتصاره على البحوث الفردية التي هي أشبه شيء بالصناعات التقليدية، يعتمد فيه على المعالجة اليدوية كالنظر الجزئي في القواميس والاقتصار على جرد العديد من المعلومات بالأيدي العزلاء.
ج) عدم شموليته بعدم الرجوع إلى كل المصادر العربية التي يمكن الاستقاء منها ـ وخاصة المخطوط منهاـ وجميع المراجع الأجنبية التي يمكن استغلالها لتحديد المفاهيم الحديثة.
وسنتناول فيما يلي كلّّ واحدة من هذه الأمور الثلاثة على التوالي:
1. العمل الاعتباطي : نقصد بذلك العمل الذي لا يعتمد على مجموعة من المبادئ النظرية العلمية وعلى منهجية دقيقة تنبني هي بدورها على تلك المبادئ ومبادئ عامة غيرها. فالعمل الاعتباطي يتصف قبل كل شيء بخضوعه للتحسس الذاتي المبعثر وتسيير الأمور على الهاجس. فعدم وجود مجموعة من المقاييس العلمية الدقيقة ـ وأهمّها مقاييس المشاهدة والتحليل قد يؤدّي الباحث إلى هذا النوع من السلوك الناقص والحكم على الشيء بدون الرجوع إلى الواقع.
أما بالنسبة للبحث الخاص بالمصطلحات فإننا لا نعنى بالمقاييس العلمية تلك التي يعتمد عليها واضعو المصطلحات في توليد اللفظ الدال كقواعد الاشتقاق وتفريع الألفاظ من الأصول والنحت وطرق الاتساع في اللغة والمجاز وغير ذلك مما هو معروف عند اللغويين منذ أمد بعيد. فهذا وإن كان مهمّا وضروريا إلا أنه لا يفي أبدا بالغرض إذ إن اللغة وضع واستعمال وليست فقط وضعا، بل لظواهر الاستعمال، أسرار وكيفيات خاصة. واللغوي الذي لا يهتم بذلك فمثله كمثل الصانع الذي يضع للناس أدوات دون أن يراعي اهتماماتهم وحاجياتهم الحقيقية ودون أن يلتفت إلى ما يناسبهم من تلك الأدوات التي يضعونها في استعمالهم الحقيقي وما تميل إليه طباعهم ويستخفونه ويستحسونه. فما دام اللغوي يضع لغيره المصطلحات وهو يجهل كل هذه الأسرار بل القوانين التي تجعل من هذا اللفظ يسير بين الناس ويشيع شيوعا واسعا، ويقضي في الوقت نفسه على ذلك اللفظ الآخر لأسباب معينة ولأحوال يتصف بها لا تلائم هذه القوانين الخفية، فلا خير أبدا فيما يضعه.
ويكفي أن نمثل لهذا البحث بمثال واحد. كنا منذ أكثر من 30 سنة نتساءل ألا يمكن أن ننظر في جميع ما وضعه اللغويون وغيرهم منذ أكثر من نصف قرن من ألفاظ جديدة (ولابد من حصرها وإحصائها) وتجرى بعد ذلك التحريات الميدانية الواسعة لنحصى ما دخل من ذلك في الاستعمال الفعلي وما لم يدخل ثم ننظر في تلك القوائم لنبحث عن أسباب نجاح اللفظ أو فشله من جميع الجوانب الاجتماعية المحضة والنفسانية والفيزيولوجية وغير ذلك. ويتم ذلك بوضع مجموعة من الافتراضات، ثم اختبارها بشتى أنواع الاختبارات : كالاستفتاء الذي يوجّه إلى المستعملين أنفسهم. والنظر الدقيق في نتائج هذه الاستفتاءات وكالاختبار المنتظم لمجموعات معينة من المصطلحات يجرب مدى نجوعها في ميدان العمل في مدة معينة، ثم ينظر فيما تؤول إليه والسؤال عنها بكفية أيضا منتظمة حسب ما تفرضه علينا المقاييس العلمية الخاصة بهذا النوع من البحوث. وقد يقول اللغوي التقليدي إن هذا ليس من اختصاصه! والإجابة عن هذا بسيطة : وهو أنه لا يزال ينظر إلى البحث اللغوي على أنه مجرد بحث عن الألفاظ في القواميس، والنظر في كيفية ملاءمتها للمسمى والاشتقاق منها. نعم قد تعوّد الناس في البلدان العربية أن ينظروا إلى اللغوي بهذه النظرة، فإذا حُدّثوا عن مثل هذا البحث الذي ذكرناه قالوا هذا راجع إلى العلوم الاجتماعية الحديثة. وهكذا يجمّدون البحث اللغوي بعزله عن كل ما يمكن أن يفيده([1]). ثم إنهم يتجاهلون أن التأثير على الواقع وتحويله لصالح الإنسان إنما يتم بالإطلاع على أسراره والخضوع لقوانينه الطبيعية، وهل اللغة ـ وضعا واستعمالا ـ إلا جزء لا يتجزأ من هذا الواقع؟ ثم إن هذا البحث القاموسي هو نفسه غير خاضع عند أكثر اللغويين في زماننا لمقاييس منهجية دقيقة، بل هو أيضا اعتباطي فهل اعتمد اللغويون قبل اليوم على منهجية علمية واضحة دقيقة في استخراجهم للألفاظ من القواميس؟ أم هل أن عملهم هذا منظما منسّقا مخططا بحيث لا يترك مما هو موجود في طي القاموس أي شيء يستحق أن يذكر ويقترح كمصطلح يناسب المسمى الفلاني؟ والمؤسف أن هذا البحث ينحصر في تصفح هذا اللغوي أو ذاك المرة بعد المرة لقاموس معين بكيفية جزئية متقطعة مبعثرة غير شاملة. ثم هل أقيمت ورتبت كل المفاهيم الأساسية التي لا يوجد لها مقابل في اللغة العربية فإن حصل هذا لبعض المفاهيم فعلى أي أساس يتّم اختيارها؟ ولماذا كان دائما المنطلق اللغة الفرنسية وحدها أو اللغة الإنكليزية وحدها؟ أو لم يعلم أن الألفاظ الدالة قد يختلف مدلولها من لغة إلى أخرى مع اتحاد المسمى؟ أي قد يتفق اللفظان من لغتين مختلفتين في إطلاقهما على المسمى الواحد ويختلفان في نظرة أصحابهما إلى ذلك المسمى فكل واحدة من اللغتين المذكورتين قد تسمى الشيء الواحد ويكون تصوّر أصحابها له غير مطابق تماما لتصور الآخرين. ولهذا ينبغي أن ينطلق من أكثر من لغة واحدة لضبط المفاهيم المشتركة بين الأمم، ونتحفظ أشد التحفظ في نقل المفاهيم الخاصة بأمة واحدة، وذلك لنتفادى التبعية الثقافية التي قد تشوّه شخصيتنا العربية. فالمفاهيم العالمية المجمع على أهميتها في الميدان العلمي والتقني هي التي ينبغي أن تعرّب ولا سبيل إلى العثور عليها إلا بالمقارنة الدقيقة بين مدلولات الألفاظ في أكثر من لغة.
ثم إن اللفظ الجديد المقترح هو غالبا إما ترجمة حرفية للفظ الأجنبي أو تعريب لفظي له وقلما نجد من العلماء من يبحث في التراث لفظا عربيا يقترب معناه من المعنى المحدث - وهذا كان هو الغالب على العلماء في بداية النهضة العربية حتى الخمسينات الأولى من القرن الماضي. وحتى في هذه الحالة - وهي المثلى عندنا([2])، فإن اختيار اللغوي لهذا اللفظ الذي عثر عليه بالصدفة في قاموس من القواميس للدلالة على مسمى من المسميات الحديثة هو أيضا عمل اعتباطي محض، لعدم اعتماده في استقائه للألفاظ على الاستقراء الواسع الشامل، أي المسح الكامل لجميع معطيات اللغة، بل لجميع ما ورد في النصوص التي وصلتنا. وقد يعثر اللغوي على لفظ غريب وتكون غرابته لا بالنسبة لنا فقط بل حتى بالنسبة للعرب القدامى أنفسهم، ولا يلتفت إلى ذلك([3]). فيطلقه على مفهوم مأنوس غير غريب مما هو مبتذل في زماننا، ثم يتعجب من عدم إقبال الناس عليه. هذا بقطع النظر عن عدم معرفته لجميع إمكانيات اللغة الموجودة بالقوة في أقيستها، فهو وإن كان يعرف أن لصيغ الكلام مدلولات متنوعة تختص بها كل صيغة فإنه لا يلتفت إلى هذه المدلولات، إلا من خلال ما تركته لنا الكتب النحوية. هذا وإن كان ضروريا فإنه لا يكفي إذ يحتاج اللغوي إلى أن يعرف مدى شيوع الصيغة في القديم والحديث، وبأي معنى وفي أي سياق. فهذا النوع من الدراسة يكاد يكون مفقودا تماما في زماننا هذا. ثم قد يكون سبب الغرابة وعدم شيوع اللفظ ـ في القديم ـ وبالأحرى في عصرنا ـ ما يتصف به من تنافر شديد لحروفه، فلا يلتفت هنا أيضا إلى ذلك، وإن قيل له في ذلك فإنه لا يبالي به بل يعتذر بهذا القول : "هذا راجع إلى أذواق الأفراد واختلاف الطبائع والأمزجة وهي من الأمور التي لا يمكن أن يحصل فيها التوحيد. فهذا القول هو في الواقع مجرد سفسطة أو هو صادر عن جهل عميق بقوانين الاقتصاد اللغوي، ونعني بذلك التوازن الذي ينتج من قوتين متدافعتين : ميل المتكلم بطبعه إلى الاقتصاد في تأديته (العفوية) لكلامه، واحتياج المخاطب إلى البيان، أي أن يكون الخطاب الموجه إليه واضحا غير ملتبس. ويحصل التوازن حين يكون مردود الكلام([4]) مساوياً للمجهود الفيزيولوجي المبذول لتحقيقه. فلكي تعرف بالضبط كيف ينطبق هذا المبدأ على اللغة العربية فلا بد من الرجوع إلى ما قاله علماؤنا في شأن الأصوات والحروف وتنافرها ثم الاعتماد على التجارب العلمية في المخابر الصوتية الحديثة. فإن نحن جهلنا كل هذه الأشياء فكيف نحكم على هذا اللفظ بالخفة أو الثقل وقد رأينا أن اللغوي الذي يجهل هذه الأمور قد يجعل من الخفة والثقل أمرا خاصا بذوق الأفراد؟ وليس الأمر كما يزعم أبدا.
وبناء على هذا فإن اختيار هذا اللفظ من بين الألفاظ التي يعثر عليها الباحث من هنا وهناك([5]) أو تلك التي يصوغها صوغا بالاشتقاق من الأصول أو الكلم المعروف، للدلالة على هذا المسمى المحدث أو ذاك لا يمكن أن يتم على أحسن الأحوال إلا إذا توفرت لدى الباحث جميع المعطيات التي ذكرناها، وإلا كان عمله مجرد خبط عشواء. ولهذا أيضا بدأنا في بلادنا في إجراء البحوث الميدانية والمخبرية الشاملة للحصول على هذه المعطيات التي لامناص منها. وسبق لنا أن ذكرنا في بحث سابق نشرناه في مجلة اللسانيات (العدد الرابع)([6]) بعض المقاييس التي استخلصناها من بحوثنا وبحوث غيرنا لاختيار الألفاظ.
العمل الشبه الحرفيّ واتصافه بعدم بالشمولية: إن البحث في وضع المصطلحات العربية لا يزال كما قلنا شبه حرفي، ونعني بذلك أنه لم يخرج بعد من طور البحث الفردي اليدوي، أي لا يزال يجري على مستوى الأفراد حتى لو كان المعنيون به منتسبين إلى هيئة علمية يعملون فيها مع غيرهم، لأن عملهم ليس جماعيا في الحقيقة إذ العمل الجماعي هو الذي تقوم به جماعة أو أسرة من الباحثين ينتظمون فيها انتظام الخلايا بالنسبة للجسم الحي:
كل مجموعة فيها تؤدي مهمة معينة لفائدة المجموع أو لفائدة مجموعة معينة أخرى، وهذه بدورها تكفل عمل غيرها. فهذه مجموعة مثلا تكلف بضبط المعطيات وجردها وترتيبها، وهي تعتمد على جماعة أخرى تتحراها في الميدان وتجمعها وتحصل عليها في كل تلك بفضل المناهج المهيأة سلفا لهذا الغرض، وتلك جماعة أخرى تجري على المعطيات التحوير اللازم بالآلات الإلكترونية (الحواسب) وهي تعتمد بدورها على اختصاصيين في البرمجة. وهذا عمل تقوم به المراكز المتخصصة لا المجامع اللغوية، ويجري هذا البحث الجماعي في الكثير من معاهد العلم ومراكز البحث الكبيرة في أوروبا وأمريكا.
فالأعمال الفردية ـ حتى لو كانت في داخل لجان مختصة ـ لا يمكن أن تؤدي ما تؤديه هذه المجموعات المنتظمة من الباحثين. واللجنة المختصة تفيد في إقرار اللفظ في آخر مرحلة، على أساس ما تقدمه هذه البحوث من المعلومات، وبالرجوع إلى مقاييس علمية دقيقة. وقد بقي البحث اللغوي في الوطن العربي على الشكل الذي هو عليه من التفرد في البحث اللغوي وعدم التكافل الشامل بين العاملين المنتميين إلى الهيئة الواحدة. وقد تفطن الكثير من العلماء العرب إلى أهمية الطريقة الجماعية، وأول مشروع بدأوا به هو مشروع الرصيد اللغوي على مستوي المغرب العربي. وانتهى إنجازه، أي الرصيد المغربي في عام 1972 ورسمه وزراء البلدان الأربعة الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا في 1975. وأدخل في الكتب المدرسية في هذه البلدان. والهدف منه كما ينص عليه واضعو الرصيد العربي (المشروع الثاني) أن يضبط مجموعة من المفردات والتراكيب العربية الفصيحة التي يحتاج إليها التلميذ في مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي حتى يتسنى له التعبير عن الأغراض والمعاني العادية التي تجرى في التخاطب اليومي من ناحية، ومن ناحية أخرى التعبير عن المفاهيم الحضارية والعلمية الأساسية التي يجب أن يتعلمها في هذه المرحلة من التعليم.
مشروع الذخيرة اللغوية العربية: إن أكثر اللغويين ممن يهتم بوضع المصطلحات يقتصر في الغالب على البحث في المعاجم القديمة المتداولة ويجعلون من هذه المصادر المستقى الوحيد لجميع أعمالهم. وقلما نجد من اهتم بالنصوص التي وصلتنا كأمهات الكتب في الأدب والعلوم وغيرها. والحق أن هذا العمل يعجز عن القيام به الأفراد لمشقته العظيمة، وقد يعجزون عن التصفح المنتظم المتواصل للمعاجم نفسها، فما بالكم بمئات الآلاف من النصوص. ومهما بلغ تبريرنا لموقف اللغويين فإن النقص قائم، ثم إن هناك دافعا آخر قد يحمل اللغوي على الاقتصار على القواميس فقد يظن أن كل ما هو موجود في تلك المعاجم يطابق تماما ما هو موجود في الاستعمال، إذ قد أُخذت مادتها منه. فهذا وإن كان ظاهره صوابا ففيه الكثير من المعاني والمدلولات الجزئية قد لا ينص عليها القاموس، إما لكثرتها وإما لأن اللفظ قد استعمل كمصطلح خاص بفن أو علم معين، أو لمفهوم جديد طرأ بعد تدوين العلماء للغة. ثم إن أكبر عيب هو أن تذكر تحديدات القواميس لمدلولات الألفاظ، ويكتفي بذلك ويتناسى أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يحصر إلا بالاعتماد على جميع السياقات والقرائن التي ورد فيها هذا اللفظ في الاستعمال المدون. نعم قد اعتمد اللغويون الذين جمعوا اللغة في عين المكان على السياقات وحال المشاهدة، وسألوا الموردين عن أغراضهم، إلا أن هذا كله لم يدونه بأكمله من جاء بعدهم من مؤلفي القواميس فما كان يمكنهم أن يذكروا من هذه السياقات وتلك الأحوال والأغراض إلا القليل بالنسبة لكل كلمة (وقد يكتفي بالشاهد الواحد وقد لا يذكر أي سياق إطلاقا). ثم إن المدلول قد يكون تغير على مر الزمان بما يجيزه قياس العربية من مجاز واتساع في المعنى([7]). هذا وأعظم نقص يوجد في القواميس (ليس هذا ذنبها) هو أنها لا تنص أبدا على مدى شيوع الكلمة في الاستعمال لأن أصحابها أكثرهم من المتأخرين([8]) إذا استثنينا الجوهري والأزهري([9]). وعلى هذا فالذي يحتاج إليه واضع المصطلحات هو ما يعرف في زماننا باسم "الذخائر اللغوية الآلية" فيمكن أن يوجد فيها جميع ألفاظ العربية التي وردت في الاستعمال الفعلي أي في النصوص التي وصلتنا ـ حتى المخطوطة منها) وعلى هذا يعتمد الباحث على السياقات والقرائن من الشعر الجاهلي حتى الصحف في عصرنا الحاضر ويمكن أن يستخرج من ذلك الكثير من المعلومات التي لا يجدها في القواميس، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بما أشرنا إليه من التنظيم وتكافل الأعمال والاستعانة بالآلات العظيمة المفعول وهي الحواسيب.
هندسة اللغة والنظرية الخليلية الحديثة: وفيها يخص هندسة اللغة فقد صار علماء اللغة في زماننا يتعاونون مع المهندسين في الحاسوبيات والإلكترونيات ولهذا يحتاج كل واحد من اللسانيين والمهندسين أن يكون حاصلا على علم الآخرين بقدر كاف دون تخصص فيما يكسبه زميله اللغوي أو المهندس من مبادىء اللسانيات أو مبادىء في الحاسوبيات. هذا وقد يضطر المهندس إلى أن يلم بالكثير من مفاهيم اللسانيات الحديثة إذا تناول ميدانا من البحث يخص اللغة ونظامها وبنيتها. وتوصل العلماء في هذا الميدان المشترك إلى مستوى عال من المعرفة اللسانية التقنية مكنتهم من صنع البرامج الحاسوبية التي تًمَكِّن من تنطيق الحواسيب من جهة، ومن علاج النصوص على الحاسوب من جهة أخرى، وهذا قد بدأ يهتم به بعض الباحثين في الوطن العربي. أما العلاج الآلي للنصوص العربية فهذا يحتاج إلى نظرية لغوية خاصة بالعربية أولا وإلى صياغة منطقية رياضية لهذه النظرية اللغوية، ويجب أن تستجيب النظرية لما يتطلبه الحاسوب، ومن ثم أن تستجيب لمتطلبات الصياغة الدقيقة. وقد حققنا في بلادنا المرحلة الأولى من ذلك ويتجسد ذلك في ضبط نظرية على أسس منطقية رياضية ولغوية، وهي التي تفضل بعض الفضلاء بتسميتها بالنظرية الخليلية الحديثة. ويحاول الباحثون الآن ـ ومنذ بضع سنوات ـ أن يصوغوها بما هو موجود من نماذج الصياغة، وبإثرائها وتكييفها أولا، وبضبط نماذج تكون أنسب للنظرية وأوفق.
أما لغة التخاطب الفصيحة العفوية ومميزاتها (كما دّونها ووصفها اللغويون العرب وأهل الآداب) فقد سبق أن قلنا في بحث سابق مايلي:
لم تحظ أية لغة في الدنيا منذ أن خلق الله الإنسان بما حظيت به اللغة العربية من العناية من قبل أصحابها وخاصة اللغويين منهم وأهل الأداء... ومن أعظم ماتركوه لنا هو الوصف المستفيض للأداء القرآني من جهة وللغات العرب، أي الكيفيات المتنوّعة في التأدية الصوتية والصرفية والنحوية لعناصر اللغة. وإن كان هذا الجانب من أوصافهم جدّ مهم بالنسبة لنا وللأجيال القادمة فإنه لم يحظ الى الآن بالعناية الكبيرة من قبل اللغويين المحدثين، اللهم إلا القليل النزر من المحاولات.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي ـ في نظرنا ـ أن يعتنى به أكثر من غيره فلئن تفطن العلماء والكثير من المثقفين الي وجود القسط الكبير من المفردات في العاميات الحالية، وهي فصيحة أو قريبة جدا من الفصحية (وتكوّن 80 في المائة من ألفاظ التخاطب اليومي في وقتنا الراهن([10]) فإن هذا لن يفيد الأمة العربية شيئا مادام الأداء أي كيفية النطق والتعبير عامة لايخضع لنواميس العفوية اللغوية التي تتصف بها كل اللغات التي ينطق بها يوميا في الحاجات العادية وفي حالة أنس. وكل من يلجأ إلى استعمال الفصحى ـ كما تعلمها في المدرسة وكما يعبربها المذيع والخطيب ـ في بيته مع ذويه (في غير ظروف التعليم والتلقين) ومع أصدقائه في مكان عمله أو غيره وأي واحد في الشارع فيستعرّض بذلك للاستهزاء والسخرية، ومثله في ذلك كمثل الذي يخطب في الناس وهو يريد مخاطبتهم في أغراض بسيطة فهو يخاطبهم وكأنه يقرأ من كتاب. وقد رسخ في أذهان المعلمين أن اللغة العربية ليس لها إلا كيفية واحدة في التعبير بها وهو المستوى الذي سميناه بالإجلالي أو الترتيلي.
وسبب ذلك يرجع إلى أقدم العصور حيث أصبح همّ المعلم هو الإعراب والنطق الصحيح ببنية الكلمة، وأهملوا المستوى العفوي وهو ما أجازته العرب من تسهيل للهمزة وإدغام الكثير من الحروف، وإخفاء الحركات واختلاسها وتسكين بعض المتحركات، وحذف ما يستغني في حال الخطب المرئية. وتجاهل الناس هذا المستوى المستخف من التعبير العفوي لشدة غيرتهم على الصحة اللغوية حتى أدى بهم ذلك إلى اللحن([11]). وذلك مثل الوقف فإن الطفل العربي لايعرف أن النطق بالحركة والتنوين في الكلمة المسكوت عليها هو شيء غريب في العربية. وذلك لأن الوقف هو من قبيل المشافهة وهو حذف للإعراب والتنوين، فكأنه مسّ بالعربية التي تتمايز عن العامية بالإعراب والتنوين!.
يريد المعلم قبل كل شيء أن يصحح بالإضافة إلى الأخطاء الحقيقية، ما يعتقد هو وغيره منذ مئات السنين أنه خطأ لأنه موجود في العامية فصار شيئا فشيئا مقتنعا بأن كل ما هو مستعمل في العامية فهو خطأ في العربية الفصحى حتى يحكم على الكثير من المفردات والتراكيب الفصيحة وتأديتها نطقا أنها عامية محضة.
فما هي، ياترى، هذه الصفات التي تميز فصحى التخاطب العفوي التي كان ينطق بها أسلافنا في حاجاتهم اليومية والتي سمعها ودوّنها المتقدمون من علمائنا وفصحى الترتيل التي صارت على مرّ الأيام المعيار المدرسي الوحيد؟ الإجابة عن هذا السؤال الخطير يحتاج إلى دراسة قائمة بنفسها في مجلد ضخم. وسنكتفي ههنا لضيق المكان بعينة ذات دلالة إن شاء اللّه([12]) وهـي اخـتزال الحركات([13]).
الحركات الإعرابية: إن العرب لا تبتدىء بساكن ولا تقف على متحرك كما هو معروف. وأدني سكتة تقتضي سقوط الحركة والتنوين كما قلنا، بل لا سبيل إلى إيجاد اتصال مستمر في الكلام لا وقف فيه. ثم إن جميع العرب من ربيعة كانوا يقفون بالسكون على المنصوب نفسه. ويحسن بنا أن نذكرأقوال هؤلاء الذين سمعوا منهم كلامهم مباشرة : قال أبو العيناء : " مارأيت مثل الأصمعي قط، أنشد بيتا من الشعر فاختلس الإعراب". ثم قال " سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : كلام العرب الدرج". وحدثني عبد الله بن سوار أن أباه قال : " العرب تجتاز بالإعراب اجتيازاً وحدثني عيسى بن عبسى بن عمر أن ابن أبي إسحاق قال : العرب ترفرف على الإعراب ولا تتفيهق فيه وسمعت يونس يقول : "العرب تشامّ الإعراب ولا تحققه". وسمعت الخشخاش بن الحباب يقول : "إعراب العرب الخطف والحذف"([14]). فهذا يخص الكلام العفوي في الحاجات اليومية. وأما ماسماه الجاحـظ بالتشدّق والتفهيق فهو تكلف بعضهم في استعمالهم لمستوى الترتيل والتحقيق في حال الخطاب اليومي. وهذا ليس معناه أن التحقيق غير مرغوب فيه، بلى فإن هناك حالات خاصة تقتضي التحقيق وقد بالغ بعض أتباع حمزة القارىء في التحقيق والإشباع حتى كره ذلك بعض الشخصيات كالإمام أحمد بن حنبل وابن قتيبة (وقد ظلموا حمزة في ذلك مع صواب موقفهم إزاء هذه المبالغة).
إن كل ما يتحصل عليه العلماء والباحثون من نتائج بخصوص ترقية اللغة العربية فلن يفيد شيئا لو لم تتدخل لاستثماره البؤرتان الهامتان لنشر العلم والثقافة وهما المدرسة وسائر مؤسسات التعليم من جهة ووسائل الإعلام من جهة ثانية.
فالمصطلحات التي تضعها المجامع وأهل الاختصاص ستبقى كما هو الحال في الوقت الراهن، حبرّا على ورق وقوائم تملأ رفوف المجامع ما لم يقرر وزير التربية مع جميع الوزارات المعنية إدخالها في الكتب المدرسية والعلمية والثقافية وما لم يقرر وزيرالإعلام ضرورة استعمالها رسميا في مستوى الإذاعة والتلفزيون وما لم يتفق الصحفيون على استعمالها في كتاباتهم، ثم إن تعليم قواعد الفصحى المنطوقة في مستوى الابتدائي هو أمر لا مناص منه إذا أردنا أن تدخل الفصحى في الاستعمال العام ولن يتم ذلك إلا إذا روعى فيها جانب الخفة التي تمتاز به العامية وحدها في زماننا هذا. (أنظر البحث المرفق الذي عرضناه على مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في 2001.
مشروع الذّخيرة اللّغوية العربية
التقرير العام الثاني([15]) اقتراح تخطيط للعمل وتمويل جزئي
أ) أهداف المشروع : يرمى مشروع الذخيرة اللغوية العربية إلى إنجاز: للغة العربية المستعملة بالفعل (بنك نصوص).
1. بنك آلي :
2. معجم آلى جامع للغة العربية مع المقابل الفرسي والانكليزي يستخرج من البنك الآلي المذكور (معجم مفردات).
ب) مواصفات المشروع : سينجز البنك الآلي (أو الحاسوبي) للمعطيات النصية انطلاقا من الاستعمال الحقيقي للغة العربية فسيضم :
1. المؤلفات ذات القيمة الكبيرة في الآداب والعلوم والتكنولوجيا وغيرها، القديمة منها والحديثة ؛
2. المحاضرات الجامعية القيمة المنشورة ؛
3. المقالات ذات القيمة المنشورة في المجلات الأدبية والعلمية والبحوث القيمة المعروضة في الندوات والمؤتمرات والموائد المستديرة وغيرها؛
4. جميع المعاجم العربية والمزدوجة اللغة القديمة والحديثة (مثل لسان العرب والمعجم الكبير الحديث وغيرهما)؛
والغرض من بنك النصوص الآلي هو أن يكون قاعدة معطيات دائمة بحيث تقبل الزيادة والتصليح على الدوام بحسب تطور المعلومات من خلال الاستعمال الحقيقي للغة العربية وبالتالي أن تصير المصدر الأساسي لإنجاز المعجم الجامع للغة العربية الذي سيحرره العلماء وخاصة أعضاء المجامع العربية وإنجاز العدد الكبير جدا، زيادة على ذلك، من الدراسات والبحوث في اللغة العربية.
والذي يميز هذه الذخيرة اللغوية عن الذخائر التي أنجزت في الزمان الحاضر كذخيرة اللغة الفرنسية مثلا هو في وجود هذا البنك الآلي للنصوص العربية السابق الذكر وكونه بنكاَ مفتوحا غير مغلق بل قابل للزيادة والتصليح وسيكون، على هذا، وبفضل شبكة اتصالية دولية (إنترنيت) تحت تصرف أي باحث في العالم في أي وقت أراد ويمكن أن تضاف إليه كل الزيادات الممكنة وأن تدخل فيه كل النصوص ذات الأهمية على الدوام وبدون انقطاع.
ج) ما سيترتب على إنجاز الذخيرة من الفوائد.
1. اعتبارات عامة

إنّ أهم ما تختص به الذخيرة اللغوية العربية هو أنها تتناول الاستعمال الحقيقي للغة العربية كما سبق أن قلنا من أقدم العصور حتى العصر الحاضر: فالنصوص - أو السياقات- هي التي ينبغي أن يعتمد عليها لتحديد معاني المفردات ولا يكتفى في ذلك بالمعاجم الموجودة.
ثم إن ما سيترتب على ذلك من المنافع هو شئ عظيم كما يصرح بذلك الذين سيساهمون في إنجازها أنفسهم لأن البحث عن مفردة أو صيغة أو بنية تركيبية أوعبارة جامدة أو أي شئ يخص اللغة في نص واحد أوعدة نصوص قد يتطلب زمانا طويلا جدا وقد يقضي الانسان عمره في البحث عن هذه الأشياء ولا سيما بالنسبة للنصوص التي لم تفهرس وحتى المفهرسة منها فقد لا تفي بكل ما يطلبه الباحث. وسرّ الذخيرة أنها فهرسة كبيرة شاملة لكل ما أنتجه الفكر العربي منذ الجاهلية إلى يومنا هذا.
وأضف إلى ذلك أنها آلية و سرعة العثور فيها على ما يطلبه الباحث هي سرعة الضوء. ثم يمكن أن نعرف بالضّبط المعاني التي قصدها المستعملون للغة العربية عبر العصور من سياقات الكلمات و هذا متعذّر على الباحث الأعزل الذي لا يستعين بالأجهزة الحديثة.
لا ينبغي أن يعتقد الباحث اللغوي أن هذه الذخيرة و هذا المعجم ستلغى بهما الأعمال العظيمة التي ينجزها العلماء. معاذ الله أن نعتقد مثل هذا. فالذخيرة هي هذه الأعمال نفسها و ليس فيها إلا ما يحرره العلماء فالجديد فيها هو فقط اللجوء إلى الوسائل الآلية الجبارة واستغلالها كما تستغل حاليا في جميع الميادين التي تعالج فيها المعلومات.
هذا وستعطى الأولوية في تخطيط العمل إلى المصطلحات العلمية نظرا إلى الأهمية القصوى التي تكتسيها المصطلحات بالنسبة إلى تعريب العلوم في البلدان العربية.
2. مصرف النصوص الآلي كمنبع موضوعي وموثق للمعاجم العربية والدراسات اللغوية عامة.

إن مصرف النصوص المراد إنشاؤه سيكون المنبع الذي لا يستغني عنه أي باحث في اللغة بل ومنبعا للكثير من الدراسات في العلوم الاجتماعية وتاريخ الأفكار والنظريات وغيرها.
وسيتمكّن الباحثون من إجراء :
* رصد دقيق وشامل لاستعمال العربية في إقليم خاص في عصر من العصور؛
* رصد منتظم للاستعمال الحقيقي لمصطلحات ميدان فنّي معيّن؛
* تصفّح لمعاني الكلمات من خلال سياقاتها عبر الزمان وتحديد تاريخ ظهور بعض الكلمات الفصيحة المولّدة أو اختفائها؛
* تحليل لغة كاتب أو شاعر أو خطيب وإحصاء مفرداته بكيفية آلية وغير ذلك؛
وعلى هذا الأساس يمكن أن تؤلف أنواع كثيرة من المعاجم مثل:
* المعجم التاريخي للغة العربية؛
* معاجم خاصة بأسماء الإعلام و الأماكن وغيرها؛
* معاجم فنية في كل الميادين؛
* معاجم أساسية ووظيفية لتعليم العربية؛
* معاجم لألفاظ الحضارة قديما وحديثا؛
* معاجم للغة الطفل العربي (انظر فيما يلي)؛
د) إنجاز المشروع
1. نشأة المشروع و تطوره :
إن حجم المعطيات التي ستدخل في ذاكرة الحاسوب كبيرة جدا كما هو معلوم ويتعذر على ذلك أن تتكفل مؤسسة واحدة بهذا العمل مهما بلغت إمكانياتها، و لهذا السبب تبنّى المحركون لهذا المشروع مبدأ المشاركة الجماعية على مستوى الوطن العربي وربّما على المستوى العالمي إن اقتضى الحال. وحصل هذا الاختيار في الندوة الاولى للمشروع التي انعقدت في الجزائر في سنة 1991 تحت اشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، حيث اجتمع عدد من الممثلين العرب لمؤسسات علمية وصدر عن هذا الاجتماع بعض التوصيات. (ومنها أن تنعقد ندوة ثانية في دمشق).
ثم إن هناك عددا من النصوص باللغة العربية قد تمت حيازتها (أي ادخالها في الحاسوب) في العشرية الاخيرة خارج هذا المشروع، فالذي نرجوه هو أن تعمّم هذه الأعمال و أن تنسّق التنسيق المحكم في المستوى الدولي.
تشرف على المشروع في كل بلد مؤسسة علمية أو ثقافية تكون من أقدم المؤسسات وأكثرها إمكانات وتقوم بالتنسيق بين المؤسسات المشاركة في البلد وتمثل هذه المؤسسات في اللجنة العربية التي ستنسق بين جميع المؤسسات في الوطن العربي.
وينبغي أن يحرر مشروع قرار أو مرسوم في داخل كل بلد يرمي إلى اقتناء اللجان المحلية لكل إنتاج ذى قيمة يكون قد تمت حيازته في الحاسوب فيدخل عندئذ في الذخيرة.
2. المدونات والمعطيات المعجمية التي يجب أن تدمج في الذخيرة.
من بين هذه النصوص والمدونات يمكن أن نذكر مدونة الرصيد اللغوي العربي وقد بلغ تسجيل أكثر من مليوني كلمة من أفواه الأطفال بالعربية (مكتوبة ومنطوقة) عبر الوطن العربي. وقد تم أيضا حيازة النص القرآني والحديث الشريف بفضل بعض الشركات العربية. فيجب إلحاقها بالذخيرة. وكذلك كل ما حصلت حيازته كدواوين الشعر الجاهلي في مركز البحوث العربية بالجزائر والمصطلحات الحديثة في معهد الدراسات والبحوث للتعريب بالرباط ومايقوم به الآن المجمّع الثقافي بأبوظبـي ومؤسسة التراث بالأردن وشركة صخر بالكويت وغيرها من أعمال عظيمة. ويطلب من كل من قام أو هو بصدد القيام بعمل مثل هذا أن يطلع اللجنة المحلية على ذلك.
3. البحوث المتعلقة بالذخيرة
إقتراح مخطط عام لسنة 2002 لغاية 2007
إن البحوث التي تتطلبها الذخيرة تخص :
1. المشاكل التقنية واللغوية الخاصة بالحيازة ؛
2. الحوسبة لبنك النصوص الآلي؛
3. إنجاز المعجم الجامع؛
المشاكل التقنية واللغوية المتعلقة بحيازة المعطيات
أ) برمجة أعمال الحيازة
إن اللجنة المحلية تنظر فيما تقترحه عليها كل مؤسسة للحيازة ثم تقترح بدورها على اللجنة الدولية ما اصطفته من المؤلفات والنصوص في مستواها وتنسق اللجنة الدولية بين هذه الاختيارات وتحاول أن تصل إلى قائمة ليس فيها تكرار، مع تحديد جدول زماني للعمل.
أما كيفية اختيار المؤلفات والنصوص وتحديد أدنى كمية مما يجب على كل مؤسسة مشاركة أن تتكفل به، فإن كل هذا ينبغي أن يخضع لمقاييس موضوعية ونذكر من بينها شهرة المؤلف أو النص مع قيمته العلمية أو الأدبية أو التاريخية ثم فيما يخص تحديد أدنى عدد من المؤلفات فإنه سيقرر قريبا إن شاء الله.
ب) توحيد طرائق النشر الأوّلى وتقنيات الحصر والإحصاء
فهذا مهم جدا لأن النصوص تحتاج إلى علاج إضافي قبل حيازتها حتى تكون الاستفادة من تجميع النصوص في ذخيرة واحدة كاملة ونعني بذلك أن يستطيع الباحث من إلقاء أي سؤال على الذخيرة مما يخص السياقات والمراجع التي وردت فيها الكلمات وعدد المرات التي وردت بها وغير ذلك كثير.
2. حوسبة الذخيرة اللغوية
إن الصفة الأساسية لبنك النصوص هو أنه آلي وهذا يستلزم القيام بحوسبة هذا في بنك النصوص أي أن يوضع له ما يسمى بالقوام البرمجي وهو المجموعة من البرمجيات التي لا بد منها لاستثمار الذخيرة (إلقاء أسئلة على الحاسوب). وهذا القوام هو في الواقع نظام (نسق) لتسيير قواعد المعطيات التي هي نصوص بالنسبة للذخيرة.
وتجرى الآن بحوث مكثفة في الوطن العربي فيما يخص هذه البرمجيات ونذكر على سبيل المثال البحوث الحاسوبية الخاصة بتنظيم التخزين للمعلومات وهي أهمها وبحوث تخص حيازة النصوص (إدخالها في ذاكرة الحاسوب) بكيفية آلية (المسح الضوئي).
أما فيما يخص الأسئلة التي تمس البنى اللغوية، فقد أنجزت برمجيات ناجعة جدا في هذا الميدان كالاستخراج الآلي لأبنية الكلم والمواد الأصلية وغير ذلك.
3. إنجاز المعجم الجامع للغة العربية الآلي
سيتكفل بذلك العلماء بعد انجاز الجزء الكبير من البنك الآلي إن شاء الله.
هـ) التمويل:
كما سبق أن قلناه ليس في استطاعة أي هيئة أن تتكفل بجميع ما يتطلبه هذا المشروع القومي الكبير من أموال ولهذا نقترح ما يلي:
أن تتكفل كل مؤسسة مشاركة بتمويل الأعمال التي تلتزم بالقيام بها في الفترة المقترحة 2002-2007.
أن تتكفل المنظمة العربية للثقافة والعلوم وغيرها من المؤسسات الثقافية العامة والخاصة بتغطية مصاريف التبادل العلمي من جهة وتكاليف التنسيق والتسيير من جهة أخرى على المستوى الدولي.
1. التبادل العلمي والتقني
تـخصص المؤسسة المشرفة في كل بلد للفترة المقترحة 2002-2007 مبلغا معينا للتبادل العلمي بين المؤسسات العلمية المشاركة فيما بينها من جهة وفيما بين هذه المؤسسات والمؤسسات التي عرفت بتجاربها في إنجاز بنوك المعطيات اللغوية واستثمارها.
2. التنسيق والتسيير
ستتكوّن لجنة التنسيق العربية على مستوى المنظمة من مجموع المسؤولين المنسقين للجان المحلية (منسق واحد لكل دولة). وتجتمع لجنة التنسيق مرة على الأقل في السنة في الفترة المقترحة للتنسيق والتخطيط والتقويم باستضافة دولة من الدول العربية. ويمنح المنسق في كل دولة والمسؤول عن المشروع بدلا معينا لأعماله التنسيقية والتنظمية.
والله ولي التوفيق.
(*) مدير مركز البحوث في اللغة العربية ورئيس المجمع اللغوي الجزائري.

([1]) ولم يكن اللغويون العرب قديما يرون هذا الرأي فإن الاستعمال عند الخليل وسيبويه وأصحابهما كان يكوّن عنصراً هاماً في استقرائهم لقوانين العربية وعاملا أساسياً في تعليل الظواهر الشاذة عنها.

([2]) اللهم إلا إذا شاعت الكلمة الحديثة عبر الوطن العربي في التعليم خاصة.

([3]) بل لا يستطيع لأن يميز بين الغريب وغيره لعدم معرفته لمدى تردد هذا الاستعمال القديم.

([4]) أي بلوغ معانيه إلى ذهن السامع كما يقصده المتكلم.

([5]) في غالب الأحيان وهذا البحث غير الاستقرائي الشامل هو أيضا اعتباطي كما سنراه فيما يلي.
(6) تحت عنوان : أثر اللسانيات في النهوض بمستوى مدرسي اللغة العربية. وقد أقرّ أكثرها المؤتمر الذي نظمته مكتب تنسيق التعريب في سنة 1985.

([7]) بالتخصيص أو التعميم وغير ذلك.

([8]) من الذين جاؤوا بعد تقلص رقعة الفصاحة السليقية.
(9) أنظر نص المشروع المرفق بهذا البحث.

([10]) ويحتاج هذا الجانب الى دراسة قائمة برأسها.

([11]) وهي ظاهرة معروفة تسمى بالإنكليزية ب Hypercorrection فرط التصحيح (وهو خطأ).

([12]) صورة محسوسة هي التعداد فإن المعلم نفسه لا يعرف أن مثل هذا النطق: فمطر ـ قلم وكذلك واحد ـ اثنان ـ ثلاثة... غلط فاحش في العربية.

([13]) هذه الأشياء التي سنذكرها هنا يعرفها جيدا علماء اللغة والقراءات إلا أن حظها من العناية قليل بل يكاد لا يلتفت إليها في وقتنا الحاضر إلا الشرذمة القليلة من الاختصاصين على الرغم من أنها تهمّ كل المثقفين إذ تمس مستقبل لغتهم.
(14) ذكره الدكتور عبد التواب من كتاب " نثر الدرر" لابن سعد الآبى (فصول في فقه اللغة، 80).

(15) من تحرير الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح، رئيس لجنة الإشراف المؤقتة لمشروع الذخيرة اللغوية العربية.

المهاجره
02-16-2011, 12:47 AM
أفاق تطوير اللغة العربية في التعليم العام
(*)د. عبد السلام المسدي

عندما عرّف سيجمون فرويد الحضارة الإنسانية بأنها ليست سوى حصيلة الكبت المتسلط على الإنسان ـ سواء أكان الإنسان هو الذي يسلطه بنفسه على نفسه بالإذعان إلى أعباء المحظورات أم كان الآخرون هم الذين يسلطونه عليه بسطوة القمع ـ إنما كان مهموما باستكشاف الحقائق النفسية على وجه التخصيص. وما ذهب إليه فرويد إن هو إلا صورة معدّلة من القناعة التي كانت شائعة منذ العصور القديمة بين طائفة من الفلاسفة يقولون إن الحضارة الإنسانية لا يحركها ولا يدفع بها نحو الأمام إلا الصراع. وهي قناعة تجد جنيسها عند فريق من المؤرخين كانوا في نظرياتهم يعتبرون أن تاريخ الإنسانية ما هو إلا تاريخ الحروب التي يخوضها البشر بشكل متجدد ودائم.
في رؤية استشرافية تقف راصدة للظواهر الكبرى بعدسة بانورامية يمكننا ـ ولو باقتضاب لا يتنصل من تبعات الإخلال المتولد عن كل اختزال ـ أن نلخص تاريخ الإنسانية القريب بالاعتماد على تمايز أضرب الصراع. فالمنازعة بين المجموعات البشرية كالمنازعات بين أفرادها قلما تخلو من توالج الحوافز وتشابك المقاصد، غير أن بعض البواعث أو بعض المرامي قد تطفو على السطح أكثر من سواها فتبدو هي الأبرز وكأنها هي الأقدر على توجيه مسيرة الوقائع والأحداث.
إذا تجوّزنا المناولة الاختزالية فتوسلنا بها كان بوسعنا أن نلخص القرن التاسع عشر في سمات أربع تكون كالمفاتيح الحاسوبية الموصلة إلى المواقع الفسيحة : طفرة علمية، فثورة صناعية، فبحث عن مجالات حيوية لها، فحركة استعمارية. أما القرن العشرون فلعله هو الذي سيوجز لنا الإطار البانورامي لتوالج أضرب الصراع، ولبروز بعضها فوق بعض، ذلك أن النزاعات بين المجموعات البشرية تتشكل على أركان أربعة : السلاح والسلطة والمال والفكر. لكن بعضها قد يطفو على البعض الآخر، وهذا هو الذي يجعلها تتجلى على هيئات مختلفة، وتتمظهر بصيغ متباينة: الصيغة العسكرية والصيغة السياسية والصيغة الاقتصادية والصيغة الحضارية.
لقد كانت السمة الأولى الغالبة للنزاع العالمي في القرن العشرين متركزة على الصراع الحربي وهو ما جسمته الحربان الكونيتان طيلة النصف الأول منه. ثم كانت السمة الغالبة متشخصة في الصراع السياسي بتشكله الإيديولوجي بحثا عن أفضلية الاختيار المؤدية إلى أحقية القرار، وهذا ما أجلته بوضوح الحرب الباردة. وبعد ذلك برز إلى الخط الأمامي العامل الاقتصادي فانكشفت سطوة رأس المال، وانفرد بالضغط والتأثير سلطان الاستثمار.
بدا ذلك جليا منذ مطلع العقدين الأخيرين من القرن العشرين ثم سرعان ما أدارت الأحداث منظومة الأركان ودفعت برابعها إلى الصف الأمامي، فطفا على السطح الركن المؤسس لكل صراع تاريخي، وأمسى النزاع الكوني نزاعا ثقافيا بالدرجة الأولى كما لم يسبق له أن كان.
إن الركن الثقافي يبدو للنظرة العجلى أوهن الأركان إذا ما قيس إلى السياسي والاقتصادي والعسكري، ولكنه في التقدير المتبصر الوئيد هو أقواها لأنه أعمقها وأبقاها، حتى ولو جارينا الوهم وخلنا أن سلطة الثقافة أقل شأنا وأضعف إجراء وأبطأ إنجازا من سلطة القرار ومن سلطة المال فإنه لا مناص لنا من التسليم بأن المجموع هو سلسلة. وفي منطق المنظومات يعلم الجميع بأن أقوى حلقات السلسلة هي أوهنها لأنها تفرض على سائر الحلقات أن تسير حسب خطوتها وإلا انفرط العقد.
هي إذن الحرب الثقافية الشاملة، أو قل هي الحرب العالمية الثقافية، وهذا الجزم ليس توسلا بالمجاز ولا هو اتكاء على خطاب متأدلج جديد. وهو بعيد قطعا عن صيحات الاستنفار التي تأتي تدرّعا من الخوف المتولد عن عقدة الاستنقاص الذاتي، وإنما هو ما هو لأن هذه الحرب الجديدة تعلن بنفسها عن نفسها أنها حرب، وتعلن بنفسها عن نفسها أنها ثقافية.
وبنفس المنهج البانورامي ـ الذي يختار عن وعي اختزال الظواهر من أبعادها القصيّة إلى حدودها الدنيا ـ بوسعنا أن نستشف كيف أن لهذه الحرب مقصدا محددا، وكيف أن لها جسرا متحركا : فأما المرمى فهو نسف الهوية، وأما المطية فهي تقويض اللغة. هنا ـ على وجه الدقة والتعيين ـ تنبثق في وضوح صارخ مجموعة من الحقائق الجديدة التي يتولد بعضها من بعض بفعل المجادلة الذاتية. أولاها أن الثقافة العربية تأتي في مقدمة الثقافات التي تستهدفها الحرب الجديدة، وهذا الاستهداف يتقنع ـ في مد وجزر بين الخلط الماكر والدس المفضوح ـ بستائر صراع القوميات، أو بأردية صراع المعتقدات. وثانيتها أن اللغة العربية الفصحى هي- في كل الاحتمالات ومع كل التقليبات ـ الرأس الذي يراد اجتثاثه بشكل قاطع لا رجعة فيه.
إن السؤال المتعلق بمصير اللغة العربية ربما كان ـ فيما مضى ومن خلال منعطفات زمنية وتاريخية مختلفة ـ ضربا من الاستنفار الاحتمائي، أو ضربا من الاحتشاد الوقائي. وقد كان بالفعل كذلك منذ بداية النهضة العربية الحديثة، واستمر على ما هو عليه عندما جثم الاستعمار، ثم تمكّن واشتد طيلة سنوات المقاومة والتحرير، ولكنه في هذا الزمن الجديد، ومع تفتق التاريخ عن الاستعمار الثقافي الجديد، قد غدا سؤالا راهنا، ضاغطا، حارقا، لا يحتمل التأجيل، بل أضحى من أمهات الأسئلة لأنه بثقله الرمزي يقوم مقام أركان الصراع الكلاسيكية كلها : السياسي والحربي والاقتصادي والفكري.
غير أن بين المسألة اللغوية فيما سلف وما هي عليه الآن فروقا بالغة الدقة ولا سيما في ارتباط القضية بخلفياتها السياسية والحضارية. فمن قبل ـ في حقبة الاستعمار التقليدي وما تلاه من موجات التحرر والانعتاق ـ كان الخطاب السياسي الرسمي لدى السلطات الاستعمارية يتفصّى من مسؤولية العداء الثقافي ويتنصل تبعا لذلك من كل المرامي الحضارية البعيدة، ويقدم نفسه على أنه حركة تمدينيّة ذات مقاصد إنسانية نبيلة، وهكذا كان الخطاب "الكولونيالي" خطابا تبشيريا يخاتل ليتستر على قناعات أصحابه بأفضليتهم الثقافية.
أما الحقيقة الجديدة ـ ولا سيما بعد انقلاب "العالم الحر" على قيمه التي أسّسها منذ نهاية القرن الثامن عشر، وانتكاس مرجعياته التي كانت أعمدة لما أسماه بالمجتمع المدني ـ فتتمثل في تحول الخطاب الرسمي من خطاب يوازن بحذق سياسي بين المصرح به والمسكوت عنه إلى خطاب مجاهر، يعلن استعلاءه الحضاري، ويكاشف بتهجين الآخر، ولا يتردد في إبراز قناعاته التي تشرّع لأفضليته الثقافية بناء على دونية سائر الثقافات الإنسانية.
إن المسكوت عنه قد خرج إلى فضاء المصرح به، وإن اللغة واقعة في قلب الرحى ضمن الحرب الجديدة، حرب الاختراق الثقافي التي تحتكم إلى استراتيجية الاستهداف في كل أضرب الصراع على واجهاته الأربع. وبناء على ما سلف تبرز لنا اليوم الحقيقة الأجدّ : فعلى مدى الحقب التاريخية الثلاث ـ حقبة ما قبل الاستعمار، وحقبة الاستعمار، وحقبة ما بعد الاستعمارـ كان العدو الكبير للغة العربية هو لغة المستعمر. أما الآن فإن العدو الأكبر لم يعد اللغة الأجنبية بقدر ما هو الثقافة الأجنبية إذا ما تسربت إلى القناعات الحميمة فأصبحت متحكمة في الآليات النفسية عبر التحكم في أدوات التفكير. إنه التسلل إلى كوامن الذات الفردية المؤدي إلى السيطرة على منافذ الذات الجماعية. إنه هو الاستلاب كما لم يستطع علماء الثقافة أن يسيّجوه ويحددوه : أن يصبح الفرد العربي ناطقا باسم المرجعيات التي يريد الآخر أن نقوم نحن بمهمة ترويجها والإشادة بها. وكم من عربي حذق اللغة الأجنبية حذقا عاليا وظل في قمة وعيه الحضاري الملتزم ! وكم من عربي يتلكأ لسانه بلغة الآخر ويرطن بها رطنا وهو على غاية الوهم بأن سبيل الخلاص التاريخي يبدأ باستيراد الأنساق الذهنية ولو بأغلى الأثمان.
كل الحروب أصبحت إذن ترتد إلى الحرب الثقافية، وكل الثقافة ترتدّ هي الأخرى إلى الوعي اللغوي اطرادا وعكسا. وفي هذا المنعطف الاستثنائي الذي يشهد على تشكل جديد للمنظومات الإنسانية لم يسبق له نظير في تاريخ الثقافات تجد المعرفة العلمية المتصلة بالظواهر اللغوية مسوّغها الأكبر. فهناك جملة من الحقائق أبرزها العلم اللساني، واعتمدها بشكل كلي، وأهله كانوا واعين بأنها ليست اكتشافات بالمعنى الحقيقي، بل إن بعضها يعد من البديهيات، ولكن الحدث الجديد تمثل في إجلاء أمرها وتبويئها منزلة المفاتيح الإجرائية الناجعة.
من تلك الحقائق التي غدت كالمسلّمات المنطقية أو كالمصادرات الرياضية أن اللغة الطبيعية ـ من حيث إنها تتجسم في ألسنة قومية ـ تحيا وتدوم وتبقى بفضل التوارث الثقافي. وهو ما يتضمن النفي القطعي لمبدأ الوراثة الطبيعية في الظواهر اللغوية لأن أي مولود إذا نقلته في سنواته الأولى من بيئته الاجتماعية وأسلمته إلى بيئة أخرى فإنه ينشأ على اللغة التي يتداولها من حلّ بينهم كما لو أنها لغة أمه وأبيه، فأمر اللغة مشدود بالكلية إلى قانون الاكتساب الذي هو ركن متين من أركان النسق الثقافي بكل نواميسه المجردة، وبكل آلياته الإنجازية الفاعلة.
ومن الحقائق العلمية التي لها أن تتألق الآن في ضوء الشطرنج الكوني الجديد الحقيقة التي تصف الرابطة المعقدة القائمة بين اللغة والفرد والجماعة، ومدارها أن اللغة سابقة للفرد، باقية بعده، لا تحيا إلا بتداول الأفراد لها، ولكنها تموت وتنقرض إذا ما أعرض الأفراد عن تداولها. من هنا ينفتح باب كبير لدراسة أبعاد هذه العلاقة الجدلية حين يتناولها علم اللغة الاجتماعي من زاوية الهرم المجتمعي وكيف تنتظم الصلة بين قمة الهرم فيه وهي سلطة القرار وقاعدته وهي جموع الجماهير.
وهكذا تتأسس سلسلة من المسلّمات : فاللغة " تشتغل" بفضل عقد ضمني بين الأفراد، وهو عقد ضمني بالضرورة، لأن مجرد التداول بشأنه يجعل اللغة تتحول من وظيفتها الطبيعية وهي الحديث عن الكون والوجود والعالم إلى الحديث عن نفسها. واللغة هي الأنموذج الأقصى الذي يجسم بالإطلاق مفهوم الملكية المشاعة، ولو أن أحدا أراد أن يضيف إلى اللغة شيئا ـ في مفرداتها أو في مجازاتها أو في صيغها وتراكيبها ـ فإما أن يرفضه الاستعمال فيذهب هدرا وإما أن يتقبله فيكون ذلك بمثابة التخلي الواعي عن الملكية الفردية وإسهام طوعي في كنوز الثروة الجماعية على الشياع.
ثم إن اللغة هي التي تحوّل الأفراد من جماعة بشرية إلى مجموعة ثقافية، وهذا على وجه التمحيص يعني أن الرابطة اللغوية أقوى من الرابطة السياسية، لأن الجماعة البشرية إذا ترابطت سياسيا كونت مجموعة وطنية، وهذا لا يقتضي بالضرورة أن يكون التجانس الثقافي قد قام فعلا بين أفراد المجموعة بمجرد الانضواء تحت الرابطة السياسية الواحدة، والتاريخ ـ القديم منه والمعاصروالحديث ـ مليء بالشواهد الدالة. ويكفي أن نتبين كيف انفلقت كيانات سياسية كان يظن أنها التحمت بمجرد انصهارها في سياج الدولة السياسية. ولكن سلطة الثقافة كانت أقوى فتطايرت المنظومة إلى دول ثقافية شأن ما حصل في يوغسلافيا وفي تشيكوسلوفاكيا وفي ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي. أما الشاهد المضاد والذي يبرهن على أن السياسة والاقتصاد والإيديولوجيا هي جميعا أضعف من الثقافة المتجانسة ومن اللغة المشتركة ومن التراث الفكري الواحد فهو توحد ألمانيا يوم سقط جدار برلين.
إن مصيراللغة العربية يتراءى من خلال الأخطار التي تهددها بشكل حاسم، وأولها هو ذاك الخطر الثقافي كما رأيناه وكما جلونا صورته. والخطر الثاني هو اللغة الأجنبية عندما يرافقها لدى التلميذ في مراحل التعليم العام الشعور بأنها هي القادرة على حمل أعباء المعرفة العلمية، وبأن اللغة العربية تظل قاصرة عن أداء تلك الوظيفة، وهذا الإحساس كثيرا ما يزدوج ويظل ازدواجه مغمورا في منطقة اللاوعي، فهو في واجهته الأمامية يخصّ جدول الألفاظ بحكم الوهم المتصل بافتقار العربية للمصطلحات القادرة على أداء الدلالات الفنيّة الدقيقة، وهو في الواجهة الخلفية يولّد الوهم بأن اللغة العربية تعجز عن صياغة الخطاب العلمي الكفيل بمضاهاة الخطاب المصوغ باللغات الأجنبية سواء في وظيفته الأدائيّة أو في وظيفته الإقناعيّة.
ويأتي الخطر الثالث وهو مما جرت العادة بأن يسكت الناس عنه، ويتمثل في الخطاب التداولي الذي يقع استعماله داخل الفصول ـ أو الأقسام ـ في مراحل التعليم العام. فمما لا شك فيه، رغم افتقارنا إلى دراسات ميدانية شاملة للوطن العربي، أن العربية الفصحى تخالطها داخل الفصول اللهجة العامية التي يتداولها أهل ذلك البلد أو يتداولها أهل المعلم إن كان يعمل خارج بلده، وهذه الظاهرة ما انفكت تشيع وتنتشر وتكاد أن تستشري بين قطر عربي وآخر. ولا يعنينا هنا التنقيب عن أسباب الظاهرة من ضعف تكوين المربّين، أو من الغربة التامة بين الأطفال والتداول الفصيح، أو من نزعة المجهود الأدنى عند المعلمين وعند المتلقين. وإنما الذي يعنينا هو إيقاظ الوعي بخطرها.
أما الخطر الرابع فواقع بين المستويين من التداول اللغوي داخل المؤسّسة التعليمية، ويتمثل في استعمال العربية الفصحى ولكن بعد نزع حركات الإعراب من أواخر كل كلماتها، وهو ما يفضي إلى تعرية الفصحى من غطائها النحويّ وإخراجها من سياقها الأدائيّ الفصيح لإلحاقها تدريجيّا بنظام إبلاغي مغاير تماما لطبيعتها الأولى. وجسامة الخطر كامنة في التكتم على هذه الظاهرة سواء بين المعنيّين بشؤون التعليم والتربية أو بين المهتمين بالدرس والبحث وتشخيص الظواهر اللغوية. فكيف لا ننتبه إلى غياب الوعي اللغوي عندما نتناول الشأن الثقافي : نتمثل الإبداع ثم نتداول الحديث عنه باللهجة العامية، والحال أنه في أرقى منازل الإفصاح، والمتحدّث عنه كالذين يتحدث إليهم من أقدر الناس على استيعاب الأداء اللغوي القويم.
يرسم الفنان لوحاته، ويعرضها، ولكن الناس يتجادلون حولها ويجادلون مبدعها فيها، ويدور ذلك على منصات الإعلام المسموع والمرئي ولا أحد يحس بالتناقض الصارخ بين إبداع الفن و" لا إبداع" اللغة. فكلّ على شاكلته في الرطانة واللغط. ويناقش المثقفون شؤون المسرح وشؤون الشعر وطبيعة القصائد فينزلقون إلى الحوار الماحي لمراسم الإبداع ولا يعون ولا يشتكون، بل يحتفلون بما يقولون على مصادح المذياع وبين تجهيزات التلفزيون.
ذلك هو تلهيج الثقافة يبدأ من الخطاب المسوى على الفن وينتهي بخطابنا الذي نتحدث به عن هموم الثقافة ذاتها على المنابر وفوق منصّات النوادي والملتقيات، بل والمؤتمرات وأعظم بها من مفارقة : ما أن نغادر مراسم المكتوب والمقروء حتى تستهوينا قوانين المجهود الأدنى فكأن العربية أمّ لا تفصح عن نفسها بقدرما يفصح عنها بناتها. إنه الخطر الذاتي يأتي مضافرا للخطر الموضوعيّ، وإنها لحالة من الانفصام : فالخطاب الثقافي محمول على نظام لغوي بينما الخطاب الواصف للثقافة أو الناقد للإبداع محمول على نظام آخر مغاير له. نستقبل الثقافة الفصحى ثم نعمل على تلهيجها بوعي أو بدون وعي حتى لنكاد نعزل العربية عن السياق التداولي الحيّ.
ربما يكون الخطر التاريخي آتيا من أهل القرار الإجرائي في مجتمعنا العربي عندما لا يولون المسألة اللغوية حجمها الحضاري التي هي متسعة له، قادرة عليه، موكّلة به. وعندما يغفلون عن أن بقاءهم وبقاء رعاياهم متوقفان على بقاء هويتهم، وأن بقاء هويتهم مرصود ببقاء لغتهم القومية الجامعة. ولكن الخطر الأدهى هو أن المثقف العربي ما انفك في كثير من الأحايين يتحوّل إلى متواطئ على الثقافة بل على الهوية الثقافية التي بها قوام وجوده الحضاري وعليها مدار صيرورته التاريخية.
إن المثقف الذي يدير شأنه الفكري والأدبي والإبداعي بلغته القومية وهو يخط ويكتب ويدوّن وينشر ويساجل ثم إذا حاور أو ارتجل أو تحدث عبر أمواج الأثير أو على شاشات المرايا توسل باللهجة لهو مثقف متواطئ على ذاته الثقافية، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدنى انسياقا مع الكسل الذهني أو اتقاء لركوب المحاذير. إنه يحيك المشهد الأوّل من تراجيدية الانتحار اللغوي.
فيما مضى كانت اللغات الأجنبيّة عدوّا إيديولوجيا يوم كان الصراع الحضاري معتمدا على الاكتساح العسكري وكانت المذهبيات رأس الحربة في المعركة. أما اليوم ـ في صراع الكونية الثقافية المحتمية بعباءة الأممية السياسية والعولمة الاقتصادية ـ فإن اللهجات المهدّدة لبقاء اللغة القومية الفصحى هي العدو الثقافي الأشرس لأنها تنتصب حليفا موضوعيا للكونية الغازية، ولأنها بين أيدي فرسان العولمة وسدنة الأممية ومهرة التدويل حليف استراتيجي ليس كمثله حليف.
بل لنقل غير متوجسين ولا مهادنين : إن اللغات الأجنبية قد كانت فعلا عدوا تاريخيا، وستظل فعلا عدوا تاريخيا، ولكننا مدعوّون اليوم إلى أن نتخذها حليفا استراتيجيا بعيد المدى فنستنبط معها عقد شراكة بكل فوائضه القيمية المربحة. أما اللهجات ـ لا كأداة تعبير حيّ تلقائيّ وإنما كوسيط ثقافي وكناقل للمنتج الفكري والإبداعي عند التواصل والمشافهة ـ فإنها شقيق طبيعي يتحوّل على أيدينا إلى عدو إيديولوجي بكل قيمة السلبية الناسفة.
إن اللغة العربية بما هي حامل للهوية الثقافية وضامن لسيرورة الذات الحضارية لا يتهددها شيء مثلما يتهددها صمت المثقف وهو ينظر إلى الزحف اللّهجيّ يكتسح مجالاتها الحيوية ولا سيما في الإبداع الثقافي وفي الحديث عن كل شأن ثقافي مهما تقلصت أبعاده أو انكمشت أحجامه أو ضؤلت أوزانه. وليس من حظ للعرب في أن يواجهوا مخاطر الكونية الزاحفة المستشرية إلا بجبهة داخلية متينة تستمد قوتها من حرية فكرية تبني ولا تخرّب، وتشيّد متانتها على أساس التماسك اللغوي، المطرد في أنساقه، والمنسجم بين أطرافه، فالثقافة معرفة وفن، والعرب الآن يفصّحون المعرفة ما وسعهم الإفصاح ولكنهم يلهّجون الفن إلا من رحم ربنا، وفي هذا كله يكمن نذير الانفصام.
لقد اتفق العرب جميعا ـ في خطتهم الشاملة للثقافة العربية كما هيأتها منظمة الألكسو ـ على أن " التفريط في اللسان القومي تفريط في الهوية وكسر لهيكل تماسك المجتمع ووحدته". واتفقوا أيضا على أن وسائل الإعلام مع الإنتاج الفني كثيرا ما تدعم اللهجة العامية على حساب اللغة العربية الفصيحة، كما لاحظوا أن " القوى الأجنبية تشجع العامية دراسة ودعما وتؤكد صعوبة العربية السليمة. وثمة دعوات تدعو لترك اللغة الفصيحة والكتابة، والتعليم بالعامية وهي دعوات مشبوهة لا يراد بها وجه العلم ولا خير العروبة". ثم إنهم لاحظوا كيف " أوجدت وسائل الإعلام والكتب والمؤتمرات المشتركة ووسائل الاتصال المختلفة والأغاني والأفلام، وما تزال توجد في الواقع، لهجة عامة مشتركة يتزايد قربها من اللغة المكتوبة لدى الطبقة المثقفة، وهذا الأمر يفتح الباب للتوحيد اللغوي التدريجي بين أبناء الأمة الواحدة. على أن الموقف يصبح حاسما ومرفوضا نهائيا إن حاولت أي لهجة من اللهجات الانتقال من مستوى اللهجة المحكية إلى مستوى التقعيد والتنظير، لتصبح لغة إقليمية مكتوبة، ولسانا منفصلا تصطنع له القواعد النحوية والمعجمية اصطناعا ".
إن معركة اللغة العربية الآن ـ من أجل البقاء التداولي ـ تجري على مساحات ثلاث متوالجة شبيهة بثلاث دوائر مرسومة تتقاطع في جزء منها بحيث تنشأ بين كل دائرتين منطقة مشتركة ثم تنشأ بين الثلاث جميعها منطقة فريدة مشتركة ستكون لها الخصوصية الكبرى.
فالدّائرة الأولى هي دائرة الثقافة من حيث هي خلاصة الفكر وعصارة الفن، وفضاء كلّ إبداع : سواء أجاءت به العبقرية الفردية، أم جاءت به التنشئة الجماعية، أم كان ثمرة زواج بين الموهبة الوراثية والترويض الاجتماعي بما فيه من تعليم واقتصاد وسياسة. ورأينا ثنائية الحضور والغياب في هذه الدائرة : كيف يحضر الوعي العربي كلما تعلق الخطاب الثقافي بالمكتوب المقروء سواء كان خطابا منتجا للمادة الثقافية أو كان خطابا متحدثا عن تلك المادة المنتجة، وكيف يغيب الوعي اللغوي كلما تحوّل الأمر إلى تواصل شفاهي وتداول تلقائي، حتى بين المتخصصين الفصحاء المهرة، والحال أن اللحظة الثانية هي الأوقع في النفوس، وهي الأعمق في التأثير ثم هي الأقوى في الأحقية الاستراتيجية ذات المدى البعيد.
والدائرة الثانية هي دائرة الإعلام، وما من شك في أن التطوّر العملاق الذي عرفته وسائل الاتصال قد دفع التواصل الإعلامي ـ عبر الأجهزة المسموعة التي تصوغها الإذاعات وعبر الأجهزة المسموعة المرئية التي تبثها التلفزات الأرضية والتلفزات الفضائية ـ إلى أن يتحوّل إلى مدرسة كبرى تسوّق المعلومة وتروّج الثقافة ولكنها تلقن أيضا ملكات اللغة، فبأيّ لسان كثفت التواصل الإعلامي حصلت منه على فائض أدائي لدى الجمهور، وعلى مردود متنام في المهارات التعبيرية، وعلى درجة أرقى في طاقة الاستيعاب وملكة الاكتساب. ولئن وفقت بعض الأجهزة الإعلامية العربية إلى الالتزام الشريف باللغة القومية وإلى الرعاية النبيلة لمعيار السلامة ومرجعيّات الفصاحة فإن الوعي كثيرا ما يغيب فتتسلط نزعة المجهود الأدنى، ويعمّ الاستسلام إلى الكسل الفكري وخاصة فيما يسمّى ببرامج " التنشيط" الإذاعي أو التلفزي، أو ما يسمّى بالنقل المباشر، وقد استشرت عاهـــة " التلهيج " حتى إن بعض الفضائيات أصبحت تسوق الأخبار باللغة الفصحى ثم إذا اتصلت على الهواء بمبعوثيها لتأمين النقل المباشر توسلوا باللهجة العامية فتراهم يبذلون من الجهد في سبيل " التلهيج " أكثر مما كانوا يبذلونه لو واصلوا نشرة أخبارهم باللغة القومية، والسبب هو تهيّؤ المفاهيم والمصطلحات والعبارات المكرّسة في انصياعها باللغة الفصحى أكثر من تهيؤ العامية لها.
ومن أكثر السياقات فضحا لغياب الوعي اللغوي وانسياقا لغريزة المجهود الذهني الأدنى، وتفويتا لمنبر تعليمي لغوي نافذ البرامج الرياضية في الأجهزة الإعلامية، وكم كان من المتيسر أن تتحول تلك الحصص إلى مدرسة للأداء اللغوي الفصيح لتوفرها على السبب الأعظم وهو غزارة اعتناء السامعين والمشاهدين بها وقوة حماسهم في متابعتها، خاصة والشرائح الأكثر اهتماما بها هم في سنّ تسمح بالاكتساب اللغوي النشيط. ومن يغفل عن نفاذ آلة اللغة كلما كان تلقينها غير مقصود لذاته علنا، وكلما سيق تعليمها من خلال التداول الذي لا يكشف عن غرضه التلقيني فيها ؟
ألم تر كيف ينقل الآخرون على شبكاتهم الإذاعية وعلى فضائياتهم التلفزيونية مبارياتهم الرياضية، في كرة القدم أو كرة المضرب أو في ميدان المصارعة وعلى حلبات الملاكمة، وكيف ينطق الواحد منهم مستخدما لغته الفرنسية أو الإنجليزية على درجة من السلامة والفصاحة بحيث يمكنك أن تحوّلها مباشرة إلى نص مكتوب ينشر على أعمدة الصحف بصياغته الحرفية وبدون أي تنقيح. ثم ألم تر أنه وهو يفعل ذلك لا يستشعر أي غضاضة تأتي من السامعين عليه ولا أي فجاجة يأتي هو بها على السامعين.
أما الدائرة الثالثة فهي الساحة التكوينية التي تتداول الأنظمة العربية حولها مصطلحين : التعليم، وبه تسمّى الوزارات أحيانا. والتربية، وبها أيضا يقترن اسم الوزارة في بعض الأقطار الأخرى. هي إذن المدرسة بكل مستوياتها ومراتبها من رياض الأطفال إلى أرقى المراكز الجامعية والمؤسسات الأكاديمية. وما لم يواجه المثقف مسؤوليته التاريخية القصوى ليعلن جهارا بأن المربي أو المعلم أو المدرس أو المحاضر أو كبير الأساتذة ما إن يعمد إلى تعرية لغته من بنائها النحوي الكامل وما إن يجنح إلى اللهجة العامية متوسلا بها لشرح أو تحليل أو استنباط حتى ينخرط في مشروع تفتيت أمّ المرجعيات وهي اللّغة القومية التي عليها مدار كل هويّة حضارية.
(*) أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

المهاجره
02-16-2011, 12:52 AM
ملاحظات حول تعليم اللغة العربية في المرحلة الثانوية
(*)د. عبد الجليل هنوش

تجمع أغلب التحليلات التي تناولت مسألة اللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة على ضعف المستوى اللغوي للمتعلمين، وعلى وجود ثغرات وعيوب في عملية تعليم هذه اللغة. واختلفت التحليلات بعد ذلك في كشف أسباب الضعف وفي تحليل مظاهره وفي اقتراح أساليب معالجته.
ولست بصدد إعادة ما قيل في هذا الشأن في مؤتمرات وندوات عقدت أو في مقالات وكتب دبجت، وإنما سأحاول أن أدلي ببعض الملاحظات الخاصة بتعليم اللغة العربية بالمرحلة الثانوية، مركزا في التمثيل على نموذج المغرب وإن أمكن تعميم الخلاصات لتنطبق على غيره مما يشبهه في الوضعية.
فقد قال الدكتور شكري فيصل متحدثا عن تدريس اللغة العربية في الوطن العربي : "من المؤسف أن يكون واقع شبابنا الذي يتخرج من الثانويات- وهل علي من حرج أن أقول : والذي يتخرج من الجامعات ـ أنه لا يتقن لغة ما ـ حتى العربية أحيانا- لقراءتها قراءة تدبر.. ولذلك فهو لا يقرأ... وإذا قرأ فهو لا يفهم، وإذا فهم فهو لا يعقل، وإذا عقل فهو لا يتفاعل.. لأن الشرط الأول في تحقيق التفاعل هو امتلاك اللغة"([1]) وعبر عن ذلك بصورة أخرى لغوي كبير هو د. نهاد الموسى حيث قال : "إن الطالب العربي المتخرج في المدرسة بل المتخرج في الجامعة لا يقرأ كما ينبغي أن يقرأ(...) ولا يكتب كما ينبغي أن يكتب، فهو كثير الخطأ في الإملاء، كثير الخطأ في النحو (...) وهو كذلك لا يسمع كما ينبغي له أن يستمع...([2]).
فالمشكلة، إذن، عامة في الوطن العربي، ومسألة ضعف التلاميذ في الأداء اللغوي المنطوق والمكتوب مسألة مقررة لا خلاف فيها.
وإننا إذ نركز على المرحلة الثانوية فلأهمية هذه المرحلة التعليمية، فهي مرحلة وسيطة بين التعليم الابتدائي الإعدادي وبين التعليم الجامعي العالي. ولذلك تلقى عليها مهام وتبعات جسام ينبغي للمشتغلين بالتربية والتعليم الانتباه إليها والعناية بها. فهي تقوم بوظائف ثلاث مهمة وحاسمة ومتكاملة في آن :
1. تصحيح وتقويم ما يمكن أن يحصل في المرحلة السابقة، أي تحسين مستوى التلميذ ومعالجة كل نقص أو ضعف ترتب عن المرحلة الابتدائية الإعدادية.
2. تمكين الطالب من تطوير كفاءته وتنمية مهاراته اللغوية والعلمية ارتقاء بما سبق أن تعلمه في المرحلة السابقة.
3. إعداد التلميذ لمواجهة التعليم الجامعي العالي بالحد المطلوب من الإمكانات والملكات التي تمكنه من تعميق معارفه وتطويرها في الجامعة.
وبالنظر إلى هذه الوظائف يكون التعليم الثانوي حلقة جوهرية من حلقات التعليم، وأي ضعف فيها أو تقصير أو سوء تدبير سينعكس انعكاسا سلبيا ـ كما هو واقع الحال اليوم ـ على التعليم الجامعي وبالتالي على تكوين الأطر المتوسطة والعليا في البلاد. وهذا يعني أن أي خلل في هذه المرحلة يؤثر سلبا في مستقبل النمو الاقتصادي والعلمي للبلاد.
وإذا كانت العناية بالمرحلة الثانوية بصورة عامة مسألة أكيدة، فإن العناية باللغة العربية فيها آكد. ففي هذه المرحلة يدخل الطفل مرحلة عمرية حرجة إما أن يتقن فيها اللغة إتقانا جيدا يمكن البناء عليه، وإما أن يكتسب عادات سيئة ويسقط في ردغة الضعف والخطأ فلا يخرج منها بقية حياته إلا بجهد ومعاناة وصبر.
ولاشك أن تطوير اللغة العربية في هذه المرحلة من الضروريات الحضارية التي يفرضها الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية والرفع من المستوى العلمي والتعليمي للمواطن. فقد أكد الميثاق الوطني للتربية والتكوين بالمغرب مثلا على أن "اللغة العربية، بمقتضى دستور المملكة، هي اللغة الرسمية للبلاد... وأن تعزيزها واستعمالها في مختلف مجالات العلم والحياة كان ولا يزال وسيبقى طموحا وطنيا "(المادة 110)، كما قرر أيضا أن "يتم تجديد تعليم اللغة العربية وتقويته، مع جعله إلزاميا لكل الأطفال المغاربة، في كل المؤسسات التربوية العاملة بالمغرب." (المادة 111).
كما أن تطوير اللغة العربية تستدعيه ضرورات معرفية استراتيجية تتمثل في مواجهة السيل المعرفي الجارف الذي تقذفنا به الأمم الأخرى بلغاتها. فإذا لم نطور لغتنا لاستيعاب هذا السيل المعرفي وتجاوزه بلغة عربية قويمة وقوية، فإننا سنتحطم وننهزم.
وبين أن عملية تطوير اللغة العربية في المرحلة الثانوية تتطلب رصدا للظواهر السلبية وسبرا لأسباب الضعف وتحديدا للأهداف المرجوة. وحيث إن الضعف كما أشرنا سابقا ضعف يكاد يكون عاما يمس قدرة التلاميذ على الأداء اللغوي السليم نطقا وكتابة وفهما، فإن أسباب ذلك عديدة ذكر بعضها الدارسون ومنها الحصص الدراسية المخصصة للغة العربية، وعدم العناية بالمستوى اللغوي القويم في الدروس التي تقدم باللغة العربية في مواد علمية مختلفة، وظاهرة الازدواج اللغوي بين العامية والفصيحة، وبين العربية واللغات الأخرى، حيث يكاد التعامل بالعربية الفصيحة يكون حبيس جدران القسم الدراسي، مما يتيح للعامية وللغات الأخرى السيطرة على ذهن التلميذ ولسانه خارج القسم في البيت والشارع والساحة، كما أشار بعض الدارسين أيضا إلى ضعف المدرسين وعدم امتلاكهم هم أنفسهم لناصية اللغة، وعدم ملاءمة الكتاب المدرسي من الناحية التربوية، وغير ذلك من الأسباب والعلل([3]) .
ولمواجهة هذا الضعف وتلك العلل ينبغي تحديد الأهداف العامة المرجوة من تطوير تعليم اللغة العربية بالمرحلة الثانوية، ويمكن جردها كالآتي :
1. دعم الملكة اللغوية للتلميذ وقدرته على فهم اللغة واستعمالها لفظا وبناء وأسلوبا.
2. تفتيح القدرة الإبداعية للتلميذ بربطه بالنماذج ذات القيمة الفنية العالية في اللغة العربية.
3. تطوير القدرة التواصلية للتلميذ بتمكينه من أسباب الاستعمال السليم للغة في مواقف تخاطبية مختلفة، وإقداره على الإنشاء اللغوي السليم والتعبير الأدبي القويم.
4. شحذ قدرة الفهم عند التلميذ باقداره على إدراك المعاني والأفكار وتحديدها والتصرف فيها وتلخيصها وإعادة إنتاجها.
ولتحقيق هذه الأهداف العامة ينبغي تبني أساليب ووسائل تربوية وتعليمية ملائمة وناجعة. وغير خفي أن هذه المهمة من مهام التربويين المختصين من جهة، واللغويين وأخص منهم المشتغلين باللغويات التطبيقية وهم المعنيون بتدريس اللغات وأساليبها وتقويمها. وقد نعرض فيما سيتلو من حديث، صراحة أو كناية، إلى بعض هذه الوسائل عند تقويمنا لعيوب تدريس اللغة العربية في المرحلة الثانوية.
I. عيوب الدرس اللغوي بالمرحلة الثانوية (نموذج المغرب) :

سنتناول هذه العيوب التي تبدت لنا من خلال الإطلاع على المقررات الدراسية لهذه المرحلة، ومن خلال ما لاحظناه على الطلبة الذين درسناهم في الجامعة وهم منتوج المرحلة الثانوية. يمكننا أن نقسم هذه العيوب إلى عيوب تتصل بالكتاب المدرسي وعيوب تتعلق بطريقة التدريس.
1 . عيوب الكتاب المدرسي :
يتضمن الكتاب المدرسي المقرر في المرحلة الثانوية بسنواتها الثلاث عيوبا عديدة تتعلق بجانب تدريس العربية ويمكن تقسيمها إلى نوعين من العيوب، عيوب في عملية عرض المادة اللغوية، وعيوب في عملية بناء المادة اللغوية.
1.1. عيوب عرض المادة اللغوية :
يمكن أن نرصد في هذا الجانب ثلاثة عيوب أساسية :
1.1.1. الانشغال بالتنظير اللساني :
يبدو واضحا لمتصفح المقررات الدراسية للمرحلة الثانوية وجود خلط واضح في أذهان واضعيها بين اللغة وعلم اللغة، فقد ركزوا على تعليم علم اللغة لا اللغة، وهما، كما هو معلوم، أمران مختلفان. وقد تبين ذلك في طغيان المعلومات النظرية خلال استعراض المادة اللغوية بهذه المقررات. وبذلك غاب الهدف الأساس من تعليم اللغة العربية في هذه المرحلة وهو تنمية المهارات اللغوية لدى التلميذ. فما يقدم للتلميذ هو مجموعة من المعطيات النظرية الصوتية والتركيبية والدلالية التي لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين مستواه في الأداء اللغوي، فغير خاف "أن الحديث عن بنية اللغة من حيث هي أصوات وأبنية المفردات وأنماط الجمل ومعاني المفردات يؤدي في أحسن الأحوال إلى معرفة علمية باللغة، ولكنه لا يؤدي بالضرورة إلى مهارات لغوية"([4]).
ومن هنا ينبغي الاستفادة من تمييز بعض علماء اللغة التطبيقيين بين النحو العلمي والنحو التربوي ومنطلق هذا التمييز، كما يقول د. محمود فهمي حجازي : "أن النقل المباشر لنتائج البحث اللغوي أو لمناهجه إلى تعليم اللغات يعد من الأخطاء، وذلك لأن النحو العلمي يقوم على نظرية لغوية تنشد الدقة في الوصف اللغوي وتتخذ لتحقيق هذا الهدف أدق المناهج. النحو التربوي يركز على ما يحتاجه الدارس، يختار المادة المناسبة من مجموع ما يقدمه النحو العلمي، ويعدلها طبقا لأهداف التعلم وظروف العملية التعليمية. النحو التعليمي يقوم على أسس لغوية ونفسية وتربوية، وليس مجرد تلخيص للنحو العلمي"([5]).
وبعبارة أخرى فإن "النحو العلمي يحصر أنماط الجمل النحوية في لغة ما ويقدم لها وصفا وتفسيرا، والنحو التربوي يحاول أن يطور كفاءة المتكلم في فهم الجمل وإنتاجها"(6).
وبناء على هذا الأمر فإن تعليم اللغة في هذه المرحلة ينبغي أن يركز على المهارات اللغوية لدى التلميذ وخصوصا مهارات الفهم والحديث والقراءة والكتابة بصورة ملائمة تبتعد عن التنظير، بحيث يستطيع التلميذ أن يمارس اللغة العربية بيسر وسهولة. ولا يتلقى المعلومات النظرية إلا في مرحلة لاحقة في الجامعة لكي يتمكن أن يربط بين المهارة العملية والاستعمالية التي اكتسبها في المرحلة الثانوية وبين الصيغ النظرية والنحوية التي يتلقاها في التعليم العالي.
2.1.1. الوقوع في التهجين النظري :
يترتب على العيب السابق أي الانشغال بالتنظير عيب آخر أملاه واقع الدرس اللغوي العربي الحديث. فالدرس اللغوي الحديث يتصف بتلونه وتنوعه. فبعضه تقليدي يستعيد التراث اللغوي والنحوي القديم، وبعضه تحديثي يستعير نماذج اللغويات الأجنبية المختلفة. وهذه النماذج متباينة في أسسها وطرائقها وصيغها.
وقد انطبع هذا كله على المقررات الدراسية بالمرحلة الثانوية إذ نجد عرضا للمادة اللغوية يتوسل بالنحو التقليدي وبالنظريات اللغوية الحديثة بطريقة هجينة تخلط القديم بالحديث خلطا، وتجمع ضروبا من النظريات اللغوية الحديثة أبرزها النماذج البنيوية والتوليدية والوظيفية. ولاشك أن هذا الخلط والجمع يؤدي إلى بلبلة ذهن التلميذ وتشويش قدرته الاستيعابية. وهذا كله ناتج عن بحث واضعي هذه المقررات عن تحديث مزيف دون مراعاة للأسس التربوية والنفسية الضرورية لتعليم اللغة العربية. ويزداد الأمر خطورة عندما يسئ واضع هذه المقررات فهم بعض النظريات الحديثة ويسئ تطبيقها على المادة اللغوية القديمة، كما هو الأمر في تناول المقرر للبلاغة والأسلوب. أضف إلى ذلك أن هذا التهجين يكاد يكون اعتباطيا لا أساس له في بعض الأحيان، إذ يبدو أن المكلفين بإعداد هذه المقررات كانوا متعددين، فكان كل واحد منهم يكتب في الموضوع الذي كلف به انطلاقا من انتمائه إلى مدرسة لغوية أو مذهب لساني، وعندما لا يجد لهذه المدارس أو المذاهب رأيا في موضوع من الموضوعات فإنه حينئذ يرجع إلى المراجع التقليدية لينقل منها.
1.1.3. القصد إلى التعقيد العباري :
يترتب عن العيبين السابقين عيب ثالث لا يقل عنهما خطورة وهو التعقيد، إذ تقصف عقول التلاميذ بوابل من المصطلحات والمفاهيم اللسانية التي لم يسمعوا بها من قبل والمجتزأة من أنساق نظرية بالغة التعقيد لا تتناسب مع مستواهم، مما يقلل إمكانيات فهمهم ويعطل بالتالي قدرتهم الإنتاجية. فمثلا هذه القاعدة : "النزع يؤدي إلى تقليص عدد الحدود ـ الموضوعات للعامل، والترقية تؤدي إلى توسيعها.([7]) " واستعمال المحمولات الفعلية بدلا عن الفعل الذي يفهمه التلميذ([8]). أو قول الكتاب "إنك ترى أن العامل اللفظي أي المحمول "حزن" في الجملة (أ) لازم أكتفي بحد ـ موضوع واحد هو "بغداد" الذي يقوم بالوظيفة الدلالية "منفذ" والوظيفة التركيبية "فاعل". وإذا قارنت بين الجملة الأصلية(أ) والجملة المشتقة منها (ب) فإنك تلاحظ أن بنية المحمول "حزن" قد تغيرت من وزن "فعل" إلى وزن "أفعل"... وهذه الزيادة تفيد "الجعل"([9])." أو قوله عند حديثه عن المبني للمجهول : "لقد اعتدنا القول إن الجملتين 4 (ب) و5 (ب) مبنيتان للمجهول، وإن هذا البناء استلزم نزع الموضوع المنفذ والفاعل(...) كما لاحظت أنه بعد نزع الموضوعين "المحب" و"الكلام قد تمت ترقية الموضوعين "النظر" و"الكلام" إلى مكانيهما وأسندت إليهما معا الوظيفة التركيبية: نائب الفاعل، إلا أنهما حافظا على وظيفتيهما الدلاليتين..."([10]).
وقس على هذا مجموعة من الاصطلاحات مثل الانزياح والاستلزام الحواري والقوة الإنجازية والخرق المستمدة من اللسانيات التداولية والأسلوبية والتي تفزع آذان التلاميذ وأذهانهم بدون موجب تربوي مقبول إلا زعم التحديث المزيف لأن تدريس هذه الأمور ينبغي أن يؤجل إلى المرحلة الجامعية.
ولا يحسبن واضعو هذه المقررات أنهم أحسنوا صنعا بفعلتهم هذه، وأنهم يهيئون التلميذ للجامعة ويرفعون مستوى الدرس اللغوي كما قد يتوهمون. بل بالعكس فهم يعوقون فهم التلميذ، ويفشلون العملية التربوية ويعقدون مهمة زميلهم في الجامعة.
2 . عيوب بناء المادة اللغوية :
ويمكن أن نرصد في هذا الشأن، أيضا ثلاثة عيوب :
1.2 إغفال شرط التناسب :
يلاحظ قارئ المقررات اللغوية للسنوات الثلاث المكونة للمرحلة الثانوية غياب تناسب مكونات الدرس اللغوي التي نريد تطوير مهارات وكفاءة التلميذ فيها. إذ يلاحظ مثلا في السنة الأولى تخصيص قسم من الوحدة الأولى لما سموه بالظواهر الصوتية، تلته في الوحدة الثانية ظواهر إيقاعية تتعلق بالعروض، ثم في الوحدة الثالثة ظواهر صرفية ثم ظواهر تركيبية ختمت بمدخل لدراسة البلاغة أو ما سموه ظواهر أسلوبية تستكمل في الوحدة الخامسة بدراسة علم البيان والمعاني والبديع.
أما في السنة الثانية فقد قسمت الوحدات بين الظواهر الإيقاعية العروضية والظواهر الأسلوبية والبلاغية، وغاب التركيب أو النحو غيابا كاملا.
وفي السنة الثالثة عادت الظواهر الصوتية والإيقاعية والأسلوبية وخصص قسم من الوحدة الرابعة للظواهر التركيبية حيث قيل كلام عن الجملة البسيطة والمركبة لن يعي منه التلميذ شيئا نافعا، وختمت بما سموه ظواهر أسلوبية وتداولية تناولت مفهومي الاتساق والانسجام.
ولست بصدد مناقشة الأسس النظرية لما أورده كُتَّاب هذه المقررات، ولا بصدد نقد أوهامهم في كثير من المواضع ولاسيما في مجال الأسلوب والبلاغة والتداول، وإنما يكفي أن أشير هنا إلا أن التناسب بين المكونات اللغوية مفقود تماما فالموضوعات اختيرت اعتباطيا وحجم تناولها في الكتاب اعتباطي أيضا.
2.2. إغفال شرط التدرج :
مما لا يخفى أن التدرج آلية تربوية معلومة، إذ يراعى فيها مستوى فهم المتعلمين وقدراتهم وسنهم وظروف نفسية أخرى كثيرة، ولابد أن تكون المقررات الدراسية ملائمة لمستواهم وإلا فسدت العملية كلها بتقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم. وتنمية مهارات التلميذ ترتبط بنوعية "المناهج المقررة وملاءمتها لمستويات الناشئين العقلية وتلبيتها لحاجاتهم العملية"([11]).
وبناء عليه فإن المقرر الدراسي ينبغي أن يكون بنيانا متسلسلا يتكامل صعودا نحو دعم الملكة اللغوية للتلاميذ، بحيث لا يمكن أن تخل بترتيب الكتب الدراسية دون أن تخل بمجمل العملية التربوية. وهذا الشرط يغيب في المقررات المدرسة في المرحلة الثانوية المغربية، إذ يمكنك أن تقدم وتؤخر كما تشاء لأنه لا توجد بنية أساسا يمكنها أن تتأثر بذلك. وقد لاحظ د. نهاد الموسى الملاحظة نفسها في الكتب المقررة بالأردن عندما قال " ولو أن معلما جعل كتاب الصف السادس في موضع كتاب الصف الخامس لما تأثر سير خطة التعليم بما يشعر أن قد عرض خلل أو اضطراب"([12]).
2. 3. إغفال شرط الكفاية :
بما أن اختيار الموضوعات اللغوية المدرسة بالثانوي كان اعتباطيا، فإن الكاتب المدرسي لم يتساءل عن كفاية هذه الموضوعات في تكوين تلميذ قادر على الفهم وعلى الكتابة باللغة العربية والإبداع فيها. كما لم يتساءل عن الرصيد اللغوي الذي يجب أن يحصله التلميذ في هذه المرحلة وكيفية تنميته. فقد سبق أن لاحظ د.عبد العلي الودغيري أن "الطفل المغربي الذي يتعلم العربية قد يجتاز مرحلة التعليم الابتدائي بكاملها ويخرج منها وهو جاهل بالأسماء العربية لأغلبية الزهور والنباتات المألوفة لديه، وكذلك أسماء أغلب الحيوانات والأدوات المنزلية وغيرها مما يتداول في مجالات الحياة العصرية الأخرى بل ربما تجاوز هذه المرحلة وهو عاجز عن تسمية سائر أعضاء جسمه بأسماء عربية فصيحة، بعضهم يلاحظ في هذا الصدد أن ما يحصل عليه متعلم العربية من المفاهيم العصرية أدنى كثيرا مما يحصل عليه مثيله من متعلمي اللغات الأجنبية كالفرنسية مثلا."([13]) وإذا كان التلميذ لم يحصّل رصيدا لغويا من المفردات فهو أيضا لم يحصّل رصيدا لغويا من الأساليب ولا امتلك القدرة على التعبير والإنشاء.
2.1. عيوب تتصل بطريقة التدريس:
مما لا شك فيه أن طريقة التدريس تتأثر بالملاحظات التي أبديناها سابقا عن عرض المادة وبنائها، وهكذا فإن عيوب عرض المادة تنشأ عنها مشكلتان في طريقة التدريس :
أ‌) غلبة الأسلوب التلقيني: فما دامت الدروس قد صيغت صياغة نظرية وهجنت فيها المذاهب والاتجاهات اللسانية وعقدت في صوغها العبارات والمفاهيم، فلن يكون أمام المدرس إلا التلقين ومطالبة التلاميذ بالاستظهار بفهم وبدون فهم.
ب‌) انكماش التطبيقات: لأنه عندما تعطى الأولوية للاستعراض النظري والتفاصح بالمصطلحات الحديثة ذات البريق، سوف تنصرف نفوس المدرسين عن التطبيقات وعن اعتماد تقنيات وأساليب تساعد التلميذ على امتلاك المهارات والملكات الضرورية سواء عن قصد أو غير قصد.
أما عيوب بناء المادة فتنشأ عنها مشكلتان في طريقة التدريس هما :
أ) عدم مسايرة مستوى التلميذ: فما دامت الكتب المقررة لا تتصف بالتناسب ولا بالتدرج ولا بالكفاية فإن طريقة تدريسها لن تراعي مستوى فهمه ولا حاجته الفعلية من الناحية اللغوية، ولن تمكن المدرس من تتبع المستوى الدراسي لتلاميذه رغب في ذلك أم لم يرغب.
ب) خنق القدرات الإبداعية لدى التلميذ : فما دامت الحاجات الفعلية للتلميذ من حيث القدرة على التعبير لم تراع، وحاجاته الجمالية من حيث القدرة على التخييل لم تستثر فسوف يعمل ذلك على كبت القدرة الإبداعية للتلميذ وخنقها رضي بذلك المدرس أو لم يرض.
II. آفاق الدرس اللغوي بالمرحلة الثانوية :

وبعد أن استعرضنا أنواع العيوب وأصنافها وآثارها في ما سبق، فلننصرف الآن إلى تسطير بعض الآفاق التي يمكن ارتيادها لتطوير تدريس اللغة العربية بالمرحلة الثانوية.
وأول ما ينبغي العناية به في ضوء ما سبق هو الكتاب المدرسي وإعداده بالصورة التي تحقق الهدف المنشود. فقد "تأكد اليوم أن يكون هذا العمل ثمرة تمازج اختصاصات بين المعلمين المهرة والباحثين المختصين وهم اللسانيون التطبيقيون، وكم يحسن أن يكونوا ممن اضطلعوا بمهمة التعليم. وهكذا يغدو اللساني التطبيقي مسهما في عملية تعليم اللغات كليا دون أن ينفرد بها لأنها حقل تعاوني يحكمه مبدأ تضافر الاختصاصات، ونجاحه رهن بتفهم كل الأطراف للمبادئ التي تتحرك العملية طبقها"([14]). وانطلاقا من ذلك فإن إعداد هذه المقررات ينبغي أن يراعي الأهداف المطلوبة، وأن يستند إلى دراسات ميدانية للحاجات العملية لتلاميذ هذه المرحلة وكذا العثرات اللغوية والمشاكل التعبيرية التي يعانون منها. ذلك أن "تحديد الهدف من المقرر اللغوي يؤدي إلى تحديد المحتوى المنشود من الجوانب الخاصة ببنية اللغة وبالمعجم، ويؤدي أيضا إلى تحديد المهارات اللغوية المنشودة، ويؤدي كذلك إلى تحــديد الـطريقة المناسبة لتنمية هذه المهارات"([15]).
وفي هذا السياق فإن التلاميذ في هذه المرحلة يشكون من ضعف الأداء الصوتي والشفوي السليم للغة مما يستدعي مزيد العناية بهذا الجانب، لأن اللغة كما هو معلوم "ظاهرة صوتية منطوقة مسموعة" في المقام الأول،" ومن ثم ينبغي في تعليم اللغة الاهتمام بالتحدث باللغة وتقديم مهارتي الاستماع والتحدث على مهارتي القراءة والكتابة"([16]).
أما الشكوى من ضعف التلاميذ في التركيب اللغوي فينبغي أن يعتمد في معالجتها "النحو التربوي" الذي أشرنا إليه سابقا، حيث يستنبط النحو من أمثلة واضحة متنوعة تراعى أيضا في قطع القراءة "أما النحو النظري فيؤجل إلى مرحلة متقدمة، بعد أن يكون الطالب قد أتقن الاستخدام الصحيح والمنشود، فيكون تدريس قواعد النحو مجرد تنظير لأنماط يستخدمها الدارس"([17]).
كما ينبغي أن لا تقدم المعارف اللغوية معزولة عن سياقاتها التخاطبية بل تدرس من خلال منهج تواصلي تفاعلي يمكن التلميذ من امتلاك المهارات الاستعمالية للغة في مواقف مختلفة، ذلك أننا ـ كما قال بيث كوردر : "لا نهتم فقط بتعليم الطالب إنتاج كلمات مترابطة نحويا بطريقة مقبولة، بل بتعليمه استخدام اللغة لغرض ما، ليتخاطب بها ويتلقى مخاطبة بها، أي تعليمه أداء أدوار بعينها"([18]).
ولاشك أن إقدار التلميذ على امتلاك المهارات اللغوية الشفوية والكتابية سوف يمكنه من تفتيق قدراته الإبداعية وتفتيح إمكاناته التخييلية خصوصا إذا تم دعم ذلك بقراءات من النصوص الأدبية الرفيعة. سواء كانت هذه القراءات من التراث الخالد أو من الإبداع الحديث فإن التلميذ قادرعلى ولوج عوالمها، فكما قال المستشرق (كاشيا) P.j. Cachia "إن الفصحى هي مفتاح تلك الكنوز الضخمة من الماضي العريق، ثباتها لا يوازيه ثبات أي لغة، وفي الحاضر يستطيع الناشئ العربي في المرحلة الثانوية من تعليمه أن يَعبُرَ بها، إن كان قادرا وطموحا وبجهد قليل إلى السجل الكامل للألف والثلاثمائة عام الماضية، ويكون هذا السجل في متناوله"([19]).
كما أنه لا ينبغي أن نغفل عن النظرة التكاملية لمختلف جوانب هذا الموضوع بحيث يتكامل المنهج الدراسي مع طريقة التدريس مع تأهيل المدرس للوصول إلى نتيجة تربوية مثلى، فكما قال أحد الباحثين : "لا يؤدي تعليم اللغة نتائجه ما لم يحصل مواءمة بين المعلم والمنهج والكتاب والطريقة ودوافع الدارس للتعليم بحيث يستطيع أن يفهم المسموع ويفهم المقروء ويستطيع التعبير عن نفسه بكلام عربي سليم"([20]).
ولا يمكن لكل هذه الأمور أن تبلغ مداها وأن تؤتي أكلها إذا لم تتضافر جهود الجميع في المدرسة وفي البيت وفي وسائل الإعلام لدعم المستوى اللغوي للطالب وتمكينه من ممارسة مهاراته اللغوية وشحذها وتطويرها بما يعود بالنفع على التكوين العلمي والنماء الاقتصادي للبلاد. ولا شك أن مراجعة لمناهج تدريس اللغة العربية وبرامجها قد أصبحت ملحة في مختلف مراحل التعليم من الابتدائي إلى الجامعي. وفي هذا السبيل يجب أن تتكاثف جهود الجميع إذا أردنا أن نعيد إلى العربية سابق مجدها وأن نحفظ أجيال الأمة من الضياع اللغوي.
_______________
(*) كلية الآداب ـ مراكش.
(1) شكري فيصل : تحسين وسائل خدمة اللغة العربية في الوطن العربي، في : اللغة العربية والوعي القومي، ط 2، بيروت، 1986، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 402.
(2) نهاد الموسى : مقدمة في علم تعليم العربية، في: أشغال ندوة اللسانيات في خدمة اللغة العربية، نشر: الجامعة التونسية، سلسلة اللسانيات، عدد 5، سنة 1983، ص 152.
(3) أنظر: أحمد محمد المعتوق: الحصيلة اللغوية: سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت، عدد 212، سنة 1996، والفاسي الفهري : اكتساب اللغة العربية والتعليم اللغوي المتعدد، في مجلة : أبحاث لسانية، مجلد 4، عدد2-1 دجنبر1999 معهد الدراسات والأبحاث للتعريب الرباط ـ ص28 فما بعدها، ورضا السويسي: من المنطلقات اللسانية واللسانية النفسية في طرق تدريس العربية لأبنائها على مستوى الثانوي. في : اشغال ندوة اللسانيات، ص 180. والمصطفى بوشوك: تقويم الجانب اللغوي خلال تدريس مواد العربية بالتعليم الثانوي، في: مجلة الدراسات النفسية والتربوية، عدد 3-1983، ص 53 فما بعدها.
(4) محمود فهمي حجازي : البحث اللغوي ـ مكتبة غريب ـ القاهرة، ص 127 وأنظر أيضا : رمضان عبد التواب : فصول في فقه العربية ـ مكتبة الخانجي، 1983، ص 420.
(5) نفسه، ص 143.
(6) نفسه، ص 145.
(7) اللغة العربية ـ السنة الأولى الثانوية (الشعبة الأدبية)، وزارة التربية الوطنية، ط 2000، ص 143.
(8) نفسه، ص 159.
(9) نفسه، ص 159 والمثالان هما : حزنت بغداد ـ أحزن الخليفة بغداد.
(10) نفسه، ص 179 ويتعلق الأمر بالأمثلة الآتية.
ـ أد من المحب النظر إلى المحبوب.
ـ أد من النظر إلى المحبوب.
ـ أعجبني كلام ابن حزم.
ـ أعجبت بكلام ابن حزم.
(11) أحمد المعتوق: الحصيلة اللغوية، ص 159.
(12) نهاد الموسي : مرجع سابق، ص 150.
(13) عبد العلي الودغيري: حول الرصيد اللغوي الأساسي، ضمن: قضايا استعمال اللغة العربية في المغرب، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1993، ص 172-173.
(14) عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية ـ الدار التونسية للنشر، 1986، ص 142.
(15) محمود فهمي حجازي: البحث اللغوي، ص 122.
(16) نفسه، ص 137.
(17) نفسه، ص 138.
(18) بيث كوردر: مدخل إلى اللغويات التطبيقية (الفصل2) ترجمة : جمال صبري، في : مجلة : اللسان العربي، مجلد 16، ج 1، سنة 1978، ص 207.
(19) نقلا عن : المعتوق : الحصيلة اللغوية، ص 170.
(20) أحمد حقي الحلي: اللغة العربية وطرائق تدريسها، ضمن: اللغة العربية والوعي القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 371.

المهاجره
02-16-2011, 12:56 AM
اللغة العربية
في مؤسسات التعليم العام والعالي والأعلى
(*)أ. د. عز الدين إبراهيم

تستهدف هذه الورقة دراسة موضوع اللغة العربية، وبيان مكانتها، وتحديد دورها، في مؤسسات التعليم بمستوياتها الثلاثة: العام (ابتداءً من الروض إلى المدرسة الثانوية)، والعالي (في الجامعات والمعاهد العليا)، والأعلى (في الدراسات العليا، والبحث العلمي).
والمقصود ببيان مكانتها ودورها ثلاثة أمور: أولها أن تُدرّس اللغة العربية باعتبارها مادةً إجباريةً. وأن يكون تدريسها جاداً وشاملاً على إكساب الطلاب مهارات السماع، والحديث، والكتابة، والقراءة، وإتقان قواعد اللغة: نحواً، وصرفاً، وبلاغةً، وتعبيراً، ومدارسة أدبها: شعراً، ونثراً، وفنوناً إبداعيةً. وثانيها: أن تكون هذه اللغة هي لغة التدريس في جميع المواد: الإنسانية منها والعلمية والثقافية، والمهنية، وثالثها: أن تكون اللغة العربية هي لغة التفاهم، والتعامل، والإدارة، والتوجيه التربوي، والنشاطات الطلابية، والصبغة اللغوية الرسمية لمؤسسات التعليم.
ولا نحتاج أن نؤكد أن هذه العناية الشاملة المطلوبة للغة العربية، لا تنفي بأي حال من الأحوال، تدريس اللغات الأجنبية، باعتبارها لغات ثانية، أو استخدام هذه اللغات في تدريس بعض المواد جزئياً أو كلياً حسب الحاجات التعليمية التي تُقدّر بقدرها. ذلك أن التفريط في تعلم اللغات الأجنبية هو إهدار لضرورة معرفية محققة، والعدول عن استخدام هذه اللغات في التعليم سواء أكانت قديمةً (كاللاتينية) أم حديثةً (كالإنجليزية والفرنسية)، يؤدي إلى تقديم بعض المواد الدراسية بصورة مبتورة، ويحرم الطالب من الرجوع إلى المراجع المؤلفة بهذه اللغات، ويضعف قدرة الباحث عن الحقيقة والمعرفة، حيثما يجدها، غير مبال من أي وعاء خرجت.
ولعله من المفيد، بعد تحديد مجال هذه الدراسة، أن نستعيد بإجمال بعض المسلّمات التي توصل إليها علماء التربية وعلم النفس، والدين، والاجتماع، والتاريخ والحضارة والتي يلزم دوماً تذكرها والاسترشاد بها عند معالجة موضوع اللغة - أي لغة - في مجتمعها، وفي مؤسسات التعليم التي ينشئها المجتمع، ويعهد إليها برعاية اللغة :
أ) وأول هذه المسلمات هي أن اللغة وعاء الفكر، وأداة التفكير. ومع أن الفكر ينطلق فطرياً من العقل كما يقول "برْكلي"، فإن تسلسله وتحليلاته ومقرراته تتم باستعمال اللغة وألفاظها وتراكيبها ومنطقها وكأنما يحادث الإنسان نفسه وهو في حال التفكير، كما نبه كولردج وبياجيه وجمهور علماء النفس. وقد يلجأ الإنسان إلى أسلوب الرسم، أو استخدام الأرقام، أو تكوين الصور الذهنية، أو استحضار الأصوات، أو غير ذلك. ولكن ذلك كله من الوسائط اللغوية، التي تترابط وتتوالى بالألفاظ والتعبيرات اللغوية الصريحة. وعليه فإن التفكير واللغة مترابطان، وارتفاع الذكاء يؤدي إلى الرقي اللغوي، كما أن إتقان التعبير اللغوي يؤكد منطقية التفكير ويؤدي إلى تميزه.
وينبني على إقرار هذه المسلَّمة، أن يحرص المربون على الارتفاع بمستوى اللغة لدى الناشئين، وإغناء ثروتهم من الألفاظ والتراكيب والمصطلحات الأدبية والعلمية، والعلو باللغة عن المستوى العامي والدارج. وهذا أمر ملحوظ عندما يوازن بين تفكير المثقفين وتعبيراتهم وبين تفكير المحرومين من الثقافة والصقل اللغوي، ومقدرة كل من الفريقين على التوسع الفكري والعلمي والإبداعي(1).
ب) وثانيهما أن اللغة هي وسيلة التفاهم والتواصل الاجتماعي. وهي مسلمة لا تحتاج إلى استدلال. ولكن التواصل الاجتماعي يتقارب أو يتباعد من جهة وينجم عنه توحد المجتمع أو تميزه إلى طبقات من جهة أخرى، وفقاً لمستوى اللغة المستعلمة، وكونها فصيحةً أو عاميةً، ومرتفعةً أو هابطةً. فالعناية بإشاعة اللغة التي يفهمها كل الناس، والاجتهاد في الارتفاع بمستواها، وتقليل الفارق بين فصاحتها وعاميتها - يؤدي إلى إحكام التواصل الاجتماعي والترقي به([2]

المهاجره
02-16-2011, 01:01 AM
درس اللغة العربية في التعليم العالي
بين قيود الاتباع ومتطلبات الإبداع

نموذج اللغويات التراثية
(*)الدكتور مصطفى م. أبوحازم


إذا كان درس اللغة العربية في جامعات العالم العربي الإسلامي مطبوعا بالاتساع، وبالتفاوت والاختلاف؛ فإن ميسم الأزمات المتتابعة، والرغبة في تلافيها، واستبدال مناهج تعليمية بأخرى، والبحث الدؤوب من خلالها عن البديل النافع ـ كل ذلك ليعد في الظرف الراهن من المقاسم البارزة، والهواجس المشتركة التي يتفق فيها درس العربية بجامعاتنا.
ويسعى بحثنا إلى تناول هذا الدرس، باعتباره ـ كما نرى ـ عاملا حاسما في تكوين الأجيال، وفي تمثل معرفتها باللغة العربية وتقويمها، وباعتباره كذلك أحد المعايير الضرورية لقياس أهبة المجتمع لمواجهة مشكلاته اللغوية.
فماذا نقصد بدرس اللغة العربية في الجامعة؟([1]) وما هو الإشكال الذي نود إثارته حول هذا الدرس؟ ما أسئلته وملابساته؟.
ثم ما هي المعالجة التي نقترحها؟ ما أبعادها ونتائجها؟
المعنى المراد من درس اللغة العربية في الجامعة

تطلق عبارة "درس اللغة العربية" ويراد منها معان؛ تتردد بين الدلالة الموسعة والمعنى المخصوص بقيد الاستعمال.
فقد يطلق "درس اللغة العربية في الجامعة"، ويصرف معناه إلى كل ما يدخل في برامج الجامعة واهتماماتها العلمية؛ مما له علاقة باللغة العربية من حيث الوصف والدراسة، أو التكوين والتوظيف والتواصل، سواء تم ذلك باللسان العربي أو بلغات أجنبية، وسواء تعلق بفرع من العلوم الإنسانية، أو الطبيعية أو غيرها.
ويستعمل "درس اللغة العربية" في سياق آخر، يدنيه من المعنى العام للثقافة العربية، بناء على أن اللغة ـ أية لغة ـ هي مرآة تنعكس فيها، ولو بطريق غير مباشر([2])، أحوال مستعمليها وأوضاعهم الثقافية والحضارية، فيصير حينئذ درس اللغة العربية معناه: درس أحوال الثقافة والحضارة العربيتين. وفي هذا السياق، تنتعش شروط المقابلة بين اللغة العربية وثقافتها من جهة، واللغات الأجنبية على اختلاف ثقافاتها وتعددها الحضاري من جهة ثانية.
وقد يورد على درس اللغة العربية في الجامعة معنى ثالث، كرسته في بعض الأقطار ـ كالمغرب مثلا ـ أقسام (أو شعب) اللغة العربية وآدابها. ووفق هذا المعنى، فإن جهود التدريس تنصب على اللغة العربية وآدابها في كل الأزمنة والأمكنة، من العصر الجاهلي وما يليه إلى آخر ما تكشف عنه قرائح العرب المبدعين، من الأدباء واللغويين.
أما "درس اللغة العربية" المتوخى في هذه المساهمة؛ فمعناه أخص وأبسط، واستعماله أدخل في الممارسة التعليمية من المعاني التي أسلفنا. إذ ينحصر مقصودنا به في مواد التدريس الرئيسية التي تعتمد في جامعتنا، لوصف اللغة العربية، وتفسير نظامها، وضبط أصولها، وتعليمها من حيث هي لغة معرفة وتواصل.
إشكال البحث

وقد صار هذا الدرس مثار أسئلة مقلقة، وإشكالات عديدة تداخل وضع العربية في الجامعة وتتحداه. وقد اخترنا من تلك الإشكالات إشكالا واحدا، نود أن ينطلق فيه النقاش والحوار.
منطلق هذا الإشكال هو ما يستبان بالملاحظة العابرة من أن درس اللغة العربية في الجامعة مداره على محورين بارزين: محور قديم، ومحور حديث.
وكان الأصل أن يبدو هذا التوزيع عاديا مستساغا، لولا ما سجلنا من أن القديم والحديث في هذا الدرس، هما معا، مستقطبان في مدار آخر منغلق، يلتقيان فيه، ويتقلبان في إساره. ونقصد به ظاهرة التقليد([3]) والإتباع.
بيان ذلك، أن محور القديم في درس اللغة العربية، ليس اتصافه بالقدم من قبل أن طابعه العلمي العام مرتكز على مقومات المعرفة التراثية؛ يستلهمها، ويبني في ضوئها معرفة لغوية حالية. بل وجه قدامته، أن مهمته الرئيسية في التدريس تقوم على تلقين أشتات من مسائل لغوية، ينتقيها ويجترها اجترارا، وهي قد مضى على إنتاجها زمن طويل حتى عدت قديمة. فصفة القدم في هذا الدرس زمنية أكثر منها معرفية.
وكذلك نعت الحداثة فيه، لا يفيد بالضرورة أنه يستحدث معلومات ونظريات،
أو يبتكر وسائل معرفية جديدة لمواجهة معضلاتنا اللغوية. فإن الباحث حين يتصل بتلك النظريات والمعلومات في أعمال مبدعيها الأصليين، يجد أن أصولها أرسخ، ومعلوماتها أسلس وأعمق، فلا يلبث أن يتبين، بعد ذلك، أن الحداثة في درسنا اللغوي الحديث([4]) قوامها التقليد واستهلاك بضائع الآخرين؛ مما يسنح القول بأن الحداثة كالقدامة في هذا الدرس، هي زمنية أكثر منها معرفية، فضلا عن أن الحداثة غالبا ما توظف اللغة العربية في أسئلة غير أسئلتها الصميمية، وتدفع بأوضاعنا الثقافية الخاصة في سياق ثقافي مختلف؛ مظهره الخارجي إبداع، وحقيقته احتذاء واتباع.
هذا هو الإشكال العام الذي يطرحه هذا البحث. وهو ـ كما رأينا ـ ينصب على محورين في درسنا اللغوي: محور قديم وآخرحديث. وقد جعلنا محور القديم نموذجا لدراسة هذا الإشكال وبيان مظاهره وتلوناته.
وقد رأينا أن المواد اللغوية الرئيسية هي أساس هذا الدرس، فاستلزم ذلك أن ننظر في ما يعتور تصنيفها وترتيبها من مظاهر هذا التقليد.
المواد اللغوية الرئيسية

يقترن بعبارة "المواد الرئيسية المعتمدة في التدريس" استنتاجان:
الأول : أن شبكة المواد الرئيسية، وهي نواة مشتركة، تسعف بملامح التصور السائد في جامعتنا عن المعرفة اللغوية: ميادينها وفروعها، ودرجة نموها، والأغراض المرجوة من تدريسها.
والثاني : أن تلك المواد الرئيسية قد توعز، من الناحية المنهجية، بأن إجراءات تصنيفية، ظاهرة أو مضمرة، قد استجريت على المدركات اللغوية، فنظمت مكوناتها نوعا من التنظيم، ورسمت الحقول التي تشتق منها تلك المواد، وفقا لمقتضيات التصنيف المتبع.
ومهما تكن التوزيعات التي يتمخض عنها التصنيف، فإن ما أسميناه "المواد الرئيسية" يظل المحور الأقوى والأكثر دلالة على ماهية درس اللغة العربية.
ومع ذلك، يصعب أن نضع تحديدا نهائيا يحصر لائحة المواد اللغوية الرئيسية في درس اللغة العربية بالجامعة. لذا، فإن كل تحديد مقترح في هذا الصدد، يكون حكمه أغلبيا لا كليا.
ويبدو أن برنامج هذا الدرس يغلب عليه التوزيع الآتي:
المواد الرئيسية في اللغويات التراثية هي: النحو، والصرف، والبلاغة وفقه اللغة.
المواد الرئيسية في اللغويات الحديثة هي: التركيب، والصوت، والدلالة، والتداولية.
ودون دخول في التفصيلات، نذكر بأن عددا وافرا من مواد لغوية أخرى يدرس بموازاة هذه المواد، بل إن بعضها يحل أحيانا محل بعض، أو يتبادلان المواقع والأدوار حسب المناسبات، أو الظروف الخاصة بكل شعبة، وهو ما يؤكد نسبية تحديدنا المقترح.
التقليد وثنائية معيار التصنيف

يقتضي التصنيف الذي أفرز المواد الرئيسية في درس اللغة العربية أنواعا من السؤال، نحو:
ما أسس هذا التصنيف ونسقه؟ وما مرجعيته؟ أهو تصنيف اتفاقي انبنى على شهرة مستفيضة؟ أم هو وليد دراسات نقدية في ميدان المناهج والبرامج وتقويمها؟
أهو تصنيف حديث؟ أم أن شطره الأول قديم لأنه يدرس لغويات قديمة، وشطره الثاني حديث لأن موضوعه اللغويات الحديثة؟ إلى غير ذلك من أسئلة تنهال على تصنيف المواد الممثلة لدرس اللغة العربية في جامعاتنا.
ومن الواضح أن هذا التصنيف انبنى على معيار ثنائي، تم بواسطته توزيع مواد التدريس على محورين: قديم وحديث.
وقد كان لروح التقليد أثر في اعتماد هذا المعيار وأسلوب اشتغاله. ذلك أن المظهر الخارجي في برنامج درس اللغة العربية يوشي بأن مواده الرئيسية ذات وظائف متكاملة. إذ تجمع بين المعارف اللغوية القديمة والمعارف اللغوية الحديثة، وتمد الطالب بمعلومات متنوعة، كما تتيح له تكوينا متوازنا، يوفق بين لغويات التراث واللغويات المعاصرة.
وهذا الهدف الموصوف إنه حكم الظاهر، وربما ساندته ظروف مر بها تعليمنا. أما واقع التكوين الذي يكاشفنا به درس اللغة العربية يوما بعد يوم، فإن حصيلته النهائية لاتناسب توقعات ذلك الوصف الزاخر بالآمال. إذ أخفقت ثنائية التصنيف في بلوغ الهدف المنشود. بل لعلها تكون ـ على خلاف المراد بها ـ قد باعدت بين لغويات التراث ولغويات العصر، بدل التقريب بينهما. وعساها أن تكون كذلك من بين العوامل المنهجية التي جعلت درس اللغة العربية مضطرب الملامح؛ لاهو بالقديم المتين ولا بالجديد الفعال.
ونشير إلى أن هذه الثنائية المنتقدة ليست في ذاتها محل عطب، وإنما داخلها القصور من غائلة التقليد الذي تحكم فيها، وعطل وظيفتها في التصنيف المعرفي، حتى نقلها إلى ما يشبه إلف العادة. وهو تقليد مضاعف، أخذ بطرفي الثنائية؛ لأن تصنيف المواد في هذا الدرس قد حاكى مرة معايير تصنيفية قديمة اتبعها في محور القديم، وحاكى في ذات الوقت معايير تصنيفية مغايرة، تطلبها محور اللغويات الحديثة.
وعناية بحثنا موجهة إلى تصنيف المواد القديمة وحدها، أي إلى المواد التي انحدرت إلى تعليمنا المعاصرمن أنظمة التدريس التراثية. فمن نفل القول إن لعلماء الإسلام في هذا المضمار إسهامات واسعة، وإنهم قد وضعوا أنظمة ومعايير للمواد والتدريس خلقت في بيئاتهم وأزمنتهم نماذج علمية لم تزل باهرة.
وإذ نسمي اليوم تلك التصنيفات([5]) والمواد قديمة، فتسميتها باعتبار الزمن الذي نشأت ومورست فيه. أما حين تمارس في درسنا اللغوي بالجامعة، فليست تبقى على حالها، ولاعلى نفس دلالتها ومحتواها. لذا تصير بالضرورة غير متلائمة ولا ناجعة. بل إن التصنيفات والمواد العتيقة هي ذاتها أنماط من التصنيف وطرق مختلفة في التدريس، ولم تكن بين القدامى موحدة ولا ثابتة. فهي تختلف من عصر إلى عصر، ومن عالم إلى آخر، وتتفاوت بتفاوت البيئات، وتطور المعارف والحاجات. ومن ثم فإن ابتغاء تقليدها في درس اللغة العربية لايتأتى على الحقيقة. وإذا أمكن وحصل، فبإفراغ اللغويات التراثية من المحتوى والجوهر، مع الاكتفاء منها بالأشكال والتعلق بالأهداب.
وإن التقليد بهذا المعنى هو الطابع الغالب على درسنا اللغوي القديم في الجامعة؛ لايخالف إلا في استثناءات لأساتذة أجلاء.
وللكشف عن مكامن هذا التقليد، وبيان الوسائل والكيفيات التي يعوق بها درسنا في اللغويات القديمة، نقوم بعقد عدد من التقابلات بين مواد محور القديم في درس اللغة العربية ونفس المواد في اللغويات القديمة، ممثلين لها بتصنيف ابن خلدون لعلوم اللسان العربي. وسنولي هذا التصنيف أهمية خاصة، حتى يبدو كأنه يجسد اللغويات التراثية من حيث أصالتها، وتطورها التاريخي. ونستخدم هذا التصنيف لنقابل بواسطته مظاهر التقليد في درسنا ونستخرجها منه. وذلك بالقياس إلى المثال الاصلي الذي تحتذيه وهو اللغويات التراثية.
علوم اللسان العربي ومظاهر التقليد في درس اللغة العربية بالجامعة

عقد ابن خلدون في المقدمة فصلا في علوم اللسان العربي فقال: "أركانه أربعة، وهي: اللغة والنحو والبيان والأدب. ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة؛ إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة"([6]).
ننطلق من هذا النص إلى بيان القضايا الآتية:
قصور تصنيف المواد وغموض أهدافها

نقف في كلام ابن خلدون على مسألتين:
الأولى: بيان العلوم المتعلقة بمعرفة اللسان العربي. وعينها ابن خلدون في أربعة علوم أركان، هي: اللغة والنحو والبيان والأدب، وقد مضى بعد ذلك في شرحها واحدا واحدا، شرحا وافيا، ينتظمه خيط معرفي متماسك.
ويعنينا في هذا السياق الخاص أن نتساءل، عفو الخاطر، أسئلة هي أقرب إلى التقرير منها إلى الاستفهام:
هل يصح اليوم أن نحتذي في تدريس مواد علم اللغة نموذجا تراثيا مرموقا ـ كنموذج ابن خلدون ـ في ترتيب علوم اللسان؟ وإذا لم يصح ذلك، وهو غيرمتأت، فأي نموذج من نماذج التصنيف والترتيب ينبني عليه اليوم درسنا القديم في تلقين هذه المواد؟ أما إذا كان هذا الدرس مكتفيا بنفسه، غير مقتف نموذجا تصنيفيا بعينه، فحينئذ يكون السؤال: ماهو المنظور المعرفي والتعليمي الجديد المعتمد في توزيع مواد الدرس اللغوي القديم؟.
الواقع أن هذه الأسئلة شبه التقريرية لم نضعها بقصد الإجابة عنها. وقد أوردناها لأنها تعكس مفارقة منهجية ينطوي عليها ترتيب المواد الممثلة لمحور القديم في درس اللغة العربية بجامعتنا. وجه المفارقة أن مواد هذا المحور، بالرغم من أنها تستمد مقوماتها وتسمياتها من اللغويات التراثية، فإنه يعوزها أن تستنبط من أنساق تلك المعرفة التراثية نفسها ـ أو تختار من نماذجها التصنيفية ـ نموذجا تصنيفيا يلائم التوزيع الذي عليه وضعها في درس اللغة العربية.
وتؤكد هذه المفارقة أن هذا الدرس لايقوم في حقيقة الأمر على تصنيف متبع قديم، ولا على ترتيب مبتدع جديد. وهذا ما أسميناه آنفا بتقليد الأشكال والمظاهر.
أما المسألة الثانية في تقسيم ابن خلدون فموضوعها مقاصد علوم اللسان. وهو وإن لم يستعمل في هذا المحل([7]) عبارة المقصد أو قريبا منها، فإنه عبر بما يقتضي معناها. وهو أن هذه العلوم اللسانية تستعمل أداة لغيرها، وأنها من الوسائل الضرورية لمعرفة علم الشريعة. وهذا صريح في قول ابن خلدون: "لابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة"، وقوله: "ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة".
وعليه، فلما كانت معرفة الشريعة معلومة من النقل والعقل بالضرورة، فكذلك حكم ما يوصل إليها من العلوم يكون ضروريا، وقد انضوت تحت هذا علوم اللسان العربي؛ لمجيء القرآن والسنة بلسان العرب.
وهكذا نظر ابن خلدون إلى علوم اللسان عامة حين تطلب لها مقصدا عاما.
ولاشك أن معرفة الشريعة ستظل غاية كبرى تسمو إليها علوم العربية على الدوام، كما سمت قبل إليها عند علماء الإسلام.
غيرأن ابن خلدون يبين ـ إضافة إلى المقصد العام ـ أهدافا ميدانية نوعية تتصل مباشرة بالفن الواحد من علوم اللسان الاربعة، وهو قد تكلم عليها فنا فنا.
التقليد في أهداف التدريس

وغرضنا الآن متجه إلى مضمون تلك الأهداف الخاصة كما هي في تصنيف ابن خلدون، نستحضر أهمها لنضع من خلاله أسئلة رأينا أن درسنا في اللغة العربية يساوره من طرحها توتر واضطراب، مع أنها أسئلة ملحة لايكاد درس يخلو منها، لتعلقها بأهداف التدريس. فموضوع أسئلتنا بمثابة استفسار عن الأهداف التي نؤملها من دراسات اللغويات القديمة بالجامعة: ماهي؟ وما أثر التقليد فيها؟ وما مدى استيعابها للأهداف التي اختطها القدماء، وهم المبدعون الأولون لعلوم اللسان؟ .
وسأعرض ذلك بما يقتضيه المقام من إيجاز، مقتصرا على فنين:
أولهما، علم النحو: تكون معرفة اللسان العربي، حسب ابن خلدون، صناعية وتكون ملكة. وقد كانت الملكة موجودة في العرب قبل مخالطتهم الأعاجم، فلما خالطوهم "تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمتعربين من العجم" ([8]). ولدرء التفكك عنها، والمحافظة عليها من الفساد رأسا، استنبط العلماء من مجاري كلام العرب قوانين تلك الملكة مطردة، "وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو". فهو "معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة".
ويؤكد ابن خلدون أن صناعة العربية ليست نفس ملكة اللسان العربي؛ "لأن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل". وربما تجد من كتب النحو القديمة ماهوـ ككتاب سيبويه ـ معين على تحصيل حظ من كلام العرب الفصحاء، فيستوفي المتفطن العاكف عليه تعلم هذه الملكة. أما كتب المتأخرين فجلها عار عن ذلك([9]).
هذا بإجمال واختصار مفهوم النحو وبيان وظيفته عند ابن خلدون. أما النحو القديم الذي يدرس في الجامعة فحري به أن يكون أشد حاجة من العصور القديمة إلى ضبط وظيفته وتحديد أهدافه تحديدا يتسم بالوضوح والواقعية. وقد نكون مطالبين بتحديد هذه الأهداف في ضوء الواقع المكلوم الذي آلت إليه نتائج تدريس النحو بجامعتنا. ونحن مطالبون أكثر من الأقدمين ببيان الطرق والوسائل والوثائق العلمية التي نعتمدها في تدريس مادة النحو حتى يتحقق بشأنها للمهتمين نصيب من الاتفاق المشترك، والفهم المتبادل، والتقويم المستمر.
إن جهودا علمية جبارة تبذل في تدريس النحو، لكن الضياع يخترمها؛ لأنها تظل سجينة الوسائل والخبرات الفردية دون أن تكتسب طابعا علميا شاملا أوإطارا مؤسسيا.
حول طرق التدريس المتبعة في درس اللغة العربية

ينبه ابن خلدون إلى تباين الطرق التي كان يتبعها القدامى في تدريس مادة النحو، فيقول: "وطرق التعليم فيها مختلفة؛ فطريقة المتقدمين مغايرة لطريقة المتأخرين؛ والكوفيون والبصريون والبغداديون والأندلسيون مختلفة طرقهم كـذلك"([10]).
ومؤدى كلام ابن خلدون أن الطرق التي نتبعها اليوم في تدريس النحو كان حقها أن تكون أشد تميزا واختلافا عن طرق القدامى، أي أكثر فعالية ونفعا. غير أن شواهد الواقع لاتزكي هذا الفرض.
وقد يعكس القدامى مستويات رئيسية من تنظيم المادة النحوية وطرق تدريسها بواسطة التأليف التعليمي. يقول ابن خلدون: "ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاجي كتبا مختصرة للمتعلمين يحذون فيها حذو الإمام في كتابه"([11]) وقال: "وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على المتعلمين. وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار، فاختصروا كثيرا من ذلك الطويل مع استيعابهم لجميع ما قيل". وختم هذا الوصف التاريخي بقوله: "وبالجملة فالتآليف في هذا الفن أكثر من أن تحصى أو يحاط بها، وطرق التعليم فيها مختلفة".
إن ملاحظات ابن خلدون المسجلة في هذه الناحية، تلتقي في الجوهر مع ملاحظات في نفس الموضوع لعدد من علماء الإسلام. وقد أثبتنا منها شذرات لنلفت النظر من خلالها إلى ما لمسنا في درسنا من عزوف عن الإنتاجية العلمية، ولنستفسر بمناسبتها عن وضع الركود السافر الذي تعانيه حركة التأليف التعليمي في مادة النحو القديم بجامعتنا. وإن الواجب ليحتم أن نقتحم جدار الصمت المضروب على هذه الناحية في درس اللغة العربية بالتعليم العالي، لنتعرف ما ملابساتها وأسبابها؟ وما عواقبها؟ وما طبيعة الوثائق العلمية التي يتداولها طلبتنا في مادة النحو القديم؟ وكيف السبيل إلى تقويمها، وقياس قدرتها على الإفادة والعطاء.
ولئن كاد التأليف الأكاديمي والتعليمي ليغيب عن درس النحو بالجامعة، فناهيك عن غيره من الوسائل المتاحة، والتقنيات التعليمية الجديدة.
ويبدو أن الواقع الذي عليه درس النحو القديم يسمح باستنتاجين:
الأول: أن درس النحو بالجامعة هو في مجمله تقليد للدرس النحوي القديم، إلا أنه يقع في أدنى مراتب التقليد؛ لأنه يكتفي من اللغويات التراثية بالمظهر دون المخبر، فاصلا بينها وبين مضامينها، ومباعدا بين وسائلها وغاياتها. من ثم يتعين إفراغ الجهد لتمكين النحو بالجامعة من تعميق معرفته باللغويات التراثية، والتأهب لربطها بالنظم المعرفية في عصرنا، والمشاكل القائمة في بيئتنا اللغوية والحضارية.
والثاني: أن درس اللغة العربية يترقبه ضرب من الاختبار والتحدي، يتمثل في ابتكار الأسلوب الذي يضمن به استفادة حقيقية من لغويات العصر الحديث، وتقنياته الجديدة.
أما الفن اللغوي الثاني الذي نطرح بشأنه أسئلة على درسنا في اللغة العربية، فهو الذي سماه ابن خلدون بعلم الأدب، وقال عنه: "هذا العلم لاموضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه ثمرته، وهي الإجادة في المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الملكة: من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة ومسائل في اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة، يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية؛ مع ذكر بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها"، إلى أن قال: "والمقصود من ذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم، ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه؛ لأنه لاتحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه"([12]) .
ننتقي من هذا النص مسألتين تواجهان درس اللغة العربية بجامعتنا:
الأولى: ذات طابع هيكلي تنظيمي، هو ازدواج اللغة والأدب في قسم دراسي واحد، يسمى شعبة اللغة العربية وآدابها.
والثانية: ذات إشكال نظري تحصيلي. وموضوعها الملكة اللغوية.
إن هاتين المسألتين قد استغرقتا زمنا من اهتمام الباحثين. وفي هذا المقام، سنشير بإيجاز إلى الجانب الذي يعني منهما موضوع هذا البحث وهو وقوع درس اللغة العربية بجامعتنا في قبضة التقليد مع محاولته الفكاك منها.
وجه التقليد في عدم استقلال اللغة العربية بشعبة دراسية
وجه التقليد في هذه المسألة ما يلاحظه الباحث في مناهج درسنا اللغوي القديم من تحول مجموع مواده ـ لغة وأدبا ـ إلى ما يشبه علم الأدب، في مفهومه القديم. فإذا كان هذا المفهوم المستند إلى عدة حقول قد أسس في التراث على مبدإ قوامه الأخذ من كل علم بطرف، فكذلك واقع الحال بالنسبة لدرسنا في القديم؛ يسلك في مراحل منه نفس المسلك، ويقوم على نفس المبدإ، فتجد جماعة آخذا بطرف من علوم اللسان العربي، وطرف من فنون الأدب القديم.
والفارق بيننا وبين القدامى في تنفيذ هذا المبدإ أمور؛ من أهمها أن ما أسموه علم الأدب هو في منظورهم واضح الوضع والتركيب والمقصد؛ فهم قد عينوا اسمه وأصناف مواده، وحددوا مصادره ومحتواه، وطرق تدريسه، كما أعربوا عن الفائدة الحاصلة من تعاطيه.
وبخلاف هذه الأوصاف، يتسم اشتغال هذا العلم في درسنا بالتخفي والالتباس، وغموض الغرض والهدف، مع التظاهر بالصلاحية لكل سياق. وهي صفات تبدد بكل تأكيد جهود المدرسين في التكوين.
ومع هذا، فلست أزعم أن منهج درس اللغة العربية يستلهم في مراحله الجامعية الأولى مفهوم علم الأدب كما هو عند القدامى، فربما يكون هذا الاستلهام مطلوبا. ولكن أرى أن لهذا المفهوم الشاسع نفوذا يوجه به درسنا، ويوحي إليه من وراء حجاب كثيف؛ هو حجاب التقليد.
وبالمناسبة، فليس التطلع إلى استقلال اللغة العربية بهيكل تنظيمي خاص في جامعتنا سوى عتبة أولى لوضع الخطو على طريق طويل، يتجشم فيه الباحثون الصعاب التي تحدق باللغة العربية.
إشكال الملكة اللـغوية

هذه المسألة ذات طابع نظري تحصيلي كما ذكرنا. وسيقتصر نظرنا فيها على جانب واحد يتصل بقول ابن خلدون في بيان ثمرة علم الأدب: "هي الإجادة في المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم". وقوله: "والمقصود بذلك كله أن لايخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه، لأنه لاتحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه".
نرى أن هذا القول يقتضي من درسنا في اللغة العربية، وبخاصة في محور اللغويات التراثية، أن يتوفرعلى نظرمعرفي مؤازربمنهاج تعليمي يتصدى لإشكال الملكة اللغوية، وما يحيط بها من مسائل شائكة، وإلا فهو واقع في شرك التقليد.
فمنذ انتهى زمن التكلم باللغة العربية فطرة وسليقة، انحصر مفهوم اللغة العربية (واللسان العربي) في ما سمي بعلوم العربية. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد يستقيم للعربية ولسانها الفصيح معادل معرفي سوى تلك العلوم اللسانية نفسها، ومنها علم الأدب كما تبيناه قبل حين.
ومعلوم أن مفهوم الملكة اللغوية ـ بالأبعاد النظرية والتحصيلية التي اكتسبها في التراث ـ إنما هو وليد إجراءات منهجية صارمة، ابتكرها اللغويون الرواد، وأصلوا أصولها، فبنوا عليها مشروعهم اللغوي الكبير. فكان من ذلك جمع قراءات القرآن الكريم، وجمع متون العربية، ولهجات القبائل، وتدوين أشعارها، ومعرفة أحوال الناطقين بها، وصناعة معاجمها إلى غير ذلك من جهود علمية، ومنجزات باهرة تند عن الوصف.
وإن درسنا في اللغويات العربية ليقع اليوم بمنأى عن ثورة تلك الاجرءات والجهود؛ لايستلهمها ولايكاد يفيد منها، مع أنها من صميم القديم ولبابه. وهذا يساير ما ألمعنا إليه آنفا، ويؤكد أن درسنا في المحور القديم لايقلد من أعمال التراث إلا ما كان فيها من قبيل الأشكال والمظاهر، نادرا ما يتجاوزها. وإني أرى المرء لايكون مبالغا لو تمثل درسنا في اللغة العربية، بالقياس إلى أصوله التراثية، ككائن شبح يحاكي حقيقة متحدية، ثابتة في أعماق تاريخنا الثقافي.
هذا، وإن التصدي لإشكال الملكة اللغوية لدى المتكلم بالعربية في العصر الحاضر لن يتأتى في إطار نظرة سكونية سائدة تعتمد التقليد، أي تقوم في الزمن الحاضر بإعادة إنتاج المعارف والتصورات اللغوية التراثية أو الحديثة بقيمة علمية تقل مرتبة عن قيمتها الأصلية .
خلاصات البحث

نستخلص من هذا البحث أن التقليد ظاهرة مطبقة، متحكمة في درس اللغة العربية. وقد ألحقت به اختلالات بنيوية كبحته عن بلوغ الأهداف المؤملة منه.
ويتطلب الفكاك من قيد هذه الظاهرة اعتماد رؤية اجتهادية، تحدث تغييرا في الشكل والمحتوى المعرفي لدرس اللغة العربية، وتجدد هياكله التنظيمية .
وتوصل البحث إلى عدد من الخطوات للسير في هذا الاتجاه؛ فمنها:
ـ ماهو مؤسسي تنظيمي، كإحداث شعبة للغة العربية مستقلة عن شعبة الآداب، وكإنشاء مجلس للغة العربية في كل جامعة يهتم بوضع اللغة العربية فيها، ويتابع أعمال التدريس والمناهج والبرامج ومعايير التقويم وغير ذلك من الوسائل المسخرة في درس العربية.
ـ أما الإجراءات العلمية الملحة التي يؤكد البحث فائدتها، فنذكر منها:
* إعادة النظر في تصنيف مواد درس اللغة العربية، وتجديد توزيعها في ضوء صيغة نسقية تنفي عنها التجزيئية والتبعثر، وتطبعها في ذات الوقت بالتكامل والصبغة الحضارية لعصرنا، متيحة في ذلك المجال لدراسة حقول لغوية تعاني العربية فيها خصاصا كبيرا.
* تعميق البحث النظري والتعليمي في إشكال الملكة اللغوية لدى المتكلم بالعربية، مع التركيز على وسائل تحصيلها وإثراء القدرات التعبيرية والتواصلية للناطقين بها.
* اقتحام جدار الصمت والغموض الذي يلف الوثائق العلمية والوسائل والطرق الموظفة في تدريس اللغة العربية بالجامعة؛ فلابد من الإفصاح الموضوعي عن ذلك كله حتى يتحقق بشأنها نصيب من الفهم المتبادل، والتقويم المستمر.
* تمكين درس اللغة العربية في التعليم العالي من ترسيخ المعرفة باللغويات التراثية، والتأهب لربطها بالنظم المعرفية لعصرنا، مع ابتكار أساليب تضمن لهذه اللغويات الأصيلة استفادة حقيقية من لغويات العصر الحديث، وتقنياته الجديدة. مما يفرض على الباحثين أن يشتقوا مفهوما جديدا للإبداع؛ يجمع بين مكتسبات التحصيل اللغوي الضروري للتكوين، ونبذ التقليد في أي اتجاه كان.
ومهما تفاوتت الخلاصات أو تقاربت، أواتفقت بشأنها الآراء أو تضاربت؛ فإن درس العربية يبقى متضائلا، مقصوص الجناح ما لم ينتزع للغة العربية حقها الطبيعي في الحياة. والمراد تعريب التعليم وتعريب المحيط؛ فلطالما ألحت أصوات الأمة وأنظار علمائها على تنفيذ هذا التعريب.
_____________________
(*) شعبة اللغة العربية وآدابها ـ كلية الآداب ـ مراكش.
([1])النموذج المختار للدراسة في هذا البحث هو نظام التعليم العالي بالمغرب. وهو يشهد في الفترة الحالية إصلاحا شاملا، نرجو لبلدنا فيه التوفيق.
([2]) انظر الفاسي الفهري: اللسانيات واللغة العربية 194/2. وعبد الله العروي: ثقافتنا في ضوء التاريخ 209.
([3]) لمفهوم التقليد في هذا البحث إطار نقدي فلسفي، ينظر إلى المعرفة البشرية انطلاقا من مجالها التداولي، وتتحدد فيه قيمتها على قدر اصالتها ووجوه إبداعها. انظر: طه عبد الرحمن: الحق العربي في الاختلاف الفلسفي 135، وفقه الفلسفة 34-12/2.
([4]) نستثني من هذا الحكم أعمال أساتذة رواد، لاداعي لذكر أسمائهم.
([5]) تصنيف العلوم إذا أطلق في التراث، فالغالب أن يقصد به الترتيب النظري للعلوم، وبيان ماهيتها وفروعها وفوائدها، وعلاقة بعضها ببعض. والمؤلفات في هذا الباب كثيرة، نحو إحصاء العلوم للفارابي، ورسائل إخوان الصفا، وإرشاد القاصد لابن الأكفاني، والقانون لليوسي وغيرها. وليس هذا المعنى بتمامه هو المراد عندئذ بعبارة تصنيف المواد، إذ نريد منها معنى تربويا تدريسيا نخص به درس اللغة العربية.
([6]) ابن خلدون: المقدمة 1264/3.
([7]) وقد استعمل هذا اللفظ في هذا الغرض مرات في المقدمة. انظر على سبيل المثال: المقدمة 1035 - 1032/3 ([8]) المقدمة 1265/3 .
([9]) انظر المصدر السابق.
([10] المقدمة 1267/3 .
([11]) المصدر السابق 1266/3 .
([12]) المقدمة 1277/3 .

المهاجره
02-16-2011, 01:12 AM
اللغة العربية لغير المتخصصين في التعليم الجامعي
جامعة الفاتح نموذجا (*)د. محمد مصطفى بن الحاج
توطئة :
اعتادت معظم الملتقيات العلمية العربية حول هموم اللغة العربية أن تقتصر إسهاماتها على الجوانب النظرية العامة وتكرار الحديث عن الأمور البديهية المعروفة وتناول القضايا تناولا سطحيا وإنشائيا أحيانا، ثم يكون الاختتام تقديم عدة توصيات، تبقى حبرا على الورق، شأن توصيات أي ملتقى عربي آخر. وانطلاقا من هذه الحقيقة المرة، وددت أن أتقدم إلى ملتقانا هذا الذي تحتضنه مدينة الرباط العريقة الخالدة بورقة تطرح قضية واقعية من صميم حياتنا اللغوية المعاصرة. وإني لأتمنى أن تنهج مستقبلا كل ملتقياتنا العربية هذا المنهج، فتركز جهودها على القضايا الواقعية العملية من جانب، ومن جانب آخر، أن تتجنب الإكثار من تلك القضايا المتنوعة والمتشعبة، وتكتفي في كل ملتقى بموضوع واحد محدد، تشبعه تحليلا ونقاشا وتخرج منه بتوصيات عملية محددة ـ تعالج واقعنا اللغوي وتذلل مشكلاته.
تحديد المشكلة :
من بين القضايا المهمة التي تتعلق بلغتنا العربية في الوقت الحاضر قضية أوضاع هذه اللغة بأبعادها المختلفة في إطار التعليم الجامعي، ومنها وضع هذه اللغة في أقسامها المتخصصة، وفي أقسام التخصصات العلمية الأخرى. وعلى الرغم مما يثقل كاهل هذه اللغة من مشكلات متنوعة في تلك الأقسام، فإن المتتبع للدراسات والبحوث العربية النظرية والميدانية يلاحظ انصرافها عن العناية بتلك المشكلات، ومن ثم ندرة الجهود العلمية في تناولها، على حين استحوذت قضايا اللغة العربية في المستويين الأساسي والمتوسط من التعليم العام على اهتمام كبير من تلك الدراسات والبحوث، وصار لها من ثم تراث واسع ـ بغض النظرعن طبيعته وقيمته ومردوده ـ من خلال الملتقيات والمؤلفات والكتابات المتنوعة في الدوريات العربية.
وشعورا مني بهذه المشكلات المشار إليها هنا، من خلال مسيرة طويلة في التعليم الجامعي، مارست خلالها تدريس العربية لطلابها المتخصصين ولغير المتخصصين، قدمت محاولات عملية في تدريسي شخصيا، كما قدمت مقترحات متعددة عندما تجشمت مسؤوليات رئاسة قسم اللغة العربية في جامعة الفاتح أربع فترات طويلة، سعيا لتذليل تلك المشكلات. ثم استجابة لتكليف رسمي من طرف إدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أجريت دراسة حقلية عن تدريس اللغة العربية لغير المتخصصين في جامعة الفاتح خلال العام الدراســي 95 /1996. وسيجد القاريء لهذه الورقة تلخيصا لما قدمته هذه الدراسة من نتائج وتوصيات.
كانت تلك الدراسة وصفية تحليلية لما عليه تدريس مادة اللغة العربية في الكليات الجامعية في مدينة طرابلس الغرب. وقد استهدفت معرفة المشكلات التي يعانيها كل من الطالب والأستاذ، والوصول إلى تصور صحيح للظروف التي أوجدت تلك المشكلات، وأسهمت في تكوين تلك الظاهرة الكبرى التي عمت المجتمعات العربية، وهي ظاهرة الضعف العام في اللغة العربية، وشيوع التهوين من شأنها، والنفور من دراستها، والاعتقاد في أنها لا تصلح لمواكبة العلم وتطور الحياة.
وترتبط هذه الظاهرة ارتباطا شرطيا بمشكلة حضارية حساسة في معظم الجامعات العربية وهي مشكلة التعريب. إنهما وجهان لعملة واحدة، فحيثما وجدت معارضة للتعريب أو تشكيك في جدواه أو نكوص عن تنفيذه، وجدت ظاهرة الضعف اللغوي مستحكمة في أكثر أساتذة الأقسام العلمية أضعاف استحكامها في صفوف الطلاب، ولا غرو فما هؤلاء الأساتيذ اليوم إلا طلاب الأمس القريب.
ولقد لمسنا من خلال متابعتنا تدريس اللغة العربية في الجامعة لغير المتخصصين عبر سنين طويلة نظرة بعض زملائنا أساتذة المواد العلمية إلى ما عليه تدريس تلك المادة من فشل، فصاروا من ثم يتندرون بها، ويعدونها عالة على موادهم العلمية في جداولهم الدراسية، ولو وجدوا سبيلا إلى إلغائها لما تأخروا في ذلك. والحق أن هؤلاء الزملاء محقون في ذلك، بل نحن نشاركهم تلك النظرة ما دامت الحال على هذه الدرجة من التدني والهوان. وكلنا يلمس ما عليه خريجو الجامعة الآن ومنذ عدة عقود من ضعف مخجل في لغتهم الأم قراءة وكتابة وتعبيرا. ولكل تلك الأسباب اتجهنا إلى هذه الدراسة الميدانية السالفة الذكر.
مظاهر المشكلة:
من خلال تجربتنا في قسم اللغة العربية بجامعة الفاتح في تدريس هذه اللغة في الكليات الجامعية لاحظنا عدة مظاهر لهذه المشكلة، لعل أهمها :
أولا: شكوى الطلاب من صعوبة هذه المادة وتعثر بعضهم في اجتياز امتحاناتها.
ثانيا: امتداد تلك الشكوى إلى بعض أولياء الأمور، وتذمرهم لما عليه هذه المادة من مستوى ومحتوى وأسلوب في التدريس.
ثالثا: شكوى كثير من أساتذة الكليات العلمية مما عليه أساليب طلابهم اللغوية وما يثقـلها من أخطاء وما تنبي عنه من عجز واضح عن الإبانة والتوصيل اللغوي الواضح الدقيق.
رابعا: شكوى أساتذة هذه المادة أنفسهم مما صار إليه مستوى السواد الأعظم من الطلاب، ومما يواجهون به من التسرب الملحوظ والتغيب عن حضور محاضرات هذه المادة، ومن ثم ما تؤول إليه النتائج عند نهاية الفصل أو العام الدراسي.
إن مظاهر المشكلة كما تتضح في هذه النقاط الأربع هي جزء من المظاهر العامة التي تطبع حياتنا بكل ألوانها وأبعادها. ومن بين المعالجات التي تناولت هذه المظاهر معالجة الدكتور حسام الخطيب تحت عنوان " اللغة العربية والمشكل اللغوي "([1]) وفيها لخص تلك المظاهر في محورين " يبدوان للوهلة الأولى أنهما متباعدان وهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة :
المحور الأول: وهو ظاهرة العجز الشامل في مسألة إتقان اللغة العربية، والمحور الثاني: هو ظاهرة الارتباك اللغوي حتى في أرفع مستويات الإتقان..."([2]).
إن هناك اتفاقا بين المربين ومدرسي اللغة العربية على أن الطالب العربي ـ مع بعض الاختلاف من منطقة إلى أخرى ـ لا يحسن استخدام لغته العربية، بل ينظر إليها نظرته إلى العبء الثقيل والواجب المفروض، وذلك على الرغم من الجهود التربوية الكبيرة التي تبذل في مختلف مراحل التعليم العام، وفي مؤسسات التعليم العالي من جامعات وغيرها، حيث أدخلت مقررات جامعية متكررة في تدريس اللغة العربية، وأثبتت في الغالب عدم نجاحها. أما عن طرق تدريس اللغة العربية فيقول الدكتور الخطيب: " وعلى الرغم من المحاولات الجادة المتواصلة فإن هذه الطرق ما زالت تعاني من التخبط والاضطراب والتخلف. ولو أجرى امرؤ مقارنة بين الطرق المتبعة في تعليم اللغة العربية في بلد مثل أمريكا مثلا، وبين ما هو متبع في مدارسنا وجامعاتنا، لهاله الفارق، وأدرك أن الحال الذي نحن فيه ليس له اسم سوى التخلف([3]) .
وقد استعرضت الدراسة القيمة التي أعدها الدكتور محمود أحمد السيد بعنوان " تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية وأساليب التعبير.." ضمن سلسلة النهوض بتعليم اللغة العربية التي أصدرتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، استعرضت أبرز الشخصيات التي تحدثت عن تلك الظاهرة، وساقت نصوصا مثلت تطور الاهتمام والعناية بالمشكلة منذ الثلاثينيات حتى التسعينيات من القرن الميلادي الماضي، وكان آخر تلك النصوص قول الدكتور السيد نفسه : "إن ثمة تسيبا قوميا لغويا، يتجلى في مختلف جوانب حياتنا اللغوية، إن في المدارس والمعاهد والجامعات، وإن في الجو العام خارج نطاق المدارس والمعاهد والجامعات. فلغتنا الفصيحة لا يمارسها المعلمون ولا المتعلمون، ولا يمكن اكتساب لغة من غير ممارسة وتعزيز" ([4]) وللدكتور السيد نفسه كتاب بعنوان " في قضايا اللغة التربوية " عرض فيه مظاهر الضعـف في المستوى اللغـوي وطـرائق عـلاجه([5]).
ويمكننا حصر الأسباب العامة لضعف الناس عامة في لغتنا في النقاط الآتية:
1. العامل النفسي الذي صوراللغة العربية لغة معقدة صعبة لا يمكن إتقانها، ورسم لها صورة سيئة، جمعت بين التهويل والسخرية والازدراء.
2. عزوف التلاميذ عن المطالعة الحرة، وإهمال ذويهم توجيههم، واستيلاء الأجهزة الحديثة عليهم من تلفاز وفيديو، مع غياب التوجيه والتشجيع في المدرسة على المطالعة والمباريات العلمية والأدبية.
3. الترفيع التلقائي (الترحيل) للطلاب الضعفاء، والتفريط في محاسبتهم عن اللغة في غير موادها التخصصية.
4 . ندرة المعلم الجيد، وإسناد مهمة التدريس لهذه المادة إلى معلمين عاجزين، مع غياب الإعداد التربوي السليم.
5. تفريط وسائل الإعلام بأنواعها في استعمال اللغة واستخفافها بالمتخصصين فيها، ودأبها المستمر على إشاعة الأخطاء اللغوية والأسلوبية، وانتقال العدوى إلى أساليب المؤلفين والمدرسين، بل إلى الباحثين والمتخصصين.
أما الأسباب الدقيقة المباشرة التي تتعلق بالعملية التربوية في تدريس اللغة العربية بالذات، والتي هي مناط اهتمام هذه الدراسة، فقد تناولها بالبحث والدراسة والمناقشة كثير من الدارسين خلال عدة عقود من القرن الميلادي المنصرم. وقد أرجعوها إلى عدة عوامل، منها :
1 . صعوبة مواد هذه اللغة، وبخاصة النحو والصرف منها.
2. ازدحام المقررات بموضوعات غير وظيفية، أي لا يحتاج إليها المستخدم في حياته العملية.
3. فشل طرق التدريس لهذه المقررات.
4. اضطراب المناهج وعدم استقرارها في كثير من البلاد العربية.
5. غياب أو ضعف جانب التطبيق.
وأضيف أنا هنا أيضا :
6. ضعف كثير من مدرسي هذا التخصص.
7. غياب التصحيح الشامل للعناصر المختلفة في كل المواد.
وواضح أن هذه العوامل هي قاسم مشترك بين الطلاب في كل مراحل التعليم العام ومراحل التعليم الجامعي. ولكن استنادا إلى أن للمشكلة طبيعتها الأخص على مستوى الطلاب الجامعيين، حيث تختلف الأجواء وطبيعة التدريس وتقدم أعمار الطلاب وتطور مفاهيمهم وشخصياتهم بصورة عامة، فقد صار من الضروري قيام مثل هذه الدراسة على أساس ميداني، حتى نتعرف على العوامل الدقيقة المباشرة، ونقف على الآراء الشخصية المباشر أيضا داخل هذه المشكلة. وما لم يوجد برنامج موسع متكامل يتولى دراسة تلك الأسباب من خلال دراسات متأنية لكل مادة من مواد اللغة العربية([6]) على مستوى الجامعات العربية، وينتهي إلى عدد من النتائج التي تتحول إلى حلول جادة حاسمة، فإن هذه المشكلة تزداد تفاقما كل يوم، ويشتد تأثيرها السلبي على كل جوانب حياتنا.
منهج الدراسـة :
واضح من عنوان هذه الدراسة أنها تتناول مشكلة واقعية عملية، لذلك فإن المنهج الأول الذي فرض نفسه تلقائيا هو المنهج الوصفي. هذا المنهج هو الذي يمكن الدارس من الوقوف المباشر على البيانات أو المعلومات الضرورية عن طريق عدة أساليب إجرائية اخترنا منها فقط ـ بسبب عدة ظروف حائلة ـ أسلوب الاستفتاء (الاستبانة).
هذا الاستفتاء ـ رأينا أن يوجه إلى قطبي العملية التدريسية وهما الطلاب والأساتذة. وقد تضمن الاستفتاء ما ينيف عن عشرين سؤالا، تعرضت لكل الجوانب التي تضمها تلك العملية التربوية، وهي :
· وضع الأستاذ، وفي المقابل وضع الطالب.
· الوعاء الزمني المخصص والرأي فيه.
· واقع المنهج ورأي كل منهما فيه.
· الكتاب المقرر، ووجوده من عدمه، والرأي فيه.
· رأي الأستاذ في الطلاب، ورأي الطلاب في الأستاذ.
· أسلوب التدريس وإدارة الفصل.
· أسلوب الامتحانات ورأي الطرفين فيها.
· مقترحات حول هذه المادة.
فلما تجمعت هذه المادة العلمية، صار لزاما تطبيق منهج آخر ضروري هنا هو المنهج التحليلي الذي تناقش من خلاله تلك الآراء المجمعة، ثم الاستعانة بمنهج ثالث هو المنهج المقارن على نطاق ضيق، لأجل المقابلة بين ما لدينا من نتائج، وما تجمع لنا من آراء خلال قراءاتنا المتنوعة، إثراء للموضوع وربطا لهذه الدراسة بما أمكننا ـ وهو قليل جدا ـ الوقوف عليه من آراء من هنا وهناك.
نتائج الدراسة :
عقب الانتاء من استعراض النسب المئوية لنتائج الاستبانات لكل من الطلاب والأساتذة، تم استخلاص أهم النتائج التي كشفت عنها تلك النسب :
أولا: في الجانب الطلابي :
1. هناك موقف عقلي ونفسي تجاه أهمية اللغة العربية وقيمتها وضرورتها في حياة الطلاب الخاصة والعامة. وهذا الموقف هو ثمرة خبرة طويلة منفرة في تعلم العربية، منذ المراحل الأولى من التعليم الساسي. وما تزال هذه الخبرة تتأكد، نتيجة ما عليه طرائق تدريس هذه المادة حاليا في الجامعة، منهجا وأساتذة وظروفا عامة تحيط بكل ذلك. وقد أدى هذا إلى ظاهرة واضحة سجلتها استبانات الطلاب، وهو التبرم من محاضرات هذه المادة، وهروب الطلاب من حضور دروسها بنسب عالية متفاوتة.
2. سيطرة الاهتمام ـ شبه الكلي ـ بلغة مواد التخصص، وهي لدينا اللغة الإنجليزية في الكليات العلمية، وسائر اللغات الحية في كلية اللغات ـ الملغاة الآن ـ وهو ما أدى إلى الزهد في اللغة العربية وعدم إعطائها الاهتمام والجهد اللازمين لإتقانها. والذي يؤكد هذه السيطرة هو خفوت اتجاه التعريب وتهميشه في الجامعة، وغياب البرنامج المتكامل الجاد لتطبيقه ومتابعته، وافتقاد الحوافز لتشجيع التعريب والعقوبات الصارمة لكل من يعرقله أو يتجاهله.
3. وقوع الطلاب ومادة اللغة العربية معا ضحية الظروف الآتية :
أ) غياب الأهداف العامة لهذه المادة في ذهن الأستاذ والطالب معا.
ب) إسناد تدريس هذه المادة لغير القادرين وذوي الخبرة.
ج) تكرار الموضوعات المدروسة في المرحلتين الأساسية والثانوية.
د) فقدان الربط بين اللغة العربية ومجال التخصص في الكليات الجامعية المختلفة.
هـ) عدم تطبيق المنهج الموحد على مستوى تلك الكليات.
و) غياب الكتاب الذي يحتوي على المقرر.
ز) غياب الأساليب الصحيحة في التدريس وترغيب الطلاب.
ح) ضيق الإطار الزمني المحدد لتدريس هذا المقرر في الكليات العلمية.
ط) ضخامة الأعداد في المجموعات الطلابية.
ي) إرهاق الطلاب أحيانا بإعداد ورقات بحثية دون كبير طائل.
ثانيا : من جانب الأساتذة :

1. هناك نقص كبير في عدد مدرسي هذه المادة، حتى إن بعض الكليات والأقسام لم
تدرس فيها هذه المادة منذ مدة طويلة، وهو ما يخالف اللوائح الرسمية للجامعة، وفي أقسام أخرى لا يتلقاها الطلاب إلا في منتصف الفصل أو السنة وربما في نهايتها.
2. نتيجة لما سبق، فإن نسبة عالية من الأساتذة هم من الشباب حديث التخرج ومعدوم الخبرة، بل إن بعض هؤلاء يتعاقد مع بعض الكليات العلمية دون علم القسم المختص والمسؤول وهو قسم اللغة العربية.
3. ازدحام جدول الأستاّذ بأعداد من الساعات المرهقة، وبتعدد المواد العلمية التي يدرسها، وتشتت طاقته في أقسام شتى وكليات أو جامعات نائية.
4. الشعور بالإحباط والضيق تجاه نظرة الطلاب ونظرة الكليات العلمية إلى اللغة العربية.
5. غياب الأهداف وعدم تطبيق المنهج الموجود، وغياب الكتاب الموحد والمكتبة المتخصصة، وضيق الإطارالزمني،وضخامة أعداد المجموعات الطلابية. وكذلك افتقاد الوسائل اللازمة للعملية التعليمية... كل ذلك أدى إلى إضعاف جهد الأستاذ وتبديد طاقته دون جدوى.
6. الأستاذ ـ أي أستاذ ـ هو معلومات وطريقة، والذي يلاحظ هو أن أكثر الذين يقومون بتدريس العربية ـ بل تدريس أكثر العلوم الآن ـ ليس لديهم الخبرة التربوية في معاملة الطلاب، وفي استخدام أساليب الشرح والحوار، وكذا في وضع الامتحانات وتقييم الطلاب.
ثالثا : في الجانب الإداري :

1. غياب المركزية في الإشراف على تدريس هذه المادة في الكليات العلمية. وقد كان هذا الإشراف قائما قبل سنوات، أما الآن فنتيجة النقص الشديد في الأساتذة، وعجز قسمي اللغة العربية في جامعة الفاتح عن تلبية حاجة كل الأقسام في الجامعة، اضطرت بعض الكليات للاستعانة بأساتذة لا يتبعون القسمين المذكورين، ولا يقعون في إطار إشراف أي منهما.
2. غياب التنسيق والتعاون حتى ما بين القسمين المسؤولين في الجامعة عن اللغة العربية، وهما القسمان الموجودان في كليتي التربية واللغات (أي كلية الآداب الآن)، وقد نتج عن ذلك ما آلت إليه أوضاع اللغة العربية في الجامعة بأسرها.
رابعا : واقع اللغة العربية بين الإيجابيات والسلبيات :

من الجوانب الإيجابية التي كشفت عنها هذه الدراسة إلى جانب السلبيات الكثيرة، ما يأتي :
1. أثبتت استبانات الأساتذة نسـبا لا بأس بها من استعداد بعض الطلاب وجديتهم وتحقيقهم نتائج علمية مشرفة ولو على نطاق محدود.
2. أبانت الدراسة آراء جيدة لدي الطلاب في بعض أساتذتهم وفي حرصهم على العطاء وترغيبهم في المادة المدروسة.
3. عرفتنا هذه الدراسة عددا من الأساتذة الجادين ـ على قلتهم ـ الذين استجابوا وردوا على أسئلة الاستبانات، بل تطوع بعضهم مشكورا فكتب لنا صفحات عن الموضوع. وقدأفادت هذه الدراسة من ذلك، شكر الله سعيهم. كما أشعرتنا هذه التجربة الميدانية بحقيقة مؤلمة مع عدد آخر من الزملاء الأساتذة الذين تكبروا عن التعاون، أو تهاونوا في إبداء رأيهم لوجه الله والعلم وصالح الأمة.
وبالاستئناس بدراستين مشرقيتين سورية وعراقية، أمكننا أن نقف على نتائج مشابهة عن الواقع اللغوي العربي. فقد لاحظت الورقة السورية وهي دراسة ميدانية الملاحظات الآتية :
1. غياب الأهداف العامة والخاصة في المناهج المطبقة.
2. المنهج المقرر موضوع بطريقة متسرعة.
3. سـاعات الدراسة المقررة قليلة جدا.
4. الأساتذة المكلفون بالتدريس هم من غير المختصين أحيانا.
5. أعـداد المجموعات الطلابية كبيرة.
6 . ضيق حجرات الدراسة.
7. غياب وسائل الإيضاح.
8. عدم دقـة الامتحانات.
9. تداخل الفصحى والعامية في لغة التدريس.
أما ملاحظات الورقة العراقية، فهي ما يأتي :
1. مستوى تدريس المادة في الجامعة ومقدار الاستفادة هما دون ما عليه في مرحلة الدراسة الإعدادية.
2. مفردات المنهج غير مناسبة ولا تلبي رغبات الطلاب، كما أنها بعيدة عن تخصصاتهم .
3. شعور الطلاب بالضجر واضطرارهم إلى عدم الاكتراث باللغة العربية.
وبذلك يتضح لنا أن هذه النتائج السورية والعراقية هي امتداد للنتائج الليبية. وهذا معناه اشتراك المجتمعات العربية بعامة، والمؤسسات الجامعية فيها بخاصة، في معظم المشكلات المتعلقة بظاهرة الضعف العام في لغتنا العربية. وكل ذلك يؤكد لدينا ضرورة إجراء دراسات شاملة على مستويات الجامعات العربية، عسانا نتوصل إلى توصيات عملية تقودنا إلى حلول علمية جادة.
التوصيـات :

أولا : ضرورة الإسراع بإعادة النظر في تعليم اللغة العربية في مرحلتي التعليم الأساسي والتعليم المتوسط من حيث :
1. توزيع مفردات مناهج اللغة العربية على سنوات المراحل المذكورة توزيعا جيدا .
2. التركيز على النحو الوظيفي، وربط أمثلته بالحياة المعاصرة.
3. التركيز على التطبيق المستمر.
4. فصل مادة الإملاء والخط في التدريس والتقويم.
5. الاهتمام بمادة التعبير الشفوي والتحريري وإقحام الطلاب في برامج ثقافية داخل المدارس والمعاهد، وربطهم باستمرار بالمكتبة، وتشجيعهم على القراءة الحرة والتعبير عن خواطرهم الذاتية.
6. محاسبة الطلاب على أخطائهم اللغوية والنحوية والإملائية في كل المواد المقررة عليهم دون استثناء .
7. إعداد المعلمين ذوي الرغبة الصادقة في التدريس، وفي تعليم العربية بوجه خاص، وتأهيلهم التأهيل الشامل، ومنحهم امتيازات مادية مغرية.
8. تهيئة الجو التعليمي المناسب للعملية التعليمية في كل المراحل.
9. التشدد في الامتحانات، وفي التوجيه التربوي، وفي كتابة التقارير حول مستوى المعلمين عند الترقيات وغيرها.
ثانيـا: وضع خطة شاملة للاهتمام باللغة العربية في مجال الإعلام والثقافة، تستهدف إعادة الهيبة لهذه اللغة ومراقبة استخدامها، وتوعية المجتمع بأهميتها وقدسيتها ووزنها العلمي والعملي، وتتضمن هذه الخطة :
1. تقديم البرامج المختلفة التي تخدم العربية ونعرف المجتمع بتراثها ونشاطاتها المعاصرة من خلال المجامع والجامعات والجمعيات والمعارض ومناقشات الأطروحات العلمية والمؤتمرات والندوات التي تعقد في إطارها.
2. مراقبة المادة المذاعة مسموعة ومرئية والمادة المكتوبة في كل وسائل الإعلام المعروفة، وكذلك مراقبة الإعلانات واللافتات وأسماء المواليد والعلامات التجارية.
3. غربلة النتاج الأدبي في الصحف والمجلات من المحاولات ذات المستوى اللغوي السقيم، بغض النظر عن كاتبها من يكون، والتنبه إلى استمرار محاولات تمييع اللغة وإفسادها من خلال هذا الطريق.
ثالثـا: إعادة النظر في واقع تدريس مادة اللغة العربية لغير المختصين في الجامعة بالوسائل الآتيـة :
1. توفير الأعداد المطلوبة - مهما كلف الأمر ـ من الأساتذة ذوي الخبرة المطلوبة في التدريس وذوي الثقافة التربوية لتدريس هذه المادة.
2. إعداد كتاب لكل كلية، أو لكل مجموعة كليات ذات تخصص متقارب يقوم على مجموعة من الوحدات أو المحاور، على ضوء أحدث المحاولات التي قدمها الأساتذة في بعض الأقطار العربية، مثل الأردن.
3. تنظيم دورة تنشيطية كل ثلاث سنوات ـ مثلا- لأساتذة هذه المادة، لمدة شهر صيفي، لتوعيتهم في: طرق التدريس، والتقويم، واستخدام، الوسائل التعليمية، ووضع الامتحانات.
4. إعادة النظر في النصاب الحالي للمحاضرات الأسبوعية للأستاذ، بحيث لا يتعدى (8) ثماني ساعات في تخصص دقيق واحد.
5. إعادة النظر في مرتبات الأساتذة بما يكفل لهم مواجهة ضروريات الحياة، ويغنيهم عن عناء الارتباط بجداول مرهقة في كليات هنا وهناك، وهو الحل الوحيد لرفع معنوياتهم وتحقيق إخلاصهم، وإتقان عملهم، وضمان النتائج العالية لدى طلابهم.
6. تقليل أعداد المجموعات الطلابية، وتوفير القاعات والمدرجات الصالحة من كل الوجوه والمزودة بكل المتطلبات.
7. دراسة مقترح الطلاب والأساتذة الخاص بزيادة ساعات اللغة العربية في النظام الفصلي، بما يحقق الأهداف المطلوبة.
8. تنفيذ التوصيات التي أصدرتها المؤتمرات العلمية الخاصة بالتعريب في الوطن العربي، وتشديد المتابعة في عملية التنفيذ. وهذا الإجراء كفيل بأن يعطي دفعا مهما للغة العربية لدى أساتذة التخصصات العلمية ولدى طلابهم أيضا.
رابعا : إعادة النظر في مفردات منهج اللغة العربية في هذا المجال، من النواحي الآتية:
1. تحديد الأهداف العامة لمادة اللغة العربية العامة، والأهداف الخاصة لكل عنصر من عناصرها الآتية ([7]) :
أ) التحصيل المعرفي.
ب) الأداء الوظيفي.
ج) التذوق الجمالي.
د) الاستطلاع الثقافي.
2. التركيزعلى اللغة الوظيفية، واعتماد الأمثلة المعاصرة، والأسلوب المشوق في عرضها.
3. تمكين الطلاب من معرفة الشروط الفنية والأسلوبية لكتابة التقرير العلمي، وإعداد المذكرات وإتقان فن التلخيص.
4. الاهتمام بطريقة النصوص المتكاملة في تقديم القواعد والتطبيق عليها، مع الإكثار من هذا التطبيق.
5. ربط مادة اللغة العربية بالتخصص الدقيق للطالب قدر الإمكان، واختيار نصوص متنوعة في مجال هذا التخصص للشرح والتطبيق.
6. تكليف الطلاب بمحاولة الترجمة في الفصول المتقدمة من الكليات العلمية، وفي السنتين الأخيرتين من كلية اللغات ـ إن وجدت ـ والقانون، وتصحيح الأخطاء التي يقعون فيها باستمرار.
7. ضرورة الجمع بين الامتحانات الموضوعية والمقالية.
8. ضرورة التزام المدرس بالفصحى عند الشرح والمناقشة في المحاضرات، ومحاولة تدريب الطلاب على الالتزام بها قدر الإمكان.
9. ضرورة توفير مكتبة حديثة جامعة، وإحالة الطلاب إلى ما فيها من مصادرومراجع عن طريق تكليفات واستشارات علمية خفيفة وغير مرهقة.
10. تجنب إلزام الطلاب بالأبحاث المرهقة التي هي من شأن المتخصصين في اللغة العربية، والتي تضطرهم إلى نسخ مادتها العلمية وتقديمها كيفما اتفق، أو اضطرارهم لإحراج غيرهم لإعدادها لهم.
11. تجنب الإفراط في المماحكات الإعرابية المتعمقة والتحليلات البلاغية، وتجنب إقحام هؤلاء الطلاب في علم العروض وتفصيلاته مثلا.
خامسا : تنظيم الشؤون الإدارية وضبطها للإشراف على تدريس مادة اللغة العربية في الجامعة، وذلك بالآتي :
1. إلزام قسم اللغة العربية في الجامعة بالإشراف الكلي المباشرعلى تدريس هذه المادة.
2 . إلتزام هذا القسم بالأمور الآتية :
أ) اختيار الأساتذة المناسبين.
ب) وضع الجداول الدراسية وتوزيعها بالتعاون مع كل أقسام الجامعة.
ج) التنسيق مع تلك الأقسام لضبط غياب الأساتذة والطلاب، وإجراء الامتحانات وتوزيع النتائج والاحتفاظ بنسخ منها.
د) تنظيم لقاءات دورية للأساتذة عند نهاية كل فصل لمناقشة تلك المشكلات ومايقترح من نشاطات علمية لرعاية العربية والحفاظ عليها في تلك الأقسام.
هـ) تنظيم دورات تربوية تنشيطية للأساتذة كل سنتين أو ثلاث سنوات بالتعاون مع قسم الدراسات التربوية والنفسية في الجامعة.
و) إقامة ندوات عن أهمية اللغة العربية وعن التعريب واستخدامات العربية في الحاسوب والإنترنت. وكذلك تنظيم الأمسيات الشعرية في الكليات العلمية وإقامة مسابقات أدبية للطلاب ذوي الميول الأدبية في تلك الكليات.
3. تلتزم إدارة الجامعة بمتابعة تنفيذ هذه الأمور العلمية والإدارية، ومحاسبة المخالفين لها.

المهاجره
02-16-2011, 01:16 AM
المـلحق

1. نموذج اسـتبانة الطلاب
السؤال الأول
هل هناك كتاب مقرر بذاته ؟
السؤال الثاني
هل ترى ضرورة لوجود هذه المادة ؟
السؤال الثالث
هل ترى أنها مادة سهلة ميسرة، أو أنها معقدة لا تفهم ؟
السؤال الرابع
ما ســبب الصعوبة في نظرك ؟
السؤال الخامس
ما الأسلوب الذي درست به هذه المادة؟ تقديم القاعدة أولا ثم شرحها والتمثيل لها أم استخراج القاعدة من نص واحد أو من مجموعة جمل منفصلة ؟
السؤال السادس
هل كنت تواظب على حضور المحاضرات بانتظام؟
السؤال السابع
هل كان من زملائك من يضيق بحضور دروس هذه المادة ؟
السؤال الثامن
ما رأيك في طريقة الأستاذ؟
السؤال التاسع
هل كان يستخدم السبورة عند الشرح ؟
السؤال العاشر
هل يلتزم الأستاذ في شرحه بالفصحى؟ وخلط الفصحى بالعامية...أو تغلب عليه العامية؟
السؤال الحادي عشر
ما رأيك في تمكن الأستاذ من مادته العلمية وقدرته على توصيلها إلى الطلاب؟
السؤال الثاني عشر
هل كان الأستاذ مواظبا في دروسه ؟/دقيقا في موعد ابتداء الدرس /يظل في درسه حتى انتهاء الوقت/لا يضيع الوقت في أمور خارج الدرس؟
السؤال الثالث عشر
هل اعتاد الأستاذ مناقشة الطلاب والحوار معهم؟ وهل كان يفرض على الطلاب التحدث بالفصحى؟ما رأيك في نقاش الأستاذ نفسه؟
السؤال الرابع عشر
ما نوع أسئلة الأستاذ ؟موضوعية أم مقالية أم تجمع بين النوعين .؟
السؤال الخامس عشر
هل الأسئلة في مستوى الطلاب ؟
السؤال السادس عشر
ما تقديرك العام في هذه المادة؟
السؤال السابع عشر
ما تقديرك في اللغة العربية في امتحان الثانوية العامة؟
السؤال الثامن عشر
هل تحسن مستواك في هذه المادة في الجامعة أو أنه ضعف ؟
السؤال التاسع عشر
ما رأيك في عدد الساعات المحددة لهذه المادة اسبوعيا ؟
السؤال العشرون
بماذا تفسر ضعف الطلاب في اللغة العربية؟
السؤال الحادي والعشرون
ماذا تقترح لحل هذه المشكلة؟

المهاجره
02-16-2011, 01:17 AM
2. نموذج استبانة الأساتذة
كم عدد الساعات التي تقوم بتدريسها أسبوعيا؟
السؤال الأول
هل تدرس مادة واحدة أم مواد متنوعة ؟
السؤال الثاني
هل تدرس في كليتك فقط أو كذلك في غيرها ؟
السؤال الثالث
ما رأيك في عدد الساعات المخصصة للغة العربية أسبوعيا ؟
السؤال الرابع
ما متوسط عدد الطلاب في كل مجموعة ؟
السؤال الخامس
ما انطباعك عن موقف الطلاب من حيث: 1. قبول المادة العلمية 2. مستوى فهم الطلاب 3. الالتزام والانضباط 4. إدراك أهمية اللغة
5. الحرص على الاستزادة؟
السؤال السادس
ما أنسب الطرق في تدريسك هذه المادة: الاستنباطية- الاستقرائية- طريقة النصوص المتكاملة ؟
السؤال السابع
هل تدرس كتابا معينا أو إنك تعد دروسك بنفسك؟
السؤال الثامن
هل هناك كتاب تقترحه ليعمم على الطلاب أو تقترح كتابا جديدا لهذا الغرض؟
السؤال التاسع
ما رأيك في مفردات المقرر الحالي؟
السؤال العاشر
هل تستخدم نصوصا تتصل بتخصص الطلاب؟
السؤال الحادي عشر
هل تدربهم على الترجمة أحيانا ؟
السؤال الثاني عشر
هل تحيل الطلاب على كتب للمراجعة ؟
السؤا ل الثالث عشر
هل تكلف الطلاب بكتابة ورقة بحث أو تلخيص موضوع ما ؟
السؤال الرابع عشر
هل تلتزم فعلا بمراجعة ما يقدمه الطلاب وتصححه بعناية ؟
السؤال الخامس عشر
هل ترجع ورقات البحث إلى الطلاب بعد مراجعتها وتصحيحها؟
السؤال السادس عشر
أيهما تستخدمه في الامتحان الأسئلة الموضوعية أم المقالية أم كليهما معا؟
السؤال السابع عشر
هل ترجع عادة أوراق الإجابة المصححة إلى الطلاب ؟
السؤا ل الثامن عشر
مارأيك في نتائج الطلاب بصورة عامة في هذه المادة؟
السؤال التاسع عشر
ما أسباب الضعف في اللغة العربية كما تراها ؟
السؤال العشرون
ما اقتراحاتك لعلاج ذلك؟
السؤال الواحدوالعشرون
هل أنت راض عن تدريسك لهذه المادة؟ ولماذا؟
السؤال الثاني والعشرون

المهاجره
02-16-2011, 01:19 AM
الهوامش
(*) كلية الآداب ـ جامعة الفاتح ـ طرابلس.
____
([1]) المجلة العربية للثقافة ـ المنظمة العربية، س12/ ع22، (1992م)، ص 49ـ 70.
(2) المصدر نفسه، ص 63.
(3) // //، ص 67.
(4) تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية، ص17.
(5) // //، ص 17.
6) من الأمثلة الطيبة التي يمكن أن تحتذى هنا دراسة الدكتور حسن شحاتة عن مادة التدريبات اللغوية في كتابه أساسيات التدريس في العالم العربي ـ الدار المصرية اللبنانية، 1992م.
(7) هذه المحاور هي ما قامت على أساسه مجموعة كتب منهجية جيدة في اللغة العربية لغير المختصين في الجامعات الأردنية خلال العقد الماضي، وهي تجربة جديرة بالتقدير والاحتذاء.

المصادر والمراجع

أولا : المصادر :

1. خمس وعشرون استبانة لأساتذة اللغة العربية في الكليات الجامعية في طرابلس.
2. ستون استبانة طلابية في هذه الكليات.

ثانيا : المراجـع :

1. أساسيات التدريس الفعال في العالم العربي، للدكتور حسن شحاتة، ط/1 ، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1993 م.
2. تدريس اللغة العربية العامة لغير أقسام الاختصاص في الجامعة العراقية، ورقة بحث للدكتور عبد المنعم أحمد صالح، كلية الشريعة، جامعة بغداد،1984.
3. تطور مناهج تعليم القواعد النحوية وأساليب التعبير في مراحل التعليم العام في الوطن العربي، إعداد الدكتورمحمود أحمد السيد، تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1987 م.
4. في فقه اللغة وقضايا العربية، للدكتور سميح أبو مغلي، ط /1، عمان، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع (د .ت) .
5. المجلة العربية للثقافة، تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، لسنة (2)، العدد(22)، مارس 1992 م.
6. مجلة اللسان العربي ـ المجلد (17، ج (1).
7. مجلة الموقف الأدبي السورية ـ العددان (193 و194).

المهاجره
02-16-2011, 01:22 AM
تعليم العربية لغير الناطقين بها في المجتمع
المعاصر: اتجاهات جديدة، وتطبيقات لازمة

(*)د. رشدي أحمد طعيمة

مقدمة
يمثل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها أحد الأنساق الفرعية للنسق المجتمعي العام سواء أكان المجتمع العربي أو الإسلامي أو العالمي المعاصر. مما يعني انعكاس ما تشهده هذه المجتمعات من تغيرات، وما يصيبها من تحولات، وما يسودها من اتجاهات على مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.. ذلك أن تعليم هذه اللغة شأن المجالات التعليمية الأخرى لا يحدث في فراغ.. فاللغة والثقافة يسيران يدا بيد.
ولاشك أن التحديد الدقيق للتغيرات التي يشهدها المجتمع بدوائره الثلاث (العربي والإسلامي والعالمي)، وأن الفهم الدقيق للتحولات التي تصيبه الآن، ورصد الاتجاهات التي تسوده سوف يسهم في أمرين أساسيين بخصوص تعليم العربية لغير الناطقين بها؛ هما:
أولا : الوقوف على صورة الواقع الذي يشهده هذا المجال، والتعرف على ما في هذه الصورة من إيجابيات وما يشوبها من سلبيات.. وليس الأمر هنا مجرد رصد لواقع، إنما يتعداه إلى الوقوف على الأسباب الكامنة وراء الصورة التي تشكًًًًًًًل بها هذا الواقع، ولقد يساعدنا ذلك نحن المشتغلين بتعليم العربية لغير الناطقين بها أن نتحرر من جلد الذات ومداومة تأنيب الضمير كلما حدثت مشكلة في هذا المجال فعزوناها لقصور منا .. .
ثانيا : استشراف المستقبل الذي يمكن أن يشهده هذا المجال. وليس من الموضوعية ادعاء المبادرة في ذلك. فمستقبل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها حددته دراسات أخرى، وسبقتنا فيه جهود وأبحاث. ولكن الملاحظ أن كثيرا مما رسمته هذه الدراسات من رؤى لمستقبل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لم تصدقه وقائع الأحداث التالية. ولم يظهر ما فيها من قصور إلا عندما نزلت إلى أرض الواقع ودخلت حيز التنفيذ. والسبب في ذلك بكل وضوح أنها لم تأخذ التغيرات المجتمعية في حسابها، أو على أقل تقدير لم تعطها ما يتناسب معها من أهمية عند التنبؤ بالمستقبل، أو حصرت نطاق حركتها في الإطار التربوي وكأنه منعزل عن السياق المجتمعي العام، أو عالجته بطريقة جزئية غابت معها أبعاد الصورة الكاملة.
من أجل هذا حرصت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ الإيسيسكوـ وهي تستشرف مستقبل العمل الثقافي في إطار رسمها للاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي، حرصت على تحديد الاتجاهات السائدة أو الغالبة في الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. تقول الاستراتيجية نحتاج لتحديد الاتجاهات لاستخلاص ما يراه المستقبليون من اتجاهات غالبة يطلقون عليها مصطلح " الاتجاهات الثقيلة " للعشرية المقبلة والتي ليست من نسج الخيال أو الرمي بالتنبؤات، وإنما هي نابعة من تحليل دقيق لمسار الواقع الحالي، ودراسة عميقة ومستفيضة لآثاره وتقلباته من الماضي القريب، وإحاطة واعية بالعوامل الكامنة داخله أو المحيطة به أو المفاعلة معه، والمحددة جميعها لشكل تطوره في المستقبل.
إن الماضي كما نقول بعد من أبعاد الحاضر .. والحاضر بعد من أبعاد المستقبل .. ولا بد من معرفة ماضينا في تعليم اللغة العربية، ورصد حاضرنا حتى نستشرف مستقبلنا ... .
الاتجاهات الجديدة
يمكن تقسيم الاتجاهات مثار الحديث هنا الى قسمين، ونقسم كل منهما إلى نوعين :
- من حيث أنواع الاتجاهات.. هناك اتجاهات عامة، ويقصد بها الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسود المجتمع العالمي المعاصر. وسوف نعالجها على مستويين: المستوى العالمي ومستوى العالم الإسلامي. وهناك اتجاهات خاصة ويقصد بها الاتجاهات الثقافية والعلمية والتربوية المعاصرة، وهذه بدورها تنقسم إلى نوعين: اتجاهات تغطي المجال التربوي بشكل عام. واتجاهات تتعلق بتعليم اللغات الأجنبية بشكل خاص، وإن لم ينفصل الحديث عنهما في هذه الورقة.
- من حيث مصدر الاتجاهات.. سوف نناقش في هذا المجال اتجاهات ورد الحديث عنها في الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي والتي سبق الحديث عنها. واتجاهات تصدر عن رؤى خاصة لنا في ضوء الواقع الذي نعيشه، والتجارب التي مررنا بها والخبرات التي تراكمت بمرور الزمن .. .
والسؤال الذي نحاول الإجابة عنه هنا هو :
* ما أهم الاتجاهات العالمية السائدة على المستويين العام والتربوي مما له تطبيقات في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها مع التركيز على أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الغرب ؟.
الاتجاهات العامة
(أ) على المستوى العالمي :
1. انتشار مفاهيم العولمة وأيديولوجيتها Globalism وإجراءات العولمة Globalization مثل اتفاقية الجات والشركات عابرة القارات وشبكات الاتصال العالمية والمؤتمرات الدولية مثل قمة الأرض.. ولقد تعدت العولمة نطاق الاقتصاد إلى السياسة والمجتمع والثقافة.. بل لقد أضحت العولمة الثقافية أخطرها.
2. اشتداد الصراع الثقافي وسيادة الثقافة في كل الميادين لأن التحدي الكبير الذي سيواجه العالم في السنوات القادمة هو تحد ثقافي بالأساس، إن النزعة قوية لدى بعض الثقافات لأن تفرض نفسها على غيرها من الثقافات مهمشة إياها، خاصة ثقافات البلاد النامية.
3. الهجرات الدولية وماتحدثه من بزوغ مجتمعات متعددة الثقافة ومتعددة العرق.
4. تفاقم الأمية حيث سيكون واحد من كل أربعة أفراد في العالم أميا، مع التركيز على تلازم الفقر والأمية
5. أثرالتكنولوجيات الحديثة مثل الإعلاميات، والبيوتكنولوجية وصناعة المواد والألياف الجديدة وانعكاس ذلك الأثر على ثقافة المجتمع.
6. ازدياد الوعي بحقوق الإنسان والمطالبة بأن يحصل كل إنسان على مادعت إليه الشرائع السماوية، وما أقرته المواثيق والبيانات المحلية والعالمية، والدعوة إلى التعامل مع الإنسان كإنسان وليس كأداة أو كشيء مثل غيره من الأشياء.. لقد سادت نظرية نشوء الإنسان فترة طويلة من الزمان، انتهكت فيه حقوقه، وصودرت مستحقاته، وخضع حتى في تلبية حاجاته الأساسية إلى ما يريده غيره وليس إلى ما يريده هو.. الإنسان الآن أصبح غاية.. وارتفعت شعارات حقوق الإنسان على مختلف الأصعدة، وشكلت اللجان والهيئات والجمعيات الحكومية والأهلية التي تدعو إلى تطبيق مواثيق حقوق الإنسان وتراقب تنفيذها. ليس معنى ذلك أن الصورة وردية بكاملها وأن الإنسان في هذا المجتمع سعيد بنفس القدر الذي يسعد فيه أخوه في مجتمع آخر.. ولكن الحديث عن حقوق الإنسان على أية حال صار أكثر من قبل وارتفع صوته عاليا.
7. حدوث طفرة هائلة في مجال الاتصال والإعلام أدت إلى :
أ) تعدد القنوات الفضائية وما يعنيه من تعدد المفاهيم والرؤى الثقافية وحرص كل منها على أن يجذب إليه الجمهور مما خلق بينها صراعا أكثر منه حوارا.
ب) الاختراق الثقافي لمفاهيم وقيم وعادات الثقافات والشعوب. فالعالم لم يصبح " قرية كونية " بل تحول إلى " غرفة كونية " على حد تعبير أحد المفكرين .. بل يؤثر صديقي الدكتور محمود أحمد السيد وزير التربية والتعليم بسوريا أن يسميها " فندقا صغيرا " حيث تنتفي مع عالمنا المعاصر قيم القرية وتقاليدها
ج) تزايد نزعة المقارنة بين المسويات الحضارية عند أبناء الجيل الحالي، وغلبة روح التقليد للحضارة الغربية بماديتها وقيمها مما شكل خطرا أكيدا على قيم هذا الجيل ومستقبله الثقافي.
د) تمركز وسائل الإعلام في أيدي مجموعة صغيرة من البشر وهي المتحكمة في مضمون ما يبث فيها دون السماح لغيرها بالتسلل لهذه الوسائل ..
هـ) تفشي ظاهرة استخدام الإنترنت والتي تعتبر الوجه الآخر للعولمة والقوة الفاعلة لانتشارها. ولقد بلغ عدد مستخدميها في العالم في منتصف عام 2000 أكثر من 250 مليون فرد ويتزايد هذا العدد أسبوعيا بحوالي نصف مليون مستخدم، ولا يمثل عدد المستخدمين في البلدان النامية إلا نسبة قليلة قد لا تتعدى 10% بما فيهم المستخدمون في الوطن العربي.
(ب) على مستوى العالم الإسلامي :
1. اشتداد الصراع من أجل إحكام الطوق على الفرد المسلم والأمة الإسلامية من طرف مناهضي الإسلام من أعداء العدل والحرية.
2. اشتداد الغزو الإعلامي والفكري واللغوي مع تجنيد النخب المستفيدة منه كي تتبنى أصوله وتدافع عن محتواه وتوسع من دائرة خطابه.
3. عودة الفرد والمجتمع داخل الأمة الإسلامية إلى الأصول والتراث، وبحث كل منها عن تأكيد الذات والفرار من سلطان فقدان الهوية.
4. إلحاح الشعوب الإسلامية على الشورى وتوفير مناخ الحرية وسيادة الشرع والقانون والعدل.
5. اشتداد الدعوة للوحدة الإسلامية وانبثاق مؤسسات لصياغة مشروع إنجازها الفعلي والعملي.
الاتجاهات الثقافية والتربوية
1. تعدد مصادر المعرفة وازدياد القنوات التي يتواصل الفرد فيها مع مراكز العلم والبحث والتي يقف من خلالها على مستجدات العصر مما يفرض سرعة التحرك لمواكبتها وعدم الاعتماد على المعلم وحده أو حتى المدرسة وحدها في تلقي المعرفة وتحصيل العلم، أصبح التعلم الذاتيSelf-instruction ضرورة وليس ترفا. أصبح مصدرا أساسيا من مصادر الأمن وليس مجرد وسيلة للتعلم . نحن في عصر أصبح العلم فيه مدخلا للتقدم وممهدا لطريق الحرية بكل أشكالها.. العلم الآن هو الحرية التي ننشدها والحلم الذي نتوق له. وليس أمامنا في هذا المعترك إلا أن نأخذ بأسباب التقدم. ويأتي العلم على رأسها. وفي الوقت الذي تستحيل فيه على المدرسة تعليم الإنسان كل شيء، وفي الوقت الذي تتسارع فيه المستجدات حتى أصبح المستقبل أمام الإنسان غامضا يصعب التنبؤ به.. وفي الوقت الذي تتراكم فيه المعرفة وتتضاعف.. ليس أمام الإنسان إلا أن يعلم نفسه بنفسه.. وليس له في ذلك خيار.
من هنا صارت برامج التعلم الذاتي في تعليم اللغات الأجنبية مطلبا ملحا لكثير من المراكز والمؤسسات.
2. تتبوأ اقتصاديات المعرفة مكانة هامة وأساسية بين غيرها من أشكال الاقتصاد، لقد اشتد الطلب خاصة في العقد الأخيرعلى التعامل مع البرامجsoft-wares والآلات الأجهزة ard-wares التجارة الإلكترونية ومختلف الإمكانات التي تنتج المعرفة أو تيسر تبادلها. ولقد نتج عن هذا :
أ) ربط المعرفة بنتائجها، وما يسفرعن تطبيقها من منتجات.
ب) سرعة التطبيق لما تتفتق عنه أذهان المبدعين في هذا المجال. فلم تعد هناك مسافة بين الفكر والعمل، بين النظرية والتطبيق، بين الأيدلوجي والتكنولوجي.
ج) سن القوانين واللوائح التي تحرم أشكال الاعتداء على حقوق الآخرين في ذلك (الملكية الفكرية وبراءات الاختراع ..).
د) التزايد المضطرد في إنتاج البرامج الكمبيوترية وغيرها من منتجات المعرفة المحضة، فضلا عن التفنن في توظيفها في عمليات التعلم والتعليم ..
هـ) ظهورما يسمى بعلم العلم أو ما وراء العلم كما يطلق البعض، وتعميق النظرة إلى الأسس والمنهجيات وليس فقط العائد والمنتجات.
و) اتساع الهوة بين من يملك المعرفة ومن لا يملكها. وما كان لهذا كله أن يمر دون أن تنعكس آثاره على تعلم اللغات الأجنبية وتعليمها.
ز) التكامل بين المعرفة الأكاديمية المتخصصة والمهارات الوظيفية المرتبطة بها مثل التحليل والتركيب والنقد وحل المشكلات والكفاءة التكنولوجية ..
3. زيادة الاهتمام بالبعد الثقافي في تعليم اللغات الأجنبية. العلاقة بين اللغة والثقافة لم تعد محل جدل أو محور نقاش. إنهما كالعملة الواحدة ذات الوجهين. ولقد دفعت وثاقة العلاقة بينهما أن اعتبرت الثقافة مهارة خامسة تصاحب زميلاتها من المهارات اللغوية الأربع؛ الاستماع والكلام والقراءة والكتابة. ومع وضوح ذلك إلا أن بعض برامج تعليم اللغات الأجنبية وكتبها لم تعد تعطي هذا البعد اهتمامه الذي يستحقه؛ حتى دخلنا في عصر العولمة الذي شهد جهودا مكثفة من الدول المتقدمة، وأمريكا على وجه الخصوص، لتهميش الثقافات المحلية والتقليل من شأن الدول النامية والقوميات لحساب قومية عالمية في عالم القطب الواحد ..
والملاحظ أنه على نقيض ماتتمنى الثقافة الأجنبية العالمية الواحدة (الأمريكية) فإن الثقافات المحلية بدأت يشتد عودها وبدأ الاحساس بالذاتية الثقافية يتعاظم لدى الشعوب، واستجمع كل منها مالديه من قوى لصد التيار القادم. فظهرت الدعوات إلى العودة للذات والترحم على الماضي والتمسك بالتقاليد التي بدأت تتحلل أمام التقاليد الوافدة .. وهذا كله فرض على برامج اللغات الأجنبية أن تعيد نظرتها للثقافة مفهوما وتعليما.
4. ارتفاع مستوى المهارات العقلية والأدائية التي صارت تلزم الإنسان المعاصر ليعيش في المجتمع المعاصر ويتواكب مع اتجاهات التطوير فيه. أصبح على الإنسان كي يضمن له موقعا في المجتمع، ناهيك أن يكون موقعا جيدا، أن يمتلك من مهارات التفكير والبحث والتحليل والنقد مايؤهله لتحقيق آماله. وليس هذا في نطاق ملكات الإنسان فقط بل تعداه إلى مختلف أشكال الأداء : فلم يعد مجرد إنجاز العمل مطلبا أو غاية، بل أصبحت إجادته والوصول به إلى أقصى ما يستطيع الإنسان من إتقان هو المطلب والغاية. نحن الآن في عصر التميز.. عصر الجودة الشاملة وليس عصر " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ولهذا بالطبع انعكاساته على تعليم اللغات الأجنبية .. أصبحت مهارات التفكير الناقد والإبداعي والتأملي والعلمي والتحليلي وحل المشكلات والاستقصاء.. أصبحت هذه كلها موطن الاهتمام في برامج تعليم اللغات الأجنبية ولم يعد الأمر مقتصرا فيها على تعلم نطق كلمات أو تركيب جمل..
5. النظرة التكاملية في تعليم المهارات الإنسانية في مختلف المجالات. لقد سادت حتى وقت قريب نظرية التحليل الدقيق للمهارات والتجزئة لمايقدم فيها من برامج التدريب ومناهج التعليم، وذلك منذ قدم سمبسون وزملاؤه تصورهم للمجال النفسي حركيpsychomotor domain واختلف الموقف الآن. وأصبحت النظرية التكاملية integrative والتحليل الكليmacro في مقابل النظرية التجزيئية والتحليل التفصيليicroـanalysis صارمن مكونات عملية تعلم اللغات ما يسمى بتحليل الخطاب discourse-analysis تحليـل الأعراف والـتقاليد الـثـقـافـية والاجـتـمـاعة socio-cultural وغيرها من أشكال التحليل الكلي للظواهر. وكان لا بد أن ينعكس هذا على تعليم اللغات الأجنبية بشكل عام وتعليمها لأغراض خاصة بشكل خاص!.
6. تحول الاهتمام من التعليم الى التعلم. لم يعد محور الاهتمام الآن جهد المعلم في الفصل قدرما أصبح مايسفرعنه هذا الجهد عند المتعلم نفسه.. صار المتعلم وما يتوفر لديه من معلومات وقيم واتجاهات ومهارات هو معيار العملية التعليمية الأساسي .. ولقد كثرت البرامج التي تركز على الدور الإيجابي للمتعلم بعد أن كان سلبيا فيما مضى، وفي مجال تعليم اللغات الأجنبية تتعدد برامج تدريس الأقران peer teaching والتدريس التشاركي participatory وغير ذلك من برامج تؤكد على المتعلمين أفرادا وجماعات. لقد حلت النظرية البنائية Constructive في التعلم والتي تؤكد على دورالمتعلم وإيجابيته وقدرته على أن يتعلم بنفسه، وعلى قيمة صناعة المعنى meaning making.. حلت هذه النظرية محل النظرية السلوكيةbehavioristic التي كانت تؤكد على نمطية السلوك ووحدة الاتجاه تقريبا (مثيرـ استجابة) وعلى التكرار أساسا في تعلم اللغة ..
7. التقدم الهائـل في أبحاث علم النفـس التربوي خاصة فـي مجال معالجة المعلومات information processing وأنماط التعلم learning styles. لقد جدت في هذه الساحة نظريات كثيرة وظهرت تجارب غيَرت كثيرا مما ألفه الباحثون حول التعليم وآلياته، وما يدور في عقل الانسان عند تلقي المعلومات وآليات اكتساب اللغة الأجنبية وغير ذلك من أفكار ونظريات تزخر بها الكتب الحديثة في علم اللغة النفسي. وكان لابد أن ينعكس هذا على طريقة تدريس اللغة داخل الفصل.
8. التقدم الهائل أيضا في دراسات الشخصية والتجارب التي عالجت القضايا المختلفة الخاصة بالنمو الإنساني والتي أجمع الكثير منها على أن البعد وجدانيaffective domain من أكثر الأبعاد أهمية في تعلم الإنسان. ليس فقط في تلقي المعرفة وإنما في إنتاجها. الإنسان تحكمه عواطف وميول واتجاهات وقيم. ولقد كان من المتوقع أن تتزامن مع هذه النظريات نظريات أخرى في تعليم اللغات الأجنبية تركز على البعد الوجداني في تعلمها وتعليمها. فصرنا نسمع عن التدريس الوجداني affective teaching للغات الأجنبية والتدريس التأمليreflective والتدريس التفاعلي interactive والمدخل الإنساني humanistic approach والمدخل الكلي holistic والتدريس الإرشاديcounselling وصارالاهتمام بالمتعلم كإنسان.
9. تنوع أساليب التقويم، فلم تعد المدارس والمعاهد والجامعات أسيرة للاختبارات التحصيلية أو الأشكال التقليدية التي يقاس بها مدى تقدم الطالب. صار هناك اهتمام بالتقويم الذاتيSelf-assessment ، وتقدير الحاجات needs-assessment والسجل التقويمي portfolio، فضلا عن شمول التقويم وتغطية مختلف جوانب التقدم عند الفرد بما في ذلك قراءاته الخارجية، وميوله واهتماماته المتجددة، وثقافته العامة وغيرها.
ولهذا بالطبع مردوده في برامج تعليم اللغات الأجنبية، ووجد طريقه سهلا. فتعددت الكتابات حول التقويم الذاتي والسجل التقويمي في هذا المجال.
التطبيقات اللازمة
مقدمة :
الاتجاهات الجديدة السابقة سواء ما كان منها عاما يتعلق بالأوضاع السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، أو ما كان منها خاصا يتعلق بالتربية والثقافة تفرض نفسها على برامج تعليم اللغة العربية لغيرالناطقين بها.. وما كان يمكن أن تظل هذه البرامج تدور في فلك التدريب الآلي على مهارات اللغة والصياغة التقليدية لهذه المهارات.
إن سببا من الأسباب الرئيسية للعزوف عن هذه البرامج هو ثباتها على الحال الذي بدأت به منذ مايزيد على ربع قرن من الزمان عندما بدأت المعاهد تتسابق على تعليم العربية لغير الناطقين بها في البلاد العربية.. .
وإن سببا آخر من هذه الأسباب يكمن في إحساس بعض الدارسين أن العربية وتعلمها أصعب بكثير من تعلم غيرها.. وفي الحقيقة فإن الصعوبة لاتكمن في اللغة ذاتها قدر ما تكمن في الأساليب التي تدرس بها.
آن لنا إذن أن نعيد النظر في كل ما نقوم به ونحن نعد برامج تعليم العربية أو نؤلف كتبها. والسؤال الآن هو : ما الذي تفرضه الاتجاهات الجديدة السابقة من تطبيقات في مجال تعليم العربية لغير الناطقين بها، خاصة لأبناء الجاليات العربية الإسلامية في الغرب ؟.
التطبيقات إذن فيما يتبقى من هذه الورقة تطبيقات عامة، إلا أن الاهتمام الأكبر سوف يكون لأبنائنا العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية.
(أ) العولمة الثقافية :
ليست العولمة مجرد نظام اقتصادي، بل هي أيضا نظام فكري يمتد ليشمل مختلف قطاعات الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية وإن لم تكن أيدلوجيا واضحة المعالم مكتملة القسمات، ولئن كانت ثقافيا تستهدف تهميش ثقافات الشعوب وسيادة ثقافة عالمية واحدة، وهي الأمريكية بالطبع، فهي في الوقت ذاته فرصة لأن تظهر الشعوب تميزاتها الثقافية، وأن تبرز خصوصياتها الحضارية وإبداعاتها حتى لا يتحقق للعولمة بمفهومها السلبي ما تنشده من هيمنة ثقافية واختراق للثقافات الأخرى، وإفقار لها. ولعل من المفيد هنا أن نذكر المادة الأولى التي جاءت في إعلان المبادئ سنة 1966 المنبثق من المشروع الذي احتضنته اليونسكو " الفهم المتبادل للقيم الحضارية للشرق والغرب " والذي استمر خلال عـقد مــن الزمــان (1957، 1966). يقول الإعلان في مادته الأولى :
أ) كل حضارة لها اعتبارها وقيمها التي يجب المحافظة عليها واحترامها.
ب) كل شعب له الحق وعليه واجب تنمية حضارته.
ج) كل الحضارات بكل ما فيها من تنوع واختلافات عميقة وتأثير متبادل على بعضها البعض جزء من الإرث العام للبشرية.
وإذا كان هذا ما أقرته اليونسكو عام 1957، أي منذ ما يدنو من نصف قرن من الزمان، فأحرى بنا أن نؤكد عليه الآن وأن نسأل أنفسنا، ماذا يمكن لبرامج تعليم العربية لغير الناطقين بها أن تقدم في هذا الإطار؟ وكيف لها أن تعرِِِف الآخرين بثقافتنا؟ وكيف تساعد المسلمين منا (من غيرالناطقين بالعربية) على المحافظة على تراثنا وتحصين هويتنا وغرس الثقة بإمكانياتنا في سياق الحضارة العالمية المعاصرة؟.
ماذا يعني ذلك ونحن نخطط لبرامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ؟ يعني كلا من :
أ‌) التوسع في نشر اللغة العربية، ودعم كافة الجهود التي تبذل في ذلك سواء على مستوى العالم العربي أو الدول الإسلامية أو الجاليات العربية والإسلامية في الغرب ..
ب‌) تعزيز الثقة باللغة العربية والاعتزاز بها، خاصة في برامج تعليم العربية لأبناء الجاليات العربية والإسلامية في الغرب. ذلك أن اهتزاز الشخصية لغويا هو اهتزاز لوجودها برمته.
ج) الدراسة العلمية لاهتمامات الأجانب نحو الثقافة العربية الإسلامية ومراجعة المحتوى الثقافي الذي تقدمه برامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وكذلك ماتشتمل عليه الكتب والمواد التعليمية في هذا المجال. ولنأخذ في الاعتبار أن اهتمامات الأجانب بثقافتنا وحاجتهم إلى تلقيها ونظرتهم إليها قد تختلف، وهي بالفعل تختلف، عن اهتماماتنا وحاجاتنا ونظرتنا بصفتنا أصحاب هذه الثقافة. إن الأجنبي يهتم بثقافتنا انطلاقا من حاجاته الثقافية لا من حاجاتنا نحن.
د‌) مراجعة المفاهيم الثقافية والأنماط الحضارية التي تشتمل عليها كتب اللغة العربية خاصة ما يقدم منها لأبنائنا في المجتمعات الأجنبية. إن ثمة قيما جديدة تفرض نفسها ونحن نعلم أبناء الجاليات العربية الإسلامية وهي قيم ينبغي أن تأخذ مكانها ونحن نختارالمحتوى الثقافي في كتب تعليم اللغة العربية لهم .
هـ) إن مما ينبغي أن تحرص عليه كتب اللغة العربية لأبناء الجاليات العربية والإسلامية في الغرب ما يلي:
1. تنمية اعتزاز الدارسين بالانتماء للثقافة العربية الإسلامية وتمكينهم من التصدي لمحاولات تهميش هذه الثقافة.
2. تقدير التراث العربي الإسلامي ودور الحضارة الإسلامية في بناء الحضارة الإنسانية على مدى التاريخ.
3. تحقيق التواصل بين الشعوب الإسلامية، وتأكيد قيمة الحوار مع الآخر والانفتاح على الشعوب الأخرى والتعايش بينها.
4. تنمية اتجاهات الطالب نحو احترام ثقافات الآخرين وإن لم يقبلها.
5. تنمية الاعتزاز بالثقافات المحلية للشعوب الإسلامية بما لايتعارض مع قيم الإسلام ومبادئه.
6. الايمان بمنطق الاختلاف بين الثقافات وتنوعها " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " .
7. تأكيد القيم الإنسانية العامة التي تدور حول الفرد كإنسان، واحترام حقوق الإنسان بمختلف أشكالها.
8. احترام إرادة الشعوب في تقرير مصيرها.
9. رفض أشكال الاستلاب الثقافي، والانبهار بالثقافات الأجنبية التي تتنافى مع قيم الإسلام وثقافته
10. تأكيد قيم التسامح في الإسلام وتدعيم الإحساس عند الطالب بنبذ الارهاب ورفض كل أشكال التطرف.
11. تنمية اتجاهات الطالب نحو التذرع بالمعرفة دائما والسعي الجاد نحو الحصول عليها وتلمسها في مظانها الأصلية.
12. تأكيد قيمة المنهج العلمي في معالجة القضايا وأشكال التفكير والتدرب على النظرة الموضوعية التي يتخفف الإنسان فيها من أهوائه ونزعاته الذاتية.
13. تقدير كل أشكال التقدم التكنولوجي والاستعداد للأخذ بأسباب الحضارة المعاصرة بما لا يتعارض مع ثقافتنا العربية الإسلامية.
14. تأكيد قيمة التقوى كأساس للتفاضل بين الناس، والبعد عن كل أشكال التعصب للجنسيات والمذاهب، والتريث في إصدارالأحكام وإطلاق التعميمات في وصف سلوكيات الآخرين من ثقافات مختلفة.
15. تدعيم ثقافة الشورى وتأكيد الديمقراطية كقيمة، ودعم ممارستها كأسلوب حياة وليست فقط كنظام سياسي أو قانوني.
16. تأكيد دور مؤسسات تنمية القيم في حياة المسلم المعاصر، وعلى رأسها المسجد والأسرة والمدرسة.
(ب) حقوق الإنسان :
من الموضوعات التي تزخر بها أجهزة الاعلام وتدور حولها المؤتمرات وتعقد الندوات حقوق الإنسان. ولئن اختلفت الدوافع الكامنة وراء الحديث عنها سواء من يحرص عليها بحق، أو من يستعملها سلاحا، فهي واقع يفرض نفسه، ويفرض بالتالي على برامج العربية لغير الناطقين بها أن تستجيب له.
ولعلنا بداية نقف عند العلاقة بين حقوق الإنسان وتعليم اللغة بشكل عام . ويحضرنا في هذا السياق ما ورد في مشروع إطار العمل المتكامل بشأن التربية من أجل السلام وحقوق الانسان والديمقراطية والذي أقرته الدورة الرابعة والأربعون للمؤتمر الدولي للتربية في جنيف (3/8 أكتوبر 1994) ورد فيه تحت المادة 19 ما نصه :
إن برامج القراءة والتعبير الشفهي والتحريري تلعب دورا أساسيا في تطوير التربية من أجل السلام وحقوق الإنسان والديمقراطية، وينبغي تعزيزها إلى حد كبير. ذلك أن إتقان القراءة والكتابة والكلام يؤهل المواطن للانتفاع بالمعلومات والفهم الواضح للظروف به والتعبيرعن احتياجاته، والمشاركة في أنشطة البيئة الاجتماعية، كما أن تعلم اللغات الأجنبية يتيح فرصة التعمق في فهم ثقافات أخرى، ومن إرساء تفاهم أفضل فيما بين المجتمعات وفيما بين الشعوب. ويمكن أن يكون برنامج اليونسكو بشأن " تعليم اللغات من أجل السلام (Linguapax) مثالا يحتذى في هذا الصدد.
ولقد سبق للمؤتمر الدولي المعني بالتربية من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية والذي انعقد في مونتريال بكندا في مارس سنة 1993، أن وضع خطة بعنوان " خطة العمل العالمية للتربية من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية وورد في رقم 6 تحت أهم طرق العمل مانصه"، المراجعة المنظمة للكتب المدرسية بهدف تخليصها من القوالب الجاهزة stereyotypes ذات العلاقة بعداء الأجانب والعنصرية والحيف الجنسي وما إليها ". وبالطبع يشمل هذا كتب تعليم اللغات الأجنبية. وفي مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها يلزمنا :
1. مراجعة كتب تعليم اللغة العربية خاصة في المستويين المتوسط والمتقدم حيث يرتفع مستوى موضوعات القراءة ويشغل تعليم الثقافة العربية حيزا كبيرا. ونستهدف من هذه المراجعة التأكد من موضوعية الصورة التي تقدمها هذه الكتب عن الآخر، والتحرر من الصور النمطية التي تتكون مسبقا عن ثقافات الشعوب الأخرى .. ولئن كانت الموضوعية تمثل التوجه العام في هذه الكتب إلا أن الحاجة لمثل هذه الدراسة مازالت قائمة وتشتد إليها الحاجة خاصة في هذه المرحلة.
2. إجراء دراسة حول كيفية معالجة كتب اللغة العربية لحقوق الإنسان، باستخدام أسلوب تحليل المحتوى.
3. الانطلاق من التحديد الدقيق لحاجات الدارسين في تعلم اللغة العربية وتصميم البرامج المناسبة لإشباع هذه الحاجات وعدم التعامل معهم كما لوكانوا جمهوراً واحداً ذا خصائص مشتركة. وفي هذا كما نعلم تطبيق عملي لمبدأ مراعاة الفروق الفردية الضرورية بين الدارسين، فما يصلح لهؤلاء قدلا يصلح لأولئك.
4. الالتفات إلى الفئات ذات الحاجات الخاصة. إن المتفحص لخصائص الجمهور في بعض برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها لا يعدم أن يجد من هؤلاء الجمهوردارسين يندرجون تحت مسمى ذوي الحاجات الخاصة. فمنهم من هو أمي في لغته الأولى فلا يعرف القراءة والكتابة، واضطرته ظروف العمل في الدول العربية أن يتعلم اللغة العربية . ومنهم من توفر له تعليم رسمي محدود في بلده ولم يكمل دراسته ثم هاجر إلى إحدى دول الخليج وانخرط في برنامج لتعليم اللغة العربية. ولا شك أن إجادة تعليم اللغة الثانية تعتمد إلى حد كبير على مدى إجادة الفرد لغته الأولى. ومنهم من تكمن وراءه خلفية ثقافية تختلف جذريا عن ثقافة اللغة العربية كأن يكون وثنيا من إحدى قبائل الهند أو الصين أو غيرها. ومنهم من تحيط به ظروف عمل صعبة أو يعاني من بعض أشكال الاضطهاد السياسي أو الوظيفي. وأخيرا منهم من لديه شكل من أشكال العجز يضمه إلى طائفة المعوقين.. وكل هذا الصنف من جمهور الدارسين في برامج تعليم اللغة العربية يفرض عليها الالتفات إليه. وإعداد ما يلزم كل صنف من هذا الجمهور ما يساعده على تخطي مشكلته.. إن الفئات ذات الحاجات الخاصة أفراد في مجتمع. وعلى المجتمع ألا يحرمهم حق التعليم أيا كانت طبيعته. ولا ينبغي أن يضيع حق الفرد أمام تيار الجماعة.
5. توزيع مراكز تعليم العربية لغير الناطقين بها جغرافيا حتى تغطي مناطق واسعة تسمح لأكبر قطاع من الدارسين للإلتحاق بها . فضلا عن الاعتدال في طلب رسوم الالتحاق بهذه المراكز حتى يسمح لمختلف شرائح المجتمع من الالتحاق بهذه المراكز. إن من بين أولياء أمور أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الغرب من يعمل في مستويات متدنية من السلم الوظيفي ويكادون يحصلون منها على حاجاتهم الأساسية، فكيف تلبي حاجات تعلم العربية بين أولادهم .؟ وأنى لهم أن يأتوا برسوم المدارس العربية هناك؟.
6. الاهتمام بطرائق التدريس التي تركز على المتعلم وتراعي الفروق الفردية بين المتعلمين مثل أساليب التعليم الإفرادي Individualized instruction والتعلم الذاتي وغيرها.
7. يرتبط بما سبق ضرورة أن تتوفرعند معلم العربية لغير الناطقين بها مجموعة من الاتجاهات الإيجابية نحو التعلم بشكل عام ونحو طرائق التدريس السابقة بشكل خاص. وأن يحترم الدارس كإنسان له حق التعلم، وعلى المعلم واجب تعليمه. إن على المعلم كي ينجح في أداء دوره في مثل هذه الطرائق أن :
أ) يتقبل تكليف الدارس بمسؤوليات اتخاذ القرار.
ت‌) يعبر عن التزامه بتحقيق الأهداف.
ج) يساعد الدارس على التخلص من الشعور بالنقص أو عدم القدرة على التعلم.
د‌) يرفع من مستوى دافعية الدارس للتعلم
هـ) يشجع الدارس على أن يكون عند حسن ظنه فيتحمل أمامه المسؤولية ويتحرك بإيجابيه.. .
و‌) يحرص على إظهار إنتاجية واضحة.
8. الاهتمام ببرامج تعليم العربية لأغراض خاصةArabic for Special Purposes تلك التي تصمم لكل جمهورعلى حدة في ضوء حاجاته. وهي بالطبع تختلف عن برامج تعليم العربية للحياة.
(ج) التقدم التكنولوجي :
لم يشهد التاريخ مرحلة تتضاءل فيها المسافة بين العلم والتكنولوجيا مثلما شهد فى هذه المرحلة. فما أن تنتهى التجربة فى مختبرات العلماء حتى تجد سبيلها للتنفيذ، خاصة في مجال الاتصال. وتتعدد أساليب الاتصال وتقنياته سواء فى مجال الإعلام أو مجال التعليم أو في مجال الاتصال الشخصى. فهناك القنوات الفضائية وهناك شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) وهناك شبكات المعلومات الداخلية Intranet وغيرها كثير. وهناك التقنيات التعليمية الحديثة.. كل هذا يفرض نفسه على برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
1. ضرورة تحديث أساليب تعليم اللغة العربية وتوظيف التقنيات الحديثة في ذلك. فتتطورالوسائل السمعية والبصرية ويصبح لها موقع في برامجنا، وتعد برامج لتعليم العربية عبر القنوات الفضائية.
2. التفكير في إنشاء قناة فضائية لنشر اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية، وتتحمل تكاليفها المنظمات العربية والاسلامية.
3. تصميم برامج تعليم العربية عن بعد distance learning ورصد الإمكانات المادية اللازمة لعدد من هذه البرامج الموزعة على عدد من المناطق فى ضوء الدراسة العلمية لتجمعات المهتمين بتعليم العربية.
4. رصد أشكال الهجوم التى تتعرض لها اللغة العربية والثقافة العربية والإسلامية عبر القنوات الفضائية المعادية ووضع البرامج التى تتصدى لها.
5. مراقبة الأداء الإعلامى للمذيعين العرب من حيث سلامة اللغة التى ينطقونها ودعوة أجهزة الإعلام فى الدول العربية المختلفة لأن تدقق فى اختيار المذيعين من حيث كفاياتهم اللغوية وتنظيم دورات لغوية مستمرة لهم. إن خطورة الأداء اللغوى الخاطىء لا تقتصرعلى المشاهد العربى وحده بل تتعداه إلى غيره ممن يتعلم العربية كلغة أجنبية.
6. التوسع في استخدام أجهزة الإعلام الحديثة والتقنيات المتطورة لإعادة موقع اللغة العربية في الدول التى بدأت تنحسر فيها. ففي دراسة جيدة حول الجامعة الأفريقية كشركة متعددة الجنسيات يقول علي المزروعي "مع أن اللغة العربية أكثر اللغات انتشارا في القارة الآفريقية إلا أن هذه اللغة لم تحظ باهتمام يذكر في المناهج التعليمية الأفريقية جنوب الصحراء، بل إنها لم تجد اعترافا حتى من الأقطار المحاذية للمناطق المتحدثة بالعربية أومن الأعداد الكبيرة من المسلمين القاطنين في تلك الأقطار، ويبلغ عدد الجالية الإسلامية في نيجيريا ملايين إضافة إلى ملايين أخرى تسكن الأقطار المحاذية لها، ومع ذلك فقد فضلت الجامعات النيجيرية الدراسات اللاتنينة والأغريقية على الدراسات العربية". وليس الأمر مقتصرا على ذلك بل إن هناك جهودا تبذل الآن وبضراوة شديدة لإقصاء المسلمين في أفريقيا عن تعلم اللغة العربية وتشجيع تعلم اللغات الأخرى كالإنجليزية والفرنسية ويلقى هذا دعما حتى من بعض الحكومات. ولقد بلغت الحرب ذورتها عندما بدأت بعض اللغات الأفريقية تتحول عن الحرف العربي الذى كانت تكتب به إلى الحرف اللاتيني كالسواحيلية مثلا.. .
7. ولقد آن للمسئولين عن نشر العربية وثقافتها أن يبذلوا مزيداً من الجهد، ويرصدوا مزيداً من الإمكانات ويواكبوا التقدم التكنولوجى في مواجهة هذه الحملات.
(د) علم النفس الحديث :
ينبغي مواكبة أشكال التقدم المتسارع في مجال علم النفس. ومما يمكن لبرامج تعليم العربية لغير الناطقين بها القيام به ما يلي :
1. متابعة المستجدات في مجال علم النفس المعرفي والتفكير في التطبيقات المناسبة لنتائج البحث العلمي في هذا المجال والعمل على مواكبة أساليب تعليم اللغة العربية للاتجاهات الجديدة في علم النفس بشكل عام وفى الدراسات المعرفية وأنماط التعلم بشكل خاص.
2. لم يعد مقبولا الآن ونحن نعالج قضايا تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها أن نقتصرعلى ما يسفرعنه البحث العلمي في مجال المناهج وطرق التدريس أو حتى فى مجال الدراسات اللغوية متجاهلين مجال الدراسات النفسية. ولئن كنا قديما نستضئ بأبحاث علم النفس اللغوي أو علم اللغة النفسي على ما بينهما من فروق دقيقة، فإننا اليوم أحوج الى متابعة حركة البحث العلمي في هذا المجال. ومنذ أكثر من ربع قرن من الزمان ألفـت الخبيرة العالمية في تعليم اللغات الأجنبية ولجا ريـفرز Wilga Rivers, The Psychologist and Foreign Languege Teaching علم النفس وتعليم اللغة الأجنبية. ولفتت الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بالدراسات النفسية وتطبيق نتائجها في مجال تعليم اللغات الأجنبية. ولقد أثارهذا الكتاب ما أثار وتوالت بعده دراسات في علم النفس اللغوي وتطبيقاته في تعليم اللغات الأجنبية مما يعد مؤشرا لاتجاهات حديثة فى تعليم هذه اللغات، وما زال ميدان تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بمنأى عن هذا كله إلى حد كبير!.
3. ضرورة تدريب العاملين بمراكز تعليم اللغة العربية على استخدام الأدوات والاختبارات والمقاييس التى تساعد على التحديد الدقيق للحاجات اللغوية عند الدارسين وأنماط التعلم السائدة بينهم، واستعدادتهم لتعلم اللغات الأجنبية وتوقعاتهم منها. وغير ذلك من جوانب تعد مؤشرات لازمة تصمم فى ضوئها برامج تعليم اللغة بمختلف عناصرها أهدافا ومحتوى وطرق تدريس وتقويم. وهذا لا يتحقق بالطبع إلا إذا توفرت هذه الأدوات والاختبارات والمقاييس. وهذا أيضا يستلزم من مراكز ومعاهد تعليم اللغة العربية أو كليات إعداد معلميها وخبرائها مايلي :
أ) الحصول على نسخ من هذه الأدوات الأجنبية المقننة وتوفيرها في مراكز تعليم اللغة العربية. فقد يكون من بين الدارسين في المستوى المبتدىء خاصة من يصلح معه هذه الأدوات.
ب) مراجعة المحتوى الثقافى لهذه الأدوات الأجنبية قبل تبنيها خاصة فى البلاد العربية والإسلامية وإجراء التعديلات اللازمة لها مما يجعلها مناسبة لثقافتنا العربية الإسلامية أو على الأقل لا تعارض معها.
ج) البدء فى إعداد مجموعة متنوعة من هذه الأدوات والاختبارات المقاييس خاصة لبرامج تعليم العربية لغير الناطقين بها وتشجيع مراكز البحث العلمى على تقنينها حتى تساعد على تطوير الأداء فى هذه البرامج. ذلك أن الاقتصار على هذه المقاييس والاختبارات يمثل أحد الأسباب الرئيسة المعوقة للتطوير المستمر.
4. توجيه مزيد من الاهتمام للجانب الوجداني فى تعليم اللغة العربية. وعدم الاقتصار على الجانب المعرفي Cognitive والمهاري Psychomotor وترجمة هذا الاهتمام في مختلف جوانب العملية التعليمية سواء من حيث الأهداف أو المحتوى أو طريقة التدريس أو التقويم.
5. إجراء مزيد من الدراسات حول البعد الوجداني في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في محاولة لصياغات إجرائية للأهداف الوجدانية لتعليم العربية، وكذلك أساليب تحقيقها وطرق قياسها. إن الجانب الوجداني ظل ومازال إلى حد كبير، مفتقرا إلى المعالجة فى برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها. ولعل من أسباب ذلك صعوبة التحديد الإجرائي لمفاهيمه قياسا لما يحظى به الجانبان الآخران: المعرفي والمهارى.
6. بذل مزيد من الاهتمام للاتجاهات والقيم والميول والدوافع وسمات الشخصية وغيرها من جوانب وجدانية تعد مقوما أساسيا من مقومات نجاح أي برنامج لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
7. الاهتمام بتحديد أساليب التعلم بين الدارسين وطرق معالجة المعلومات عندهم وتصميم البرامج التي تراعى هذه الأساليب والطرق حتى نضمن تعلما أسرع وأكفأ للغة العربية.
8. الوقوف على المستجدات في مجال تدريس اللغات الأجنبية من حيث استراتيجيات التدريس ومداخله مما يعتمد أساسا على الجوانب الوجدانية في تعليم هذه اللغات مثل الطريقة الإيحائية Suggestopaedia والمدخل الإنسانى Humanistic applroach وطريقة الاستجابة الحركـيـة الـكـلية Total Physical والـمدخـل التفاعلي approach Interactive وغيرها من استراتيجيات ومداخل والعمل على ترجمتها فى برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها.
(هـ) التكامل والإبداع

من أهم ما يشيع في ميدان التربية المعاصرة مما يختص بتعليم المهارات اتجاهان:
1. الدعوة إلى ارتفاع مستوى المهارات العقلية والأدائية التي يجب تعليمها للدارسين على مختلف المستويات سواء فى تعليم اللغة أو غيرها وسواء فى تعليمها للناطقين بها أو لغير الناطقين بها. ذلك أن التقدم التكنولوجي المعاصر لم يعد يناسبه متعلم اقتصر تعليمه وتدريبه على المستويات الأدنى من المجال المعرفي مثلا.
2. النظرة التكاملية بين المهارات والشمولية فى تناولها. ولقد تعرضت الأهداف الإجرائية السلوكية لتيار شديد من النقد مصدره اتهام هذه الأهداف بالنظرة التجزيئية للسلوك الإنساني.
ولهذا ترجمته فى برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها كالتالي:
1. ينبغي مراجعة تعليم العربية وكتبها سواء أكانت كتبا دراسية مقررة أم كتبا للقراءة الموسعة، والتأكد من أن التدريبات بها لا تقف عند حد المستويات الأدنى من الجانب المعرفي وإنما تتعداه إلى المستويات العليا (تطبيق/ تحليل/ نقد / تقويم).
2. النظرة إلى تعليم العربية لغير الناطقين بها على أنه عملية إبداعية وليست آلية ميكانيكية بحتة، تعتم